باب التغليظ في التخلّف عن الجماعة
حدثنا عبد الحميد بن بيان الواسطي، ثنا هشيم، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر . هذا حديث خرجه البستي في صحيحه، عن الحسن بن سفيان، ثنا زكريا بن يحيى وعبد الحميد بن بيان السكري بلفظ: من سمع النداء فلم يجب . وخرجه أبو داود من حديث أبي جناب، عن مغراء عن عدي بلفظ: قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض، لم تقبل له الصلاة التي صلى .
ورواه في الأوسط ثم قال: لم يروه، عن مغراء إلا أبو جناب، ولا عن أبي جناب إلّا جرير . تفرد به أبو معمر، وفيه نظر لما نذكره بعد . ورواه أبو عبد الله من حديث عبد الرحمن بن غزوان وهشيم عن شعبة ثم قال: هذا حديث قد أوقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهشيم وقراد أبو نوح ثقتان ، فإذا وصلاه فالقول فيه قولهما، وله غير شاهد فذكر حديث سعيد بن عامر وأبي سليمان داود بن الحكم، عن شعبة مرفوعًا، قال: ولشعبة متابعان مغراء العبدي عن عدي بلفظ: قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض .
وأبو جناب من حديث سليمان بن قرم بلفظ: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من سمع النداء ينادى صحيحًا فلم يأته من غير عذر لم يقبل الله صلاة غيرها . قيل: وما العذر؟ قال: المرض والخوف . وفي كتاب العلل للخلال : ثنا محمد بن الحسين، ثنا الفضل قال: قلت لأحمد: شعبة عن عدي فذكره، قال: أخطأ فيه هشيم مرّة رفعه وهذا موقوف .
قلت: كيف؟ قال: غْندر وغيره لا يرفعه . وقال أبو الحسن الدارقطني : تابع هشيما على رفعه قراد، ورواه جرير عن أبي جناب رفعه، ووقفه يوسف القطّان عن جرير . ورواه ابن قرم، عن أبي جناب عن مغراء عن عدي مرفوعا .
وقال أبو أحمد: ورواه جرير . وتفرد به عن أبي جناب، عن مغراء . وقال ابن قرم عن أبي جناب، عن عدي وكأنه اختلط على الناسخ لا على أبي أحمد .
وقال الإشبيلي حين ذكره من عند أبي داود: هذا يرويه مغراء العبدي، وقد روى عنه أبو إسحاق، والصحيح: موقوف على ابن عباس، وتتبع ابن القطان عليه أمرين: الأول: إعلاله إيّاه بمغراء أبي المخارق ، قال: وليس بصواب ؛ لأنه روى عنه جماعة ، وذكر أبو العرب عن الكوفي وليس في كتابه أنه لا بأس به . الثاني: قوله: على أنّ قاسما ذكره في كتابه عن إسماعيل: ثنا سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، عن ابن عباس، قال عليه السلام: من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة إّلا من عذر . قال أبو محمد : وحسبك بهذا الإسناد صحة، قال أبو الحسن: ليس في كتاب قاسم: إلّا من عذر في الحديث المرفوع، إنّما هو في الموقوف، فلم يتثبت أبو محمد، فأورده هكذا، وإنّما نقله من كتابه بواسطة ابن حزم أو غيره، وهذا مما نقله من عند ابن حزم، وهو جاء به مفسرا بزيادة: إلّا من عذر في المرفوع ؛ فتبين لك أنّ الصواب فيه بإيراد الواقع في كتاب قاسم بنصّه، قال قاسم: ومن كتابه نقلت: حدّثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا حفص بن عمر، وسليمان بن حرب، وعمرو بن مرزوق، عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر .
قال إسماعيل: وبهذا الإسناد روى الناس عن شعبة، وثنا به أيضا عن شعبة بإسناد آخر، ثنا سليمان، ثنا شعبة، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له . ثنا بهذا سليمان مرفوعا، وثنا بالأول موقوفًا على ابن عباس، هذا نص ما عنده، فالمرفوع عنده إنما هو من رواية شعبة عن حبيب لا عن عدي، وليس فيه زيادة: إلا من عذر وإنما تكون هذه الزيادة في حديث عدي إلّا أنها عند قاسم موقوفة، فحمل المرفوع على الموقوف في أن هذه الزيادة فيه، ونسبته ذلك إلى قاسم خطأ، نعم هي في الحديث المرفوع من رواية عدي، لكن عند غير قاسم، رواه هشيم، عن شعبة عند بقي بن مخلد وأبي القاسم ابن بنت منيع، وابن المنذر، والدارقطني . انتهى كلامه .
وفيه نظر من حيث قال: إن أبا محمد أعلّه بمغراء، وأبو محمد لم يعله به؛ إنما قال: ما أسلفناه عنه، وذلك لا يقتضي إعلالًا؛ بل ترجيحا لكونه ذكر له روايتين مخرجين له عن الجهالة، ولم يسبق له فيه كلام، أحال عليه.