باب القراءة في صلاة المغرب
حدثنا أحمد بن بديل، ثنا حفص بن غياث، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب: قل يا أيها الكافرون، و﴿قل هو الله أحد ﴾. هذا حديث إسناده صحيح، وفي الأوسط من حديثه، عن أحمد الجوهري، ثنا الحسين بن حريث المروزي، ثنا أبو معاوية، ثنا عبيد الله، عن نافع عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمهم في المغرب بـ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . وقال: لم يروه عن عبيد الله إلا أبو معاوية، تفرد به الحسين، انتهى .
ليس تفرد الحسين بعلة لكونه خرج حديثه في الصحيحين، وبقية من في الإسناد لا يسأل عنهم، فهو إذا صحيح، ولهذا خرجه ابن حبان في صحيحه من حديث محمد بن أبي عون، عن ابن حريث . وزعم ابن بطال أن الشعبي روى عن ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالتين والزيتون . وفي الباب حديث مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت : ما لك تقرأ في المغرب بقصار السور - يعني المفصل - وقد سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بطولى الطوليين .
رواه البخاري . زاد ابن حبان: ما لك تقرأ في المغرب بقل هو اللَّه أحد، وإنا أعطيناك الكوثر، فقال زيد: فحلف باللَّه لقد رأيت النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - .. . الحديث .
وسئل ابن أبي مليكة: ما طولى الطوليين؟ فقال من قبل نفسه: المائدة والأعراف، وفي النسائي من حديث أبي الأسود أنه سمع عروة يُحدّث عن زيد أنّه قال لمروان: أبا عبد الملك أتقرأ في المغرب بقل هو اللَّه أحد، وإنّا أعطيناك الكوثر؟ فقال: نعم . قال: فمحلوفه لقد رأيت النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - يقرأ فيها بأطول الطوليين المص . وفي البيهقي: ورواه محاضر بن المورع عن هشام، عن أبيه، عن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - بهذا المعنى، والصحيح الأول يعني رواية البخاري .
وفي العلل الكبير للترمذي: سألت محمدا عن حديث محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام، عن أبيه، عن أبي أيوب وزيد بن ثابت قالا: كان النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - يقرأ في الركعتين الأوليين من المغرب بالأعراف فقال: الصحيح عن هشام عن أبيه، عن أبي أيوب أو زيد، هشام بن عروة يشك في هذا الحديث . قال أبو عيسى : وصحح هذا الحديث عن زيد بن ثابت: رواه ابن أبي مليكة عن عروة، عن مروان عن زيد . انتهى .
رواه وكيع في مصنفه، عن هشام على الشك، وذكر هو المعنى عند البخاري - واللَّه أعلم - وفي مسند السراج: ثنا أبو همام، ثنا محاضر، ثنا هشام، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، عن أبي أيوب : أن النبي - صلّى اللَّه عليه وسلم - كان يقرأ في المغرب بسورة الأعراف في الركعتين كلتيهما في المكتوبة وفيه ردّ لما ذكره الحاكم، وهو حكمه على حديث عروة عن زيد بالصحة على شرط الشيخين إن لم يكن فيه إرسال، ولم يخرجاه بهذا اللفظ إنّما اتفقا على حديث مروان عن زيد، وحديث محاضر هذا مفسر ملخص، وقد اتفقا على الاحتجاج به . وفي سنن البيهقي: قلت لابن أبي مليكة: ما طولى الطوليين؟ قال: الأنعام والأعراف . وفي الأطراف لابن عساكر: قيل لعروة: ما هما؟ قال: الأعراف ويونس .
وفي كتاب أبي عبد الرحمن النسائي، عن عمرو بن عثمان: ثنا بقية وأبو حيوة، عن ابن أبي حمزة، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول اللّه - صلّى اللَّه عليه وسلّم - قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين وهو سند ظاهره الصحة، لولا ما ذكر ابن أبي حاتم سمعت أبي، وحدثنا عن هشام بن عمار، عن الدراوردي، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة به . فقال: هذا خطأ؛ إنّما هو عن أبيه عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - مرسل . ولقائل أن يقول: شعيب بن أبي حمزة والدراوردي ثقتان تواردا على رفعه، والزيادة من الثقة مقبولة، فالحديث على هذا صحيح - والله أعلم - .
وحديث عبد الله بن عتبة بن مسعود : أن رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالدخان رواه أيضا بسند صحيح عن محمد بن عبد الله بن يزيد، ثنا أبي، ثنا حيوة ورجل آخر قالا: ثنا جعفر بن ربيعة أن عبد الرحمن بن هرمز حدّثه أنَّ معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر حدثه عنه . وحديث أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة سورة من قصار المفصل، ثم قام في الركعة الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي تكاد تمس ثيابه فسمعته قرأ بأم القرآن، وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ رواه مالك في موطئه عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عبادة بن نسي، عن قيس بن الحارث عنه . وحديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: كان - عليه الصلاة والسلام - يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: قل يا أيها الكافرون، و﴿قل هو اللَّه أحد ﴾.
ذكره الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في كتاب أولاد المحدثين تأليفه بسند حسن من حديث أبي قلابة الرقاشي، عن أبيه أنبأنا سعيد بن سماك عن أبيه عنه، ولما ذكر ابن حبان سعيدًا في الثقات قال: روى عن أبيه أنّه قال: لا أعلمه إلا عن جابر بن سمرة رضي الله عنه: كان النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - يقرأ في صلاة العشاء الأخيرة ليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين . ثنا به جماعة من شيوخنا عن أبي قلابة، ثنا سعيد بن سماك، والمحفوظ عن سماك أنّ النبي - صلّى اللَّه عليه وسلم - فذكره، وفيه نظر؛ لما ذكره بعد في صحيحه: أنبأنا يعقوب بن يوسف بن عاصم، ثنا أبو قلابة، ثنا أبي ثنا سعيد بن سماك حدثني أبي قال: لا أعلمه إلّا عن جابر بن سمرة قال: كان النبي - صلّى الله عليه وسلّم - يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة بـ قل يا أيها الكافرون، و﴿قل هو اللَّه أحد ﴾ ويقرأ في العشاء الآخرة ليلة الجمعة: الجمعة والمنافقين . وقد وقع لنا هذا الحديث عاليا: أنبأنا به أبو علي الحسن بن عمر بن خليل قراءة علينا من لفظه أنبأنا أبو المنجا عبد الله بن عمر بن اللتي قراءة عليه وأنا أنصت أنبأنا أبو المعالي اللحاس أنبأنا أبو عبد اللَّه بن السراج أنبأنا أبو علي بن شاذان أنبأنا أبو عمرو الدّقاق أنبأنا أبو قلابة فذكره مطولًا، فذكر الصلاتين .
وذكر الإمام أبو عبد الله مالك بن يحيى بن أحمد الإشبيلي في كتابه اختصار التمهيد لأبي عمر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ في المغرب بالصافات وبالمعوذتين . وحديث معاوية بن عبد اللَّه : أن رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب: حم التي فيها الدخان . ذكره ابن المديني في كتاب المستفاد في الصحابة من حديث جعفر بن ربيعة، عن الأعرج عنه، وهو سند صحيح .
وحديث أبي هريرة، وقد تقدَّم ذكره في باب ما يقرأ في الظهر والعصر، وخرّج أبو داود في سننه في هذا الباب حديث ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنه قال: ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول اللَّه يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة . قال صاحب تقريب المدارك : هذا حديث مسند صحيح عند البخاري وغيره، وحديث هشام بن عروة أن أباه كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو مما يقرءون العاديات ونحوها من السور، وأتبعه في إثره، قال أبو داود: هذا يدل على أنّ ذاك منسوخ وحديث قرة عن النزال بن عمار، عن أبي عثمان أنه صلى خلف ابن مسعود المغرب فقرأ ﴿قل هو اللَّه أحد ﴾ رواهما أبو داود، وحديث بريدة : كان النبي - صلّى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب والعشاء: ﴿والليل إذا يغشى ﴾والضحى، وكان يقرأ في الظهر والعصر بـ سبح اسم ربك الأعلى، و﴿هل أتاك حديث الغاشية ﴾. رواه البزار بسند صحيح عن عبدة بن عبد اللَّه وبشر بن آدم، ثنا زيد بن حباب، أنبأنا الحسين بن واقد، عن عبد اللَّه بن بريدة عنه .
