حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ فِي مَرَضِهِ فَأَتَى فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بِالنَّاسِ

حَدِيثٌ ثَالِثٌ وَخَمْسُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ،

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فِي مَرَضِهِ فَأَتَى فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ كَمَا أَنْتَ - فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ

. لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ - فِيمَا عَلِمْتُ - فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ جَمَاعَةٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَسْخٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِمَامِ : إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَّى جَالِسًا ، وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ قَائِمًا يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَيَقْتَدِي بِهِ ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ وَيَقْتَدُونَ بِأَبِي بَكْرٍ قِيَامًا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ صَلَاتَهُ هَذِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ مِنْهُ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : إِذَا صَلَّى الْإِمَامُ جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا كَانَ فِي حِينِ سَقَطَ مِنْ فَرَسِهِ ، فَجُحِشَ شِقُّهُ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ ، وَالْآخَرُ مِنْ فِعْلِهِ يَنْسَخُ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ خَلْفَهُ وَالنَّاسُ ، فَلَمْ يَأْمُرْ أَبَا بَكْرٍ بِالْجُلُوسِ وَلَا أَحَدًا ، وَهَذَا بَيِّنٌ غَيْرُ مُشْكَلٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ النَّظَرَ يُعَضِّدُ هَذَا الْحَدِيثَ ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ أَيْضًا لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ

وَإِذَا كَانَ الْقِيَامُ فَرْضًا فِي الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي خَاصَّتِهِ ، فَمُحَالٌ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ فَرْضٌ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ لِضَعْفِ غَيْرِهِ عَنْهُ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يَسْقُطَ بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ عَنْهُ رُكُوعًا وَلَا سُجُودًا ، فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِأَنَّ الْآثَارَ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي الْإِمَامِ : إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ، رَوَاهَا أَنَسٌ ، وَعَائِشَةُ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، قِيلَ لَهُ : لَسْنَا نَدْفَعُ ثُبُوتَ تِلْكَ الْآثَارِ ، وَلَكِنَّا نَقُولُ : إِنَّ الْآخَرَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْسَخُ ذَلِكَ ، فَإِنْ قِيلَ لَهُ : إِنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ عَنْ عَائِشَةَ فِي صَلَاتِهِ تِلْكَ ، فَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْمُقَدَّمَ ، قِيلَ لَهُ : لَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ الْمُقَدَّمَ فِي وَقْتٍ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُقَدَّمَ فِي وَقْتٍ آخَرَ . وَقَدْ رَوَى الثِّقَاتُ الْحُفَّاظُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَالنَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ، فَهَذِهِ زِيَادَةُ حَافِظٍ ؛ وَصَفَ الْحَالَ ، وَأَتَى بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حدثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ ، وَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ . قَالَ عُرْوَةُ : فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً ، فَخَرَجَ ، وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ كَمَا أَنْتَ ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ ، فَقَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ، قَالَتْ : فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِفَّةً فَقَامَ يُهَادِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ ، ( قَالَتْ ) فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَجَدَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ فَذَهَبَ يَتَأَخَّرُ ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ قُمْ كَمَا أَنْتَ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا يَقْتَدِي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ شُعْبَةَ رَوَى عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( صَلَّى ) خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، قِيلَ لَهُ : لَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى خَلَفَ أَبِي بَكْرٍ فِي غَيْرِ تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ تَنَازُعٌ فِي جَوَازِ صَلَاةِ الْجَالِسِ الْمَرِيضِ خَلْفَ الإمام القائم الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّ كُلًّا يُؤَدِّي فَرْضَهُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ ، وَإِنَّمَا التَّنَازُعُ بَيْنَهُمْ فِي الصَّحِيحِ الْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ : هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا خَلْفَ إِمَامٍ مَرِيضٍ جَالِسٍ فِي صَلَاتِهِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : ذَلِكَ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَا : جَائِزٌ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ بِالنَّاسِ جَالِسًا مِنْ عِلَّةٍ ، وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ قُعُودًا ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْقِيَامِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : وَفَعَلَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَهُمْ جَابِرٌ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَقَيْسُ بْنُ فَهْدٍ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَحْمَدَ : فَمَنِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ : آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ جَالِسٌ ، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ يَأْتَمُّ بِهِ وَالنَّاسُ قَائِمُونَ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَحْتَجُّ بِهَذَا ، وَلَيْسَ فِي هَذَا حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا بِقِيَامٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا قَوْلٌ ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ ؛ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَزُفَرُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : جَائِزٌ أَنْ يَقْتَدِيَ الْقَائِمُ بِالْقَاعِدِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَغَيْرِهَا - وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ ، وَقَالُوا : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا ، قَالُوا : وَجَائِزٌ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ لِعِلَّةٍ تَمْنَعُهُ مِنَ الْقِيَامِ وَهُوَ جَالِسٌ بِقَوْمٍ قِيَاما ؛ لِأَنَّ كُلًّا يُؤَدِّي فَرْضَهُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ . وَحُجَّةُ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ وَاقِفًا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ جَالِسٌ يَقْتَدِي بِهِ ، وَالنَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ . وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَجَازَ لِلْإِمَامِ الْمَرِيضِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ ، قَالَ : وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنَّ يَكُونَ إِلَى جَنْبِهِ مَنْ يُعْلِمُ بِصَلَاتِهِ ، وَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَرَوَى جَمَاعَةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكٍ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ - أَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَؤُمَّ جَالِسًا وَهُوَ مَرِيضٌ بِقَوْمٍ أَصِحَّاءَ ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ وَعَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : فِي الْوَقْتِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : أَبَدًا ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ : لَا يُعِيدُ الْإِمَامُ الْمَرِيضُ ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ : يُعِيدُ - كَمَا ذَكَرْنَا كُلَّ ذَلِكَ - قَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَّةَ لِمَالِكٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَوْعَبَةً فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ فِي مَرِيضٍ صَلَّى قاعدا : يركع وَيَسْجُدُ فَائْتَمَّ بِهِ قَوْمٌ ، فَصَلُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا ، قَالَ : يُجْزِيهِ وَيُجْزِيهِمْ ، قَالُوا : وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يُومِئُ إِيمَاءً ، أَوْ كَانَ مُضْطَجِعًا وَالْقَوْمُ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ قِيَامًا ، لَمْ يُجِزْهُمْ وَيُجْزِيهُ هُوَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَمَالِكٌ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالثَّوْرِيُّ فِي قَائِمٍ اقْتَدَى بِجَالِسٍ أَوْ جَمَاعَةٍ صَلَّوْا قِيَامًا خَلَفَ إِمَامٍ جَالِسٍ مَرِيضٍ : إِنَّهُ يُجْزِيهِ وَلَا يُجْزِيهِمْ . وَذَكَرَ ابْنُ خُوَازْ بنْدَادْ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : لَا يَؤُمُّ قَاعِدٌ قِيَامًا ، فَإِنْ فَعَلُوا أَعَادُوا فِي الْوَقْتِ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُطَرِّفٌ : يُعِيدُونَ أَبَدًا . وَقَالَ سَحْنُونٌ : اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ( وَمُحَمَّدٌ أَنَّهُ لَا يَقْتَدِي من يركع وَيَسْجُدُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا بِالْمُومِئِ ، وَقَالَ زُفَرُ : يَقْتَدِي بِهِ إِذَا زَالَ الْعُذْرُ فِي الصَّلَاةِ . وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ ، وأبو حنيفة ، وَأَبُو يُوسُفَ ) وَزُفَرُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ عَلَى جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْقَائِمِ الصَّحِيحِ بِالْقَاعِدِ الْمَرِيضِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا يَقْتَدِي الْقَائِمُ بِالْمُضْطَجِعِ وَلَا بِالْمُومِئِ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ : وَإِنَّمَا يَقْتَدِي بِالْقَاعِدِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : وَلَا بِالْقَاعِدِ . وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَاحْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لِمَذْهَبِهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا ، وَهَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ ، لَا يَرَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كِتَابَهُ وَلَا رِوَايَتَهُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ جَابِرٌ الْجُعَفِيُّ ، فَرَوَاهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَجَابِرٌ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمَرَاسِلُ الشَّعْبِيِّ لَيْسَتْ عِنْدَهُمْ بِشَيْءٍ ، فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى بِالنَّاسِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَهُ ، فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ كَالْجَوَابِ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَقَدْ مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ الْمُقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّفِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَأَكْثَرُ أَحْوَالِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا عِنْدَ الْمُخَالِفِ أَنْ يَجْعَلَ مُتَعَارِضًا فَلَا يُوجِبُ حُكْمًا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَتْ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ تَقْضِي عَلَى ذَلِكَ ، فَكَيْفَ وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ، فِيهَا بَيَانٌ وَزِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ . وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْمُقَدَّمَ مُجْمَلَةٌ مُحْتَمِلَةٌ لِلْتَأَوِيلِ ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ صَلَاةً أُخْرَى ، وَلَوْ صَحَّ أَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةً وَاحِدَةً كَانَ فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ الْمُقَدَّمَ ؛ زِيَادَةُ بَيَانٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَ مَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ تَقَدُّمِ أَبِي بَكْرٍ ، وَزَادَ تَأَخُّرَهُ وَتَقَدُّمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمَنْ رَوَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْمُقَدَّمَ ، لَمْ يَحْفَظْ قِصَّةَ تَأَخُّرِهِ وَتَقَدُّمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ جَمَاعَتُهُمْ رَأَوْا أَبَا بَكْرٍ فِي حَالِ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْتَهَى إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ - وَالصُّفُوفُ كَثِيرَةٌ - ، عَلِمَ مَنْ قَرُبَ تَغَيُّرَ حَالِ أَبِي بَكْرٍ ، وَانْتِقَالَ الْإِمَامَةِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مَنْ بَعُدَ ، فَلِهَذَا قُلْنَا : إِنَّ مَنْ نَقَلَ انْتِقَالَ الْإِمَامَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ مَا خَفِيَ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِمَامَ كَانَ أَبَا بَكْرٍ . وَقَدْ يَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْقَائِلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْإِمَامَ ، يَعْنِي كَانَ إِمَامًا فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ ، وَزَادَ الْقَائِلُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِمَامًا ، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ إِمَامًا فِي آخِرِ تِلْكَ الصَّلَاةِ ، هَذَا لَوْ صَحَّ أَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةً وَاحِدَةً ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ عَائِشَةَ مُتَعَارِضَةً ، لَكَانَتْ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّتِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهَا قَاضِيَةً فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقْتَدِي بِهِ ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ، كَمَا قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، فَبَانَ بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْوَجْهُ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ؛ لِأَنَّهُ يُعَضِّدُهُ وَيَشْهَدُ لَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَمُنْقَطِعٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى مَعْنَاهُ فِي تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ رَبِيعَةَ فِيهِ : مَا مَاتَ نَبِيٌّ حَتَّى يَؤُمَّهُ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِهِ ، فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْمُقَدَّمُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَلَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي السَّفَرِ ، وَقَوْلُ رَبِيعَةَ لَا يَتَّصِلُ وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ أَحَدٌ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ بِالْحَدِيثِ الْيَوْمَ ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ لَعَلَّهُ نُسِخَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ أَبُو بَكْرٍ وَلَا مَنْ بَعْدَهُ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ . أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَرْقَمَ بْنَ شُرَحْبِيلَ قَالَ : سَافَرْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ فَسَأَلْتُهُ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَى ؟ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ... فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا وَفِيهِ قَالَ : لِيُصَلِّ لِلنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ ، وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً ، فَخَرَجَ يُهَادِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِ النَّاسُ سَبَّحُوا ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ مَكَانَكَ ، فَاسْتَفْتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَيْثُ انْتَهَى أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ ، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ ، فَائْتَمَّ أَبُو بَكْرٍ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَائْتَمَّ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ ، فَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يُعَضِّدُ مَا رَوَاهُ عُرْوَةُ وَغَيْرُهُ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَوِ انْفَرَدَ لَكَانَ فِيهِ كِفَايَةٌ وَغِنًى عَنْ غَيْرِهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَرْقَمُ بْنُ شُرَحْبِيلَ ( هَذَا ) هُوَ أَخُو هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، وَأَخُو عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أَبِي مَيْسَرَةَ ، ثِقَةٌ جَلِيلٌ ، ذَكَرَ الْعُقَيْلِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغِ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيِّ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : كَانَ أَرْقَمُ بْنُ شُرَحْبِيلَ أَخُو أَبِي مَيْسَرَةَ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ وَخِيَارِهِمْ . قَالَ الْعُقَيْلِيُّ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَرْقَمِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ يَمِينِهِ ، وَأَخَذَ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي انْتَهَى إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ : مَنْ جَعَلَ أَبَا بَكْرٍ الْمُقَدَّمَ ، وَأَنْكَرَ تَقَدُّمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ ، زَعَمَ أَنَّ تَقَدُّمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافُ سُنَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَنَّ قِيَامَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ كَذَلِكَ أَيْضًا لَيْسَ مَعْرُوفًا مِنْ سُنَّتِهِ ، وَلَا مَعْنَى لَهُ . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ قَائِلِهِ ؛ لِأَنَّ قِيَامَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ مَعْنًى حَسَنٌ ، وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَسْمَعَ النَّاسُ تكبيره ، وَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَظْهَرَ لَهُمْ أَفْعَالُهُ ، وَيُرَى قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ لِيَقْتَدُوا بِهِ ، فَلَمَّا ضَعُفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ أَقَامَ أَبَا بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ لِيَنُوبَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِسْمَاعِهِمْ تَكْبِيرَهُ ، وَرُؤْيَتِهِمْ لِخَفْضِهِ وَرَفْعِهِ ، لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كَمَا يُفْعَلُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَنْ يُقَامَ فِيهَا مَنْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ لِعَجْزِ الْإِمَامِ عَنْ إِسْمَاعِ جَمَاعَتِهِمْ ، فَهَذَا الْمَعْنَى فِي قِيَامِ أَبِي بَكْرٍ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث