حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب الدين يسر

من حديث معن بن محمد الغفاري ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة . وهذا الحديث تفرد به البخاري ، وتفرد بالتخريج لمعن الغفاري . ومعنى الحديث النهي عن التشديد في الدين بأن يحمل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يحتمله إلا بكلفة شديدة ، وهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : لن يشاد الدين أحد إلا غلبه يعني أن الدين لا يؤخذ بالمغالبة ، فمن شاد الدين غلبه وقطعه .

وفي مسند الإمام أحمد عن محجن بن الأدرع قال : أقبلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنا بباب المسجد إذا رجل يصلي ، قال : أتقوله صادقا ؟ قلت : يا نبي الله ، هذا فلان ، وهذا من أحسن أهل المدينة أو من أكثر أهل المدينة صلاة ! قال : لا تسمعه فتهلكه - مرتين أو ثلاثا - إنكم أمة أريد بكم اليسر . وفي رواية له قال : إن خير دينكم أيسره ، إن خير دينكم أيسره . وفي رواية له أيضا ، قال : إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة .

وخرجه حميد بن زنجويه ، وزاد : اكلفوا من العمل ما تطيقون ؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا ، الغدوة والروحة وشيء من الدلجة . وخرجه ابن مردويه وعنده : قال : إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ، ولم يرد بها العسر . وفي المسند أيضا عن بريدة قال : خرجت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي .

فلحقته ، فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلي يكثر الركوع والسجود ، فقال لي : أتراه يرائي ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ! قال : فترك يده من يدي ، ثم جمع بين يديه ، فجعل يصوبهما ويرفعهما ، ويقول : عليكم هديا قاصدا ، عليكم هديا قاصدا ، عليكم هديا قاصدا ؛ فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه . وفي المسند أيضا عن عاصم بن هلال ، عن غاضرة بن عروة الفقيمي ، عن أبيه قال : كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم ، فخرج ، فصلى . فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه : علينا حرج في كذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن دين الله في يسر ، قالها ثلاثا .

وفي المعنى أحاديث أخر . وقوله صلى الله عليه وسلم : سددوا ، وقاربوا ، وأبشروا : التسديد هو إصابة الغرض المقصود ، وأصله من تسديد السهم إذا أصاب الغرض المرمي إليه ولم يخطئه . والمقاربة أن يقارب الغرض وإن لم يصبه ، لكن يكون مجتهدا على الإصابة ، فيصيب تارة ويقارب أخرى .

أو تكون المقاربة لمن عجز عن الإصابة كما قال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم . وفي المسند و سنن أبي داود ، عن الحكم بن حزن الكلفي أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر يوم الجمعة : أيها الناس ، إنكم لن تطيقوا - أو لن تفعلوا - كل ما أمرتكم ، ولكن سددوا وأبشروا . وقيل : أراد بالتسديد العمل بالسداد وهو القصد والتوسط في العبادة ، فلا يقصر فيما أمر به ، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه .

قال النضر بن شميل : السداد القصد في الدين والسبيل ، وكذلك المقاربة المراد بهما التوسط بين التفريط والإفراط ، فهما كلمتان بمعنى واحد . وقيل : بل المراد بالتسديد التوسط في الطاعات بالنسبة إلى الواجبات والمندوبات ، وبالمقاربة الاقتصار على الواجبات . وقيل فيهما غير ذلك .

وقوله : أبشروا يعني أن من قصد المراد فليبشر . وخرج البخاري في موضع آخر من صحيحه من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : سددوا ، وقاربوا ، وأبشروا . وقوله : واستعينوا بالغدوة والروحة ، وشيء من الدلجة يعني أن هذه الأوقات الثلاثة أوقات العمل والسير إلى الله ، وهي أول النهار وآخره ، وآخر الليل ؛ فالغدوة أول النهار ، والروحة آخره ، والدلجة سير آخر الليل .

وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا سافرتم فعليكم بالدلجة ؛ فإن الأرض تطوى بالليل . فسير آخر الليل محمود في سير الدنيا بالأبدان ، وفي سير القلوب إلى الله بالأعمال . وخرج البخاري هذا الحديث في أواخر كتابه ، وزاد فيه والقصد القصد تبلغوا يعني أن من دام على سيره إلى الله في هذه الأوقات الثلاثة مع الاقتصاد بلغ ، ومن لم يقتصد بل بالغ واجتهد فربما انقطع في الطريق ولم يبلغ .

وقد جاء من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله ؛ فإن المنبت لا سفرا قطع ، ولا ظهرا أبقى . والمنبت هو المنقطع في سفره قبل وصوله ؛ فلا سفره قطع ، ولا ظهره الذي يسير عليه أبقى حتى يمكنه السير عليه بعد ذلك ، بل هو كالمنقطع في المفاوز ، فهو إلى الهلاك أقرب . ولو أنه رفق براحلته ، واقتصد في سيره عليها - لقطعت به سفره ، وبلغ إلى المنزل .

كما قال الحسن : نفوسكم مطاياكم ؛ فأصلحوا مطاياكم تبلغكم إلى ربكم عز وجل ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث