باب الْوُضُوء قَبْلَ الغُسْلِ
كتاب الغسل ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾قالَ البخاري رحمه الله تعالى : 5 - كِتَابُ الغُسْلِ وقول الله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا إلى قوله : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى إلى قوله : عَفُوًّا غَفُورًا صدر البخاري - رحمه الله - ( كتاب الغسل ) بهاتين الآيتين ؛ لأن غسل الجنابة مذكور فيهما . أما قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا - فأمر للجنب إذا قام إلى الصلاة أن يتطهر . وتطهر الجنب هوَ غسله ، كما في تطهر الحائض إذا انقطع دمها ؛ ولهذا قالَ تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ والمراد بتطهرهن اغتسالهن عندَ جمهور العلماء ، فلا يباح وطؤها حتى تغتسل ، وسيأتي تفسير الآية في ( كتاب الحيض ) إن شاء الله تعالى .
وأما قوله تعالى : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا - فنهي عن قربان الجنب الصلاة حتى يغتسل ، فصرح هنا بالغسل ، وهو تفسير التطهير المذكور في آية المائدة . وهل المراد نهي الجنب عن قربان الصلاة حتى يغتسل ، إلا أن يكون مسافرًا - وهو عابر السبيل - فيعدم الماء ، فيصلي بالتيمم ؟ أو المراد نهي الجنب عن قربان موضع الصلاة - وهو المسجد - إلا عابر سبيل فيهِ ، غير جالس فيهِ ، ولا لابث ؟ هذا مما اختلف فيهِ المفسرون من السلف . وبكل حال فالآية تدل على أن الجنب ما لم يغتسل منهي عن الصلاة ، أو عن دخول المسجد ، وأن استباحة ذَلِكَ يتوقف على الغسل ، فيستدل به على وجوب الغسل على الجنب إذا أراد الصلاة ، أو دخول المسجد .
1 - بَابُ الْوُضُوء قَبْلَ الغُسْلِ خرج فيه حديثين : الحديث الأول : 248 - حديث مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ، ثم يدخل أصابعه في الماء ، فيخلل بها أصول شعره ، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه ، ثم يفيض الماء على جلده كله . غسل اليدين [...] قبل الوضوء شبه غسلهما للمتوضئ قبل إدخالهما في الإناء . وروى هذا الحديث وكيع ، عن هشام ، وقال في حديثه : ( يغسل يديه ثلاثًا ) .
خرجه مسلم من طريقه كذلك . واستحسن أحمد هذه الزيادة من وكيع . وقال أبو الفضل ابن عمار : ليست عندنا بمحفوظة .
قلت : تابعه - أيضا - على ذكر الثلاث في غسل الكفين مبارك بن فضالة ، عن هشام . خرج حديثه ابن جرير الطبري . ومبارك ليس بالحافظ .
وكذلك رواها ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة . وقد رويت - أيضا - من حديث أبي سلمة ، عن عائشة ، وسيأتي حديثه . وقد روي أنه غسلهما قبل الاستنجاء ، ثم استنجى ، ثم دلكهما بالأرض ، ثم غسلهما قبل الوضوء مرتين أو ثلاثًا .
وسيأتي ذَلِكَ فيما بعد إن شاء الله تعالى . وقول عائشة : ( ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ) - يدل على أنه توضأ وضوءًا كاملًا ، قبل غسل رأسه وجسده . وروى أبو معاوية الضرير هذا الحديث ، عن هشام ، وزاد في آخر الحديث : ( ثم غسل رجليه ) .
خرجه مسلم . وتابعه عليها محمد بن [كناسة ] ، عن هشام . خرج حديثه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ( كتاب الشافعي ) [ .. .
] . وذكر أبو الفضل ابن عمار أن هذه الزيادة ليست بمحفوظة . قلت : ويدل على أنها غير محفوظة عن هشام أن أيوب روى هذا الحديث عن هشام ، وقال فيهِ : فقلت لهشام : يغسل رجليه بعد ذَلِكَ ؟ فقالَ : وضوءه للصلاة ، وضوءه للصلاة .
أي : أن وضوءه في الأول كاف . ذكره ابن عبد البر . وهذا يدل على أن هشاما فهم من الحديث أن وضوءه قبل الغسل كانَ كاملا بغسل الرجلين ؛ فلذلك لم يحتج إلى إعادة غسلهما .
وقد روى حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، قالت : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يغتسل من الجنابة يغسل يديه ثلاثًا ، ثم يأخذ بيمينه فيصب على شماله ، فيغسل فرجه حتى ينقيه . ثم يغسل يده غسلا حسنا ، ثم يمضمض ثلاثًا ويستنشق ثلاثًا . ويغسل وجهه ثلاثًا ، وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا ، ثم يصب على رأسه الماء ثلاثًا .
ثم يغتسل ، فإذا خرج غسل قدميه . خرجه الإمام أحمد ، عن عفان ، عن حماد . وخرجه ابن جرير الطبري ، من طريق حجاج بن منهال ، عن حماد - به .
وفي روايته : ثم يغسل جسده غسلًا ، فإذا خرج من مغتسله غسل رجليه . وخرجه الطبراني في ( الأوسط ) من طريق مؤمل ، عن حماد ، عن عطاء بن السائب وعلي بن زيد ، عن أبي سلمة ، عن عائشة - أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا اغتسل من جنابة غسل كفيه ثلاثًا قبل أن يغمسهما في الإناء ، ثم يأخذ الماء بيمينه فيصبه على شماله ، ثم يغسل فرجه . ثم يتمضمض ثلاثًا ، ويستنشق ثلاثًا ، ثم يغسل وجهه ثلاثًا ، ويغسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا .
ثم يصب على رأسه الماء واحدًا واحدًا ، فإذا خرج من مغتسله غسل قدميه . وخرجه النسائي بمعناه ، ولم يذكر غسل رجليه في الآخر ، وعنده أنه صب على رأسه ثلاثًا . وفي رواية لهُ : ( ملء كفيه ) .
وروى الإمام أحمد : ثنا هشيم : أنا خالد ، عن رجل من أهل الكوفة ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من مغتسله حيث يغتسل من الجنابة يغسل قدميه . وروى الأوزاعي ، قالَ : حدثني يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة . وحدثني عمرو بن سعد ، عن نافع مولى ابن عمر - أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغسل من الجنابة .
قالَ الأوزاعي : واتفقت الأحاديث على هذا ، يبدأ فيفرغ على يده اليمنى مرتين أو ثلاثًا ، ثم يدخل يده اليمنى في الإناء ، فيصب بها على فرجه ، ويده اليسرى على فرجه ، فيغسل ما هنالك حتى ينقيه . ثم يضع اليسرى على التراب إن شاء ، ثم يصب على يده اليسرى حتى ينقيها . ثم يغسل يديه ثلاثا ، ويستنشق ويمضمض ، ويغسل وجهه وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا ، حتى إذا بلغ رأسه لم يمسحه ، وأفرغ عليهِ الماء .
وهكذا كانَ [غسل] رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لنا . خرجه النسائي . وهذا مما رواه الأوزاعي بالمعنى الذي فهمه من حديث عائشة وحديث عمر ، وليس هوَ لفظ حديثهما ، ولكنه إلى لفظ حديث عمر أقرب ؛ فإن حديث عمر روي بمعنى مقارب لما قاله الأوزاعي من غير طريقه .
خرجه الإمام أحمد من طريق شعبة ، عن عاصم بن عمرو البجلي ، عن رجل حدثه ، أنهم سألوا عمر عن غسل الجنابة ، وعن صلاة التطوع في البيت ، وعما يصلح للرجل من امرأته وهي حائض - فقالَ : لقد سألتموني عن شيء ما سألني عنه أحد منذ سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قالَ : صلاة الرجل في بيته تطوعا نور ، فمن شاء نور بيته ! وقال في الغسل من الجنابة : ( يغسل فرجه ، ثم يتوضأ ، ثم يفيض على رأسه ثلاثًا ) ، وقال في الحائض : ( ما فوق الإزار ) . وخرجه الإسماعيلي في ( مسند عمر ) ، من طريق أخرى ، عن عاصم . وفي بعض رواياته : ( توضأ وضوءك للصلاة ، ثم أفض الماء على رأسك ، ثم على جسدك ، ثم تنح من مغتسلك فاغسل رجليك ) وفي رواية لهُ : عن عاصم ، عن عمير مولى عمر ، أن نفرًا سألوا عمر - فذكر الحديث ، وقال في حديثه : ( وأما الغسل ، فتفرغ بشمالك على يمينك ، ثم تدخل يدك في الإناء ، ثم تغسل فرجك وما أصابك ، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات ، تدلك رأسك كل مرة ، ثم تغسل سائر جسدك ) .
ورواه ابن أبي ليلى ، عن عاصم بن عمرو البجلي ، عن عمرو بن شرحبيل وهو أبو ميسرة ، عن عمر وقد ذكر الحديث ، وقال فيهِ : ( وأما الغسل من الجنابة فصب بيمينك على شمالك واغسلها واغسل فرجك ، وتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم أفض على رأسك وجسدك ، ثم تحول فاغسل قدميك ) . خرجه الإسماعيلي . وقد فهم الأوزاعي من حديث عمر وعائشة أن الوضوء يكون ثلاثًا ثلاثًا إلى مسح الرأس ، ولا يمسح الرأس ، بل يصب عليهِ الماء ثلاث مرات ، فيكتفي بغسله للجنابة عن مسحه ، ثم يصب الماء على سائر جسده ، ويغسل رجليه .
فأما القول باستحباب تثليث الوضوء قبل غسل الجنابة فقد نص عليهِ سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأصحابنا ، ولم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثًا ، وعلى تثليث صب الماء على الرأس . وأما القول بأنه لا يمسح رأسه ، بل يصب عليهِ الماء صبًا ، ويكتفي بذلك عن مسحه وغسله للجنابة - فهذا قد روي صريحًا عن ابن عمر . ونص عليهِ إسحاق بن راهويه ، نقله عنه حرب .
ونقله أبو داود ، عن أحمد . ونقل عنه ، قالَ : لا يغسل رجليه قبل الغسل . وروي عن ابن عمر أنه قالَ : توضأ وضوءك للصلاة ، إلا رجليك .
وظاهر هذا أنه يمسح رأسه ولا يغسل رجليه ، وهو قول الثوري وغيره من العلماء . والاكتفاء بغسل الرأس عن مسحه يدل على أن غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه ، لكنه في الوضوء المفرد مكروه ، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه . وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه يكمل وضوءه كله ، بمسح رأسه ، وغسل قدميه قبل الغسل .
وهو المشهور عندَ أصحابنا ، وهو قول الخلال وصاحبه أبي بكر ، وهو قول مالك والشافعي في أشهر قوليه ؛ لظاهر حديث عائشة الذي خرجه البخاري هاهنا . وقالوا : حديث عائشة حكاية عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم الدائم في غسله للجنابة ، وأما ميمونة التي روت تأخير غسل رجليه فإنها حكت غسله في واقعة عين ، ولكن قد تبين أنه روي عن عائشة ما يوافق حديث ميمونة في تأخير غسل القدمين . ولم يأت عنها ولا عن غيرها التصريح بمسح الرأس في الوضوء .
ونص أحمد - في رواية جماعة - على أنه مخير بين تكميل الوضوء أولًا ، وبين تأخير غسل الرجلين إلى أن يكمل الغسل . وحكي للشافعي في تكميل الوضوء أولًا قبل الغسل قولان : نقل عنه البويطي تأخير غسل الرجلين . والأصح عندَ أصحابه التكميل .
وقال سفيان الثوري : يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا إلى أن ينتهي إلى رأسه ، فيمسحه مرة ، ثم يفيض عليه ثلاثًا ، ويبالغ بالماء أصول الشعر . ويغسل لحيته وأذنيه ظاهرهما وباطنهما ، ثم يفرغ على سائر جسده من الماء ، ثم يتنحى عن مكانه ، فيغسل قدميه . هكذا حكى أصحابه عنه في كتبهم .
والذين قالوا : يكمل وضوءه قبل الغسل - قالوا : لا يعيد غسل قدميه بعده . قاله إبراهيم النخعي ومسلم بن يسار وهشام بن عروة وأبو الأسود يتيم عروة ، ونص عليهِ أحمد . ومن أصحابنا من قالَ : يستحب إعادة غسل قدميه إذا انتقل من مكانه ؛ تطهيرًا لهما وتنظيفًا .
وحكى الترمذي في ( كتابه ) ذَلِكَ عن أهل العلم . وفيه نظر . وقد كانَ الشعبي إذا خرج من الحمام يخوض ماء الحمام ، ولا يغسل قدميه .
وروى ابن أبي شيبة ، عن الأسود بن عامر ، عن حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، قالت : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما يغتسل يخرج من الكنيف ، يغسل قدميه . وخرجه عنه بقي بن مخلد في ( مسنده ) . وهو مختصر من حديث صفة الغسل الذي سبق ذكره .
وذكر الكنيف فيهِ غريب .