باب لزوم الجماعة وانتظار الصلاة
حدثنا أبو كريب، ثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلّم - قال: إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان، قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ الآية . هذا حديث ضعيف الإسناد براويه رشدين المذكور قبل، وبه رده أبو أحمد بن عدي لما ذكره في كامله . ورواه البغوي في مسنده بسند ضعيف أخرج به رشدين بن سعد منه، وخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده، عن أبي خيثمة، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن مطرف بن عبد الله أن نوفا وعبد الله بن عمرو اجتمعا، فقال نوف: أجد في التوراة: لو أن السماوات والأرض وما فيهن وضعن في كفة الميزان ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن، ولو أن السماوات والأرضين السبع وما فيهن كن في طبق من حديد، وقال عبد: لا إله إلا الله كن فيهن حتى يصير إلى اللَّه تعالى فقال ابن عمرو: أنا أحدّثك، عن النبي صلى الله عليه وسلم: صلينا معه ذات ليلة المغرب، فرجع من رجع وعقب من عقب، فجاء قبل أن يثوب الناس لصلاة العشاء الآخرة، وقد حفزه النفس، وقد عقد تسعَا وعشرين وأشار بإصبعه السبابة إلى السماء وهو يقول: أبشروا يا معشر المسلمين، هذا ربكم فتح بابا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي هؤلاء .. .
الحديث . ولفظ الطبراني في الأوسط وخرجه من حديث ابن لهيعة، عن دراج، قال عليه السلام: من ألف المسجد ألفه اللَّه تعالى . وقال: لم يروه عن دراج إلّا ابن لهيعة، تفرد به عمرو بن خالد الحراني، وخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود، عن محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ابن لهيعة عن دراج به .
ورواه الترمذي، عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، وقال: حديث حسن غريب . كذا قاله، والمعهود منه تصحيح هذا الإسناد؛ فإنّه لما ذكر حديث: وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ من حديث سويد عن ابن المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن دراج، عن أبي الهيثم قال: حسن صحيح غريب . وممن يصحح هذا السند: ابن معين وابن خزيمة، وأمّا ابن حبان فإنه خرجه في صحيحه، عن عبد الله بن محمد بن سلم، ثنا حرملة بن يحيى، عن ابن وهب .
وخرجه الحاكم في مستدركه، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر قرئ على ابن وهب أخبرك عمرو به، وقال: هذه ترجمة المصريين، لم يختلفوا في صحتها، وصدقوا في روايتها؛ غير أن شيخي الصحيح لم يخرّجاه، وقد سقت القول في صحته فيما بعد، ولفظ الإمام أحمد، وخرجه عن سريج أنبأنا ابن وهب، عن عمرو: فاشهدوا عليه بالإيمان . وفي الباب حديث أنس من عند البخاري: أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجهه بعد ما صلى فقال: لم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها . وفي لفظ عند البيهقي من حديث صالح المري، عن ثابت، عن أنس مرفوعَا: إنّ عمار بيوت اللَّه هم أهل اللَّه عز وجل .
وحديث طارق بن شهاب يرفعه: وأما الكفارات: فإسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلوات . رواه في الأوسط، وقال: لم يروه، عن أبي سعد البقال - يعني، عن قيس بن مسلم - عنه إلّا القاسم بن مالك المزني . تفرد به فروة بن أبي المغراء .
وحديث أبي موسى مرفوعا من عند مسلم: والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام في جماعة أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام . وحديث علي بن أبي طالب قال صلّى اللَّه عليه وسلّم: إسباغ الوضوء على المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلا . رواه ابن زنجويه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبي العباس، عن ابن المسيب عنه .
وقال الدارقطني : ورواه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل ، عن ابن المسيب، فأسنده عن أبي سعيد الخدري، وكلاهما ضعيفان . وقال البزار: هكذا رواه صفوان، عن الحارث، عن سعيد . وحديث عبد اللَّه بن حبيب: حدّثني من سمع النبي - صلّى الله عليه وسلّم - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه .
رواه ابن زنجويه بسند صحيح من حديث ابن السائب عنه . وحديث عبد الله بن عمر مرفوعا من جملة حديث طويل: فأمّا الكفّارات فانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في السبرات ونقل الأقدام إلى الجمعات . قال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن سعيد بن جبير إلّا عطاء بن دينار، ولا عن عطاء إلّا ابن لهيعة .
تفرد به الوليد بن عبد الواحد التميمي، ولا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد . وحديث المنكدر قال: أَخر النبي - صلّى الله عليه وسلّم - صلاة العشاء الآخرة هنيهة ثم خرج علينا فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: الصلاة، قال: أما إنكم لن تزالوا فيها ما انتظرتموها . رواه أبو القاسم في الصغير من حديث القاسم بن الحكم العرني، عن عبد الله بن عمرو بن مرّة، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر عنه، وقال: لم يروه عن ابن سوقة إلا عبد الله بن عمرو، تفرد به القاسم بن الحكم .
وحديث خولة ابنة قهد زوج حمزة بن عبد المطلب، قال عليه السلام: ألا أنبئكم بكفارات الخطايا؟ فقلت: بلى، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . ذكره ابن المديني في كتاب الصحابة من حديث ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن الضحاك بن عبد الله القرشي، عن محمود بن لبيد عنها . وفي كتاب الجامع لمعمر عن عطاء الخراساني رفع الحديث: إن للمساجد أوتادا، جلساؤهم الملائكة يتفقدونهم فإن كانوا في حاجة أعانوهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن غابوا افتقدوهم، وإن حضروا قالوا: اذكروا ذكركم الله تعالى .
