باب ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ
حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْهَرَوِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاتِمٍ قَالَا : ثَنَا هُشَيْمٌ ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ ، وَلِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ قَوْلُهُ : ( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ) قَالَ : ذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لِيُعَرِّفَ الْأُمَّةَ أَوْ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّحديثَ بِالنِّعْمَةِ فَلَا يُنَافِي حَدِيثَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ : أَنَا خَيْرٌ أَيْ : أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَاكَ افْتِخَارٌ وَنَحْوُهُ وَقَدْ نَفَى تَوَهُّمَ الِافْتِخَارِ بِقَوْلِهِ وَلَا فَخْرَ مَعْنَاهُ ، أَيْ : لَا يَنْبَغِي الِافْتِخَارُ وَلَا فَخْرَ مِنِّي بِذَا الْقَوْلِ ، وَالْفَخْرُ التَّعْظِيمُ وَالْمُبَاهَاةُ ، أَيْ : هَذِهِ النِّعْمَةُ كَرَامَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَا بَلَغْتُهَا بِقُوَّتِي حَتَّى أَفْتَخِرَ بِهَا قَوْلُهُ : ( وَلِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي ) قِيلَ : اللِّوَاءُ الرَّايَةُ وَلَا يُمْسِكُهَا إِلَّا صَاحِبُ الْجَيْشِ يُرِيدُ بِهِ انْفِرَادَهُ بِالْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشُهْرَتَهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ وَالْعَرَبُ تَضَعُ اللِّوَاءَ مَوْضِعَ الشُّهْرَةِ فَاللِّوَاءُ مَجَازٌ عَنِ الشُّهْرَةِ وَالِانْفِرَادِ ، وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِحَمْدِهِ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَقِيقَةً يُسَمَّى الْحَمْدُ ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ : لَا مَقَامَ مِنْ مَقَامَاتِ الصَّالِحِينَ أَعْلَى وَأَرْفَعَ مِنْ مَقَامِ الْحَمْدِ وَدُونَهُ تَنْتَهِي سَائِرُ الْمَقَامَاتِ ، وَلَمَّا كَانَ نَبِيُّنَا سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَأَحْمَدَ الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أُعْطِيَ لِوَاءَ الْحَمْدِ لِيَأْوِيَ إِلَى لِوَائِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى افْتُتِحَ كِتَابُهُ الْعَزِيزُ الْمُنَزَّلُ إِلَيْهِ بِالْحَمْدِ وَاشْتُقَّ اسْمُهُ مِنَ الْحَمْدِ فَقَالَ : مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَأُقِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ وَيُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ مِنَ الْمَحَامِدِ مَا لَمْ يُفْتَحْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَا يُفْتَحُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَهُ ، وَأَمَدَّ أُمَّتَهُ بِبَرَكَتِهِ مِنَ الْفَضْلِ الَّذِي أَتَاهُ فَنَعَتَ أُمَّتَهُ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ بِهَذَا النَّعْتِ فَقَالَ : أُمَّتُهُ الْحَامِدُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ أُولَى وَأُخْرَى قَوْلُهُ : ( وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ ) هَذَا لَا يُنَافِي مَا جَاءَ فِي مُوسَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنَ الصَّعْقِ ، فَلْيُتَأَمَّلْ .