وعند الترمذي بهذا السند: كان - عليه الصلاة والسلام - يقرأ في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها ونحوها من السور وقال: حديث بريدة حديث حسن، وحديث البراء بن عازب قال: صليت مع النبي - صلّى الله عليه وسلّم - المغرب، فقرأ بـ التين والزيتون . رواه السراج في مسنده بسند صحيح، عن قتيبة، ثنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت عنه، كذا في نسختي وهي أم، كتبها ابن النجار المؤرّخ، وضبطها وقرأها، وهي أصل جماعة من الحفاظ وعلى المغرب ليس بصحيح؛ لأن المحفوظ عن البراء أن هذه القراءة كانت في العشاء، وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى - وحديث جابر : أنّه كان رجل من الأنصار يعمل على ناضحين له، فجاء مبادرًا إلى صلاة المغرب فصلى مع معاذ، فقرأ سورة البقرة فصلى الرجل في ناحية المسجد ثم انصرف، فقال صلى الله عليه وسلم: أفتَّان يا معاذ؟ ثلاث مرات، لولا قرأت: والشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، ونحوهما . ذكره السكسكي في مسنده بسند صحيح، فقال: ذكر سفيان عن محارب بن دثار عنه، كذا قال: المغرب، وسيأتي ذكره، ويؤيّده ما ذكره النسائي في الكبير: وترجم القراءة في المغرب ب﴿سبح اسم ربك الأعلى ﴾.
أنبأنا محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن ثنا سفيان عن محارب فذكره مثله . ويوضحه ما في صحيح البستي: ذكر الخبر الدال على أن المغرب ليس لها وقت واحد: أنبأنا ابن الجنيد، ثنا قتيبة، ثنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن جابر: أن معاذا كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم . ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط قال: لم يروه، عن محمد بن قيس - يعني: عن محارب - إلّا وهب بن إسماعيل الأسدي .
وفي موضع آخر: فلما أقيمت صلاة المغرب أتى المسجد فوجد معاذا افتتح بسورة البقرة . وقال: لم يروه عن الشيباني، عن محارب إلا خالد بن عبد الله . قال الطحاوي: ذهب قوم إلى الأخذ بحديث أم الفضل وجبير، وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا ينبغي أن يقرأ في المغرب إلا بقصار المفصل، دليلهم ما رواه أبو الزبير، عن جابر: أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون .
وروى حماد عن ثابت، عن أنس: كنا نصلي المغرب مع النبي - صلّى الله عليه وسلم - ثم يرمي أحدنا فيرى مواقع نبله وقد أنكر على معاذ تطويل العشاء مع سعة وقتها فالمغرب أحرى بذلك، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي وجمهور العلماء . قوله: والمرسلات عرفا، قال الفراء: هي الملائكة ترسل بالعرف . وفي تفسير ابن عباس: يعني الرسل من الملائكة ومن الإنس؛ أرسلوا بكل معروف وخير وبركة .
وفي تفسير عبد بن حميد الكشي، عن عبد الله بن مسعود وقتادة قالا: هي الريح، وأما الطور: فعن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خوف أهل مكة العذاب فلم يؤمنوا ولم يصدقوا، فأنزل الله تعالى يقسم بستة أشياء أن العذاب نازل بهم، والطور: الجبل الذي كلم الله عليه موسى - عليه السلام - لغة سريانية، كذا ذكره، ولم يبين أي طور المقسم به لكونهم سبعة جبال، يقال لكلّ واحد منهما الطور: الأول: طور زيتا جبل بقرب رأس عين . الثاني: طور زيتا أيضا: جبل بالمقدس به مات سبعون ألف نبي، قتلهم الجوع . الثالث: علم لجبل مطل على طبرية .
الرابع: جبل في مصر وفاران . الخامس: طور سيناء، وهذا هو المقسم به - والله أعلم - جبل بأيلة، وقيل: بالشام . السادس: طور عبدين متصل بالجودي .
السابع: طور هارون - عليه السلام - جبل في قبلي البيت المقدس، والله أعلم.