وحديث عقبة بن عامر الجهني قال صلى الله عليه وسلم: القاعد في المسجد يرعى الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إليه . رواه البستي في صحيحه عن عبد الله بن سلم، ثنا حرملة . وفي لفظ: إذا تطهر الرجل ثم أتى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتبه أو كاتباه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات .
وقال الطبراني في الأوسط: لا يروى عن عقبة إلا بهذا الإسناد، تفرد به عمرو بن الحارث ؛ رواه عن زغبة، ثنا ابن أبي مريم أنبأنا يحيى بن أيوب عنه، وفيه نظر لما أسلفناه، ولما في كتاب الثواب لآدم، ثنا عياش، ثنا ابن وهب به . وحديث ابن مسعود يرفعه: من أتى المسجد ينتظر الصلاة، فهو في صلاة ما لم يحدث . خرجه أبو نعيم الحافظ في كتاب المساجد من حديث أبي إسحاق عن عمرو بن عبد الله الحضرمي عنه .
وقال أبو حاتم في العلل: الصحيح عندي، عن عمرو قوله: وعجب ممن أدخل فيه عبد الله . وحديث سهل بن سعد يرفعه: من كان في مسجد ينتظر الصلاة فهو في الصلاة . رواه أبو العباس محمد بن إسحاق السراج في مسنده، عن قتيبة، وابن حبان عن ابن الجنيد عن قتيبة عنه، حدثنا بكر بن مضر، عن عياش بن عقبة أن يحيى بن ميمون حدّثه عنه، وحديث عبد الله بن سلام يرفعه: من جلس مجلسا ينتظر الصلاة، فهو في صلاة حتى يصلي .
رواه مسلم . وحديث عثمان بن مظعون قال: سألت النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - فقلت: إنّي أردت أن أترهب، قال: لا تفعل فإن ترهب أمتي القعود في المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . ذكره أبو سعيد النقاش في كتابه وقال: لا أعرف في إسناده واحدا منهم، وحديث أبي سعيد مرفوعا: ألا أدلكم على شيء يكفر الخطايا، ويزيد في الحسنات: إسباغ الوضوء على المكاره .. .
الحديث . قال عبد الله ، عن أبيه في كتاب العلل: هذا باطل، يعني من حديث عبد اللَّه بن أبي بكر، عن ابن المسيب عنه، إنما هو من حديث ابن عقيل، وأنكره أيضا أشد الإنكار، وقال: ليس بشيء - يعني ابن عقيل . قال ابن سيده: البش: اللطف في المسألة والإقبال على الرجل، وقيل: هو أن يضحك إليه ويلقاه لقاء جميلا، والمعنيان مقتربان، رجل بش وباش، وقد بششت به وبشاشة قال: لا يعدم السائل منه وقرا وقلبه بشاشة وبشرا وروي بيت ذي الرمة: ألم تعلمي أَنا نبش إذا دنت بأهلك منا طِيّه وحلول بكسر الباء فأمّا أن يكون بششت مقولة، وإمّا أن يكون مما جاء على فعل يفعل، والبشيش كالبشاشة، قال رؤبة: وأرى الزناد مسفر البشبش وتبشش به وتبشبش مفكوك من تبشش .
وقال أبو نصر: البشاشة: طلاقة الوجه . وقال يعقوب: لقيته فتبشبش بي وأصلها تبشش فأبدلوا من الشين الوسطى ياء، كما قالوا: تجفف، وقال الفراء: بش الرجل بصاحبه بشا وبشاشة: إذا ضحك إليه واستبشر به ولقيه بأحسن أخلاقه، وبشّ الرجل يبش: إذا برق، والبشاشة: النضرة . ومنه قول الشاعر: ذهبت بشاشته وأصبح واضحا حرق المفارق كالبراء الأعفر وقال آخر: ورأت بأنّ الشيب جانبه البشاشة والبشارة وقال ابن طريف، وابن نفطويه: بششت بالشيء: أقبلت عليه وضحكت إليه، وكل هذا متعذّر في حقّ الباري - عز وجل - وقد أحسن الهروي إذ قال: هذا مثل ضربه الله لتلقيه إياه ببره وإكرامه وتقريبه، وقال ابن الأعرابي: البش: فرح الصديق بالصديق، وقال ابن الأنباري: التبشبش من الله: الرضا، يقال: تبشبش فلان بفلان: إذا وانسه .
وقال ابن بطال: معنى قوله: ما لم يحدث دليل على أنّ الحدث في المسجد خطيئة يحرم به استغفار الملائكة ودعاؤهم له، قيل: ومن أراد أن يحط الله عنه ذنوبه فليلازم مصلاه بعد الصلاة ليستكثر من استغفارهم له . وشبه عليه السلام المنتظر للصلاة بالزائر، وقد فسّر أبو هريرة الحدث بأنه فساء أو ضراط . وذكر ابن حبيب النخعي، عن عبد الله بن أبي أوفى أنّه قال: هو حدث الإثم، وكان أبو الدرداء وعلي بن أبي طالب والنخعي وعطاء وسعيد بن جبير: يجوزون للمحدث الجلوس في المسجد، وكرهه الحسن وابن المسيب .
وقال الداودي: من رواه بالتخفيف دل على جواز الحدث في المسجد، ومن رواه بالتشديد أراد الحدث بغير ذكر اللَّه تعالى . قال ابن التين: لم يذكر أحد التشديد وقد جاء حديث صححه الحاكم وظاهره يعارض الإيطان، وهو نهيه - عليه السلام - عن إيطان المساجد كما يوطنه البعير، وليس كذلك؛ لأنه محمول على تحجير مكان في المسجد من أن يصلي فيه غيره كما يفعله كثير ممن يدّعي الرئاسة، وأمَّا من صلى في المسجد دائبا أي فرجة أو مكان صلى فيه، فذاك هو المتبشبش به، والله تعالى أعلم .