حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب قول النبي بني الإسلام على خمس

كتاب الإيمان فصل قال البخاري : الإيمان قول وفعل . قال زين الدين ابن رجب - رحمه الله - : وأكثر العلماء قالوا : هو قول وعمل . وهذا كله إجماع من السلف وعلماء أهل الحديث .

وقد حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين عليه ، وحكى أبو ثور الإجماع عليه أيضا . وقال الأوزاعي : كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل . وحكاه غير واحد من سلف العلماء عن أهل السنة والجماعة .

وممن حكى ذلك عن أهل السنة والجماعة : الفضيل بن عياض ، ووكيع بن الجراح . وممن روي عنه أن الإيمان قول وعمل : الحسن ، وسعيد بن جبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وأبي ثور وغيرهم . حتى قال كثير منهم : إن الرقبة المؤمنة لا تجزئ في الكفارة حتى يوجد منها الإقرار وهو الصلاة والصيام ، منهم الشعبي ، والنخعي ، وأحمد في رواية .

وخالف في ذلك طوائف من علماء أهل الكوفة والبصرة وغيرهم ، وأخرجوا الأعمال من الإيمان وقالوا : الإيمان : المعرفة مع القول . وحدث بعدهم من يقول : الإيمان : المعرفة خاصة ، ومن يقول : الإيمان : القول خاصة . والبخاري عبر عنه بأنه : قول وفعل .

والفعل من الناس من يقول : هو مرادف للعمل ، ومنهم من يقول : هو أعم من العمل . فمن هؤلاء من قال : الفعل يدخل فيه القول وعمل الجوارح ، والعمل لا يدخل فيه القول عند الإطلاق . ويشهد لهذا قول عبيد بن عمير : ليس الإيمان بالتمني ، ولكن الإيمان قول يفعل ، وعمل يعمل .

خرجه الخلال . ومنهم من قال : العمل ما يحتاج إلى علاج ومشقة ، والفعل أعم من ذلك . ومنهم من قال : العمل ما يحصل منه تأثير في المعمول كعمل الطين آجرا ، والفعل أعم من ذلك .

ومنهم من قال : العمل أشرف من الفعل ، فلا يطلق العمل إلا على ما فيه شرف ورفعة ، بخلاف الفعل ، فإن مقلوب عمل لمع ، ومعناه ظهر وأشرف . وهذا فيه نظر ؛ فإن عمل السيئات يسمى أعمالا كما قال تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وقال : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا ولو قيل عكس هذا لكان متوجها ؛ فإن الله تعالى إنما يضيف إلى نفسه الفعل كقوله تعالى : وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وإنما أضاف العمل إلى يديه كما قال : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا وليس المراد هنا الصفة الذاتية بغير إشكال وإلا استوى خلق الأنعام وخلق آدم عليه السلام . واشتق سبحانه لنفسه اسما من الفعل دون العمل ، قال تعالى إِنَّ رَبَّكَ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ثم قال البخاري رحمه الله : ويزيد وينقص .

قال الله عز وجل : لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وقوله عز وجل : أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وقوله : فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وقوله : وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا زيادة الإيمان ونقصانه قول جمهور العلماء . وقد روي هذا الكلام عن طائفة من الصحابة كأبي الدرداء وأبي هريرة ، وابن عباس ، وغيرهم من الصحابة . وروي معناه عن علي ، وابن مسعود أيضا .

وعن مجاهد ، وغيره من التابعين . وتوقف بعضهم في نقصه ، فقال : يزيد ، ولا يقال : ينقص . وروي ذلك عن مالك ، والمشهور عنه كقول الجماعة .

وعن ابن المبارك قال : الإيمان يتفاضل ، وهو معنى الزيادة والنقص . وقد تلا البخاري الآيات التي فيها ذكر زيادة الإيمان ، وقد استدل بها على زيادة الإيمان أئمة السلف قديما ، منهم عطاء بن أبي رباح ، فمن بعده . وتلا البخاري - أيضا - الآيات التي ذكر فيها زيادة الهدى ؛ فإن المراد بالهدى هنا فعل الطاعات ، كما قال تعالى بعد وصف المتقين بالإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم ، وبالإيمان بما أنزل إلى محمد وإلى من قبله ، وباليقين بالآخرة ، ثم قال : أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ فسمى ذلك كله هدى ، فمن زادت طاعته فقد زاد هداه .

ولما كان الإيمان يدخل فيه المعرفة بالقلب ، والقول والعمل كله كانت زيادته بزيادة الأعمال ، ونقصانه بنقصانها . وقد صرح بذلك كثير من السلف فقالوا : يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية . فأما زيادة الإيمان بزيادة القول ونقصانه بنقصانه فهو كالعمل بالجوارح أيضا ؛ فإن من زاد ذكره لله وتلاوته لكتابه زاد إيمانه ، ومن ترك الذكر الواجب بلسانه نقص إيمانه .

وأما المعرفة بالقلب فهل تزيد وتنقص ؟ على قولين : أحدهما : أنها لا تزيد ولا تنقص . قال يعقوب بن بختان : سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن المعرفة والقول ، يزيد وينقص ؟ قال : لا ؛ قد جئنا بالقول والمعرفة ، وبقي العمل . ذكره أبو الخلال في كتاب السنة .

ومراده بالقول : التلفظ بالشهادتين خاصة . وهذا قول طوائف من الفقهاء والمتكلمين . والقول الثاني : أن المعرفة تزيد وتنقص .

قال المروذي : قلت لأحمد : في معرفة الله بالقلب يتفاضل فيه ؟ قال : نعم . قلت : ويزيد ؟ قال : نعم . ذكره الخلال عنه ، وأبو بكر عبد العزيز في كتاب السنة أيضا عنه .

وهو الذي ذكره القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتاب الإيمان ، وكذلك ذكره أبو عبد الله ابن حامد . وحكى القاضي في المعتمد ، وابن عقيل في المسألة روايتان عن أحمد ، وتأولا رواية أنه لا يزيد ولا ينقص . وتفسر زيادة المعرفة بمعنيين : أحدهما : زيادة المعرفة بتفاصيل أسماء الله وصفاته وأفعاله ، وأسماء الملائكة ، والنبيين وصفاتهم والكتب المنزلة عليهم ، وتفاصيل اليوم الآخر .

وهذا ظاهر لا يقبل نزاعا . والثاني : زيادة المعرفة بالوحدانية بزيادة معرفة أدلتها ؛ فإن أدلتها لا تحصر ؛ إذ كل ذرة من الكون فيها دلالة على وجود الخالق ووحدانيته ؛ فمن كثرت معرفته بهذه الأدلة زادت معرفته على من ليس كذلك . وكذلك المعرفة بالنبوات واليوم الآخر والقدر وغير ذلك من الغيب الذي يجب الإيمان به .

ومن هنا فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين مقام الإيمان ومقام الإحسان ، وجعل مقام الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه ، والمراد أن ينور قلبه بنور الإيمان حتى يصير الغيب عنده مشهودا بقلبه كالعيان . وقد ذكر محمد بن نصر المروزي في كتابه أن التصديق يتفاوت ، وحكاه عن الحسن والعلماء ، وهذا يشعر بأنه إجماع عنده . ومما يدل على ذلك أيضا ما روى ابن وهب ، أنا عبد الرحمن بن ميسرة ، عن أبي هانئ الخولاني ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق ، فسلوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم .

خرجه الحاكم ، وقال : صحيح الإسناد .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث