باب من قال إن الإيمان هو العمل
باب من قال : إن الإيمان هو العمل لقول الله تعالى : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾وقال عدة من أهل العلم في قوله عز وجل : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾عن قول : لا إله إلا الله . وقال : ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾ثم خرج : 26 - حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : أي العمل أفضل ؟ قال : إيمان بالله ورسوله . قيل : ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله .
قيل : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور . مقصود البخاري بهذا الباب أن الإيمان كله عمل مناقضة لقول من قال : إن الإيمان ليس فيه عمل بالكلية ؛ فإن الإيمان أصله تصديق بالقلب . وقد سبق ما قرره البخاري أن تصديق القلب كسب له وعمل ، ويتبع هذا التصديق قول اللسان .
مقصود البخاري هاهنا أن يسمى عملا أيضا . أما أعمال الجوارح فلا ريب في دخولها في اسم العمل ، ولا حاجة إلى تقرير ذلك ؛ فإنه لا يخالف فيه أحد ، فصار الإيمان كله على ما قرره عملا . والمقصود بهذا الباب تقرير أن قول اللسان عمله ، واستدل لذلك بقوله تعالى : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾وقوله : ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾ومعلوم أن الجنة إنما يستحق دخولها بالتصديق بالقلب مع شهادة اللسان ، وبهما يخرج من يخرج من أهل النار ، فيدخل الجنة كما سبق ذكره .
وفي المسند عن معاذ بن جبل مرفوعا : مفتاح الجنة لا إله إلا الله . وحكى البخاري عن عدة من أهل العلم أنهم قالوا في قوله تعالى : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾عن قول : لا إله إلا الله . ففسروا العمل بقول كلمة التوحيد .
وممن روي عنه هذا التفسير ابن عمر ، ومجاهد . ورواه ليث بن أبي سليم ، عن بشير بن نهيك ، عن أنس - موقوفا . وروي عنه مرفوعا أيضا .
خرجه الترمذي وغربه . وقال الدارقطني : ليث غير قوي ، ورفعه غير صحيح . وقد خالف في ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا وغيرهم كأبي عبد الله ابن بطة ، وحملوا العمل في هذه الآيات على أعمال الجوارح ، واستدلوا بذلك على دخول الأعمال في الإيمان .
وأما حديث أبي هريرة فهو يدل على أن الإيمان بالله ورسوله عمل ؛ لأنه جعله أفضل الأعمال ، والإيمان بالله ورسوله الظاهر أنه إنما يراد به الشهادتان مع التصديق بهما . ولهذا ورد في حديث بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وفي رواية ذكر الإيمان بالله ورسوله بدل الشهادتين . فدل على أن المراد بهما واحد ؛ ولهذا عطف في حديث أبي هريرة على هذا الإيمان الجهاد ثم الحج ، وهما مما يدخل في اسم الإيمان المطلق .
لكن الإيمان بالله أخص من الإيمان المطلق ، فالظاهر أنه إنما يراد بهما الشهادتان مع التصديق بهما ، فإذا سمى الشهادتين عملا دل على أن قول اللسان عمل . وقد كان طائفة من المرجئة يقولون : الإيمان قول وعمل - موافقة لأهل الحديث ، ثم يفسرون العمل بالقول ، ويقولون : هو عمل اللسان . وقد ذكر الإمام أحمد هذا القول عن شبابة بن سوار ، وأنكره عليه ، وقال : هو أخبث قول ، ما سمعت أن أحدا قال به ، ولا بلغني .
يعني أنه بدعة لم يقله أحد ممن سلف . لعل مراده إنكار تفسير قول أهل السنة : الإيمان قول وعمل بهذا التفسير ؛ فإنه بدعة وفيه عي وتكرير ؛ إذ العمل على هذا هو القول بعينه ، ولا يكون مراده إنكار أن القول يسمى عملا . ولكن روي عنه ما يدل على إنكار دخول الأقوال في اسم الأعمال ؛ فإنه قال في رواية أبي طالب ، في رجل طلق امرأته واحدة ونوى ثلاثا : قال بعضهم : له نيته ، ويحتج بقوله : الأعمال بالنيات .
قال أحمد : ما يشبه هذا بالعمل ، إنما هذا لفظ كلام المرجئة ، يقولون : القول هو عمل لا يحكم عليه بالنية ، ولا هو من العمل . وهذا ظاهر في إنكار تسمية القول عملا بكل حال ، وأنه لا يدخل تحت قوله : الأعمال بالنيات . وكذلك ذكر أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب السنة .
وهذا على إطلاقه لا يصح ؛ فإن كنايات الطلاق كلها أقوال ويعتبر لها النية ، وكذلك ألفاظ الإيمان والنذور أقوال ويعتبر لها النية ، وألفاظ عقود البيع والنكاح وغيرهما أقوال وتؤثر فيها النية عند أحمد كما تؤثر النية [في] بطلان نكاح التحليل وعقود التحليل على الربا . وقد نص أحمد على أن من أعتق أمته ، وجعل عتقها صداقها - أنه يعتبر له النية ، فإن أراد نكاحها بذلك وعتقها انعقدا بهذا القول . وكذلك ألفاظ الكفر المحتملة تصير بالنية كفرا .
وهذا كله يدل على أن الأقوال تدخل في الأعمال ، ويعتبر لها النية . ومسألة الطلاق المذكورة فيها عن أحمد روايتان أيضا . وقد خرج أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الطلاق له بدخول القول في العمل ، وأن الأقوال تدخل في قوله صلى الله عليه وسلم : الأعمال بالنيات وأبو عبيد محله من معرفة لغة العرب المحل الذي لا يجهله عالم .
وقد اختلف الناس لو حلف لا يعمل عملا أو لا يفعل فعلا ، فقال قولا - هل يحنث ؟ أم لا ؟ وكذا لو حلف ليفعلن أو ليعملن - هل يبر بالقول ؟ أم لا ؟ وقد حكى القاضي أبو يعلى في ذلك اختلافا بين الفقهاء ، وذكر هو في كتاب الأيمان له أنه لا يبر ولا يحنث بذلك . وأخذه من رواية أبي طالب ، عن أحمد التي سبق ذكرها ، واستدل له بأن الأيمان يرجع فيها إلى العرف ، والقول لا يسمى عملا في العرف ؛ ولهذا يعطف القول على العمل كثيرا ، فيدل على تغايرهما عرفا واستعمالا . ومن الناس من قال : القول يدخل في مسمى الفعل ، ولا يدخل في مسمى العمل ، وهو الذي ذكره ابن الخشاب النحوي وغيره .
وقد ورد تسمية القول فعلا في القرآن في قوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