باب قول النبي بني الإسلام على خمس
ثم قال البخاري رحمه الله : والحب في الله والبغض في الله من الإيمان . وهذا يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ، وذكر منهن : أن يحب المرء لا يحبه إلا لله . وإذا كان الحب في الله والبغض في الله من الإيمان ، زاد الإيمان بزيادة ذلك ونقص بنقصانه .
قال البخاري : وكتب عمر بن عبد العزيز إلي عدي بن عدي : إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا ؛ فمن استكملها استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان . فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها ، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص . هذا الأثر خرجه أبو بكر الخلال في كتاب السنة من رواية جرير بن حازم : حدثني عيسى بن عاصم ، عن عدي بن عدي - وهو يومئذ أمير على أرمينية - قال : كتب إلي عمر بن عبد العزيز : سلام عليك ! أما بعد فإن للإيمان شرائع وحدودا وسننا ، من استكملها استكمل الإيمان ، فإن أعش فيكم أبينها لكم حتى تعملوا بها - أو قال : به - إن شاء الله ، وإن أمت فوالله ما أنا على صحبتكم بحريص .
قال البخاري : وقال إبراهيم عليه السلام : وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي وقد فسرها سعيد بن جبير بالازدياد من الإيمان ؛ فإنه قال له : أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي فطلب زيادة في إيمانه ؛ فإنه طلب أن ينتقل من درجة علم اليقين إلى درجة عين اليقين ، وهي أعلى وأكمل . وفي المسند عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس الخبر كالمعاينة . قال البخاري : وقال معاذ : اجلس بنا نؤمن ساعة .
هذا الأثر رواه سفيان الثوري والأعمش ومسعر ، كلهم عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال قال : قال معاذ بن جبل لرجل : اجلس نؤمن ساعة ، يعني : نذكر الله . وقد روي مثله عن طائفة من الصحابة : فروى زبيد ، عن زر بن حبيش قال : كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه : هلموا نزداد إيمانا ! فيذكرون الله . وروى أبو جعفر الخطمي ، عن أبيه ، عن جده عمير بن حبيب بن خماشة - وهو من الصحابة - أنه قال : إن الإيمان يزيد وينقص ، قالوا : وما زيادته ونقصانه ؟ قال : إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته ، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه .
فزيادة الإيمان بالذكر من وجهين : أحدهما : أنه يجدد من الإيمان والتصديق في القلب ما درس منه بالغفلة ، كما قال ابن مسعود : الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع . وفي المسند عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : جددوا إيمانكم ! قالوا : كيف نجدد إيماننا ؟ قال : قولوا : لا إله إلا الله . والثاني : أن الذكر نفسه من خصال الإيمان ، فيزداد الإيمان بكثرة الذكر ؛ فإن جمهور أهل السنة على أن الطاعات كلها من الإيمان فرضها ونفلها ، وإنما أخرج النوافل من الإيمان قليل منهم .
قال البخاري : وقال ابن مسعود : اليقين الإيمان كله . هذا الأثر رواه الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن علقمة ، عن ابن مسعود . واليقين هو العلم الحاصل للقلب بعد النظر والاستدلال ، فيوجب قوة التصديق حتى ينفي الريب والشك ، ويوجب طمأنينة القلب بالإيمان وسكونه وارتياحه به .
وقد جعله ابن مسعود الإيمان كله ، وكذا قال الشعبي أيضا . وهذا مما يتعلق به من يقول : إن الإيمان هو مجرد التصديق ، حيث جعل اليقين الإيمان كله ، فحصره في اليقين . ولكن لم يرد ابن مسعود أن ينفي الأعمال من الإيمان ، إنما مراده أن اليقين هو أصل الإيمان كله ، فإذا أيقن القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر انبعثت الجوارح كلها للاستعداد للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة ، فنشأ ذلك كله عن اليقين .
قال الحسن البصري : ما طلبت الجنة إلا باليقين ، ولا هرب من النار إلا باليقين ، ولا أديت الفرائض إلا باليقين ، ولا صبر على الحق إلا باليقين . وقال سفيان الثوري : لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطارت القلوب ؛ اشتياقا إلى الجنة ، وخوفا من النار . ويذكر عن لقمان قال : العمل لا يستطاع إلا باليقين ، ومن يضعف يقينه يضعف عمله .
