حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

بَابُ بَيَانِ التَّدْلِيسِ وَمَنْ يُقْبَلُ نَقْلُهُ وَيُقْبَلُ مُرْسَلُهُ وَتَدْلِيسُهُ وَمَنْ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ

باب بيان التدليس ومن يقبل نقله ويقبل مرسله وتدليسه ومن لا يقبل ذلك منه قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فِي حَالِ الْمُحَدِّثِ الَّذِي يُقْبَلُ نَقْلُهُ ، وَيُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، وَيُجْعَلُ سُنَّةً ، وَحَكَمًا فِي دِينِ اللَّهِ : هُوَ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ ، عَالِمًا بِمَا يُحِيلُ الْمَعَانِي ، ضَابِطًا لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابٍ ، يُؤَدِّي الشَّيْءَ عَلَى وَجْهِهِ ، مُتَيَقِّظًا غَيْرَ مُغْفِلٍ ، وَكُلُّهِمْ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَدِّيَ الْحَدِيثَ بِحُرُوفِهِ ; لِأَنَّهُ أَسْلَمُ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ ، جَازَ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِالْمَعْنَى ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يُحِيلُ الْحَلَالَ إِلَى الْحَرَامِ ، وَيَحْتَاجُ مَعَ مَا وَصَفْنَا أَنْ يَكُونَ ثِقَةً فِي دِينِهِ ، عَدْلًا جَائِزَ الشَّهَادَةِ مَرْضِيًّا ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ سَالِمًا مِنَ التَّدْلِيسِ ، كَانَ حُجَّةً فِيمَا نَقَلَ وَحَمَلَ مِنْ أَثَرٍ فِي الدِّينِ . وَجُمْلَةُ تَلْخِيصِ الْقَوْلِ فِي التَّدْلِيسِ الَّذِي أَجَازَهُ مَنْ أَجَازَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ هُوَ : أَنْ يُحَدِّثَ الرَّجُلُ عَنْ شَيْخٍ قَدْ لَقِيَهُ وَسَمِعَ مِنْهُ ، بِمَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَسَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ ، فَيُوهِمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، أَوْ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ ، فَإِنْ دَلَّسَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ فَهُوَ تَدْلِيسٌ مَذْمُومٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ دَلَّسَ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ فَقَدْ جَاوَزَ حَدَّ التَّدْلِيسِ الَّذِي رَخَّصَ فِيهِ مَنْ رَخَّصَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى مَا يُنْكِرُونَهُ ، وَيَذُمُّونَهُ ، وَلَا يَحْمَدُونَهُ ، وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَكُلُّ حَامِلِ عِلْمٍ مَعْرُوفُ الْعِنَايَةِ بِهِ ، فَهُوَ عَدْلٌ مَحْمُولٌ فِي أَمْرِهِ أَبَدًا عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ جَرْحَتُهُ فِي حَالِهِ ، أَوْ فِي كَثْرَةِ غَلَطِهِ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ .

وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْخَبَرَ بِطُرُقِهِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ : قَالَ شُعْبَةُ يَوْمًا : حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِكَذَا ، ثُمَّ قَالَ : مَا يَسُرُّنِي أَنِّي قُلْتُ : قَالَ مَنْصُورٌ : وَأَنَّ لِيَ الدُّنْيَا كُلَّهَا . وَقَدْ يَكُونُ الْمُحَدِّثُ عَدْلًا جَائِزَ الشَّهَادَةِ ، وَلَا يَعْرِفُ مَعْنَى مَا يَحْمِلُ ، فَلَا يُحْتَجُّ بِنَقْلِهِ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ يَقُولُ : قَدْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ ، وَلَا يَجُوزُ حَدِيثُهُ ، وَلَا يَجُوزُ حَدِيثُهُ حَتَّى تَجُوزَ شَهَادَتُهُ ، وَقَالَ أَيُّوبُ : إِنَّ بِالْبَصْرَةِ رَجُلًا مِنْ أَزْهَدِهِمْ ، وَأَكْثَرِهِمْ صَلَاةً عَيِيًّا ، لَوْ شَهِدَ عِنْدِي شَهَادَةً مَا أَجَزْتُ شَهَادَتَهُ ، يُرِيدُ : فَكَيْفَ أَقْبَلُ حَدِيثَهُ ؟! .

وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : إِنِّي لَأَدْعُو اللَّهَ لِقَوْمٍ قَدْ تَرَكْتُ حَدِيثَهُمْ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ ، حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، قَالَ : خَرَجْنَا إِلَى شَيْخٍ بَلَغَنَا أَنَّهُ يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : مَا حَبَسَكُمْ ؟ قُلْنَا : أَتَيْنَا شَيْخًا يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا نَأْخُذُ الْأَحَادِيثَ إِلَّا مِمَّنْ يَعْرِفُ وُجُوهَهَا ، وَإِنَّا لَنَجِدُ الشَّيْخَ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ يُحَرِّفُ حَلَالَهُ مِنْ حَرَامِهِ ، وَمَا يَعْلَمُ . وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ - يَعْنِي الْقَطَّانَ - يَقُولُ : يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْحَدِيثِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَيِّدَ الْأَخْذِ ، وَيَفْهَمُ مَا يُقَالُ لَهُ ، وَيُبْصِرُ الرِّجَالَ ، وَيَتَعَاهَدُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ .

وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ أَخْبَارِ مَالِكٍ بَعْدَ هَذَا الْبَابِ قَوْلَهُ فِيمَنْ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْهُ ، وَمَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ هُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . وَالشَّرْطُ فِي خَبَرِ الْعَدْلِ عَلَى مَا وَصَفْنَا : أَنْ يَرْوِيَ عَنْ مِثْلِهِ سَمَاعًا وَاتِّصَالًا ، حَتَّى يَتَّصِلَ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

موقع حَـدِيث