قال عبد الله بن عكيم : سمعت ابن مسعود يقول في دعائه : اللهم ، زدنا إيمانا ويقينا وفهما ! قال البخاري : وقال ابن عمر : لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر . قال زين الدين ابن رجب : هذا الأثر لم أقف عليه إلى الآن في غير كتاب البخاري . وقد روي معناه مرفوعا ، وموقوفا على أبي الدرداء .
فخرج الترمذي وابن ماجه من حديث عطية السعدي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به ؛ حذرا مما به بأس . وفي إسناده بعض مقال . وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع ، عن أبي الدرداء قال : تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة ، وحتى يترك ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما ، حجابا بينه وبين الحرام .
وإنما ذكر البخاري هذا الأثر في الباب ؛ لأن خصال التقوى هي خصال الإيمان . وقد صح عن مجاهد أن أبا ذر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان ، فقرأ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ إلى آخر الآية . وهذا مرسل .
وقد روي من وجه آخر ، وفيه انقطاع أيضا . قال البخاري : وقال مجاهد : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ أوصيناك وإياه يا محمد دينا واحدا . روى ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا قال : وصاك به وأنبياءه كلهم دينا واحدا .
ومعنى ذلك أن دين الأنبياء كلهم دين واحد وهو الإسلام العام المشتمل على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وعلى توحيد الله وإخلاص الدين له ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، كما قال تعالى : ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ٤ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾والدين هو الإسلام كما صرح به في مواضع أخر . وإذا أطلق الإسلام دخل فيه الإيمان ، وبالعكس . وقد استدل على أن الأعمال تدخل في الإيمان بهذه الآية ، وهي قوله : وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ - طوائف من الأئمة ، منهم الشافعي ، وأحمد ، والحميدي .
وقال الشافعي : ليس عليهم أحج من هذه الآية . واستدل الأوزاعي بقوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا إلى قوله : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وقال : الدين الإيمان والعمل ، واستدل بقوله تعالى : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وقد ذكر الخلال في كتاب السنة أقوال هؤلاء الأئمة بألفاظهم بالأسانيد إليهم . قال البخاري : وقال ابن عباس : شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا سبيلا وسنة .
هذا من رواية أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس قال : شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا : سبيلا وسنة . ومعنى قول ابن عباس أن المنهاج هو السنة ، وهو الطريق الواسعة المسلوكة المداوم عليها . والشرعة هي السبيل والطريق الموصل إليها ، فهي كالمدخل إليها كمشرعة الماء ، وهي المكان الذي يورد الماء منه .
ويقال : شرع فلان في كذا - إذا ابتدأ فيه ، وأنهج البلى في الثوب إذا اتسع فيه . وبذلك فرق طائفة من المفسرين وأهل اللغة بين الشرعة والمنهاج ، منهم الزجاج وغيره .
فصل قال الله تعالى : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ قال البخاري : ومعنى الدعاء في اللغة : الإيمان . اعلم أن أصل الدعاء في اللغة الطلب ، فهو استدعاء لما يطلبه الداعي ويؤثر حصوله ؛ فتارة يكون الدعاء بالسؤال من الله عز وجل والابتهال إليه ، كقول الداعي : اللهم اغفر لي ، اللهم ارحمني ! وتارة يكون بالإتيان بالأسباب التي تقتضي حصول المطالب وهو الاشتغال بطاعة الله وذكره ، وما يحب من عبده أن يفعله ، وهذا هو حقيقة الإيمان . وفي السنن الأربعة عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾فما استجلب العبد من الله ما يحب ، واستدفع منه ما يكره ، بأعظم من اشتغاله بطاعة الله وعبادته وذكره وهو حقيقة الإيمان ، فإن الله يدفع عن الذين آمنوا .
وفي الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الرب عز وجل : من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين . وقال بعض التابعين : لو أطعتم الله ما عصاكم ! يعني : ما منعكم شيئا تطلبونه منه . وكان سفيان يقول : الدعاء ترك الذنوب ، يعني : الاشتغال بالطاعة عن المعصية .
وأما قوله تعالى : مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فيه للمفسرين قولان : أحدهما : أن المراد : لولا دعاؤكم إياه ، فيكون الدعاء بمعنى الطاعة ، كما ذكرنا . والثاني : لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته كما في قوله تعالى : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ﴾أي : لأدعوهم إلى عبادتي . وإنما اختلف المفسرون في ذلك ؛ لأن المصدر يضاف إلى الفاعل تارة ، وإلى المفعول أخرى .