حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب الْوُضُوء قَبْلَ الغُسْلِ

من رواية : الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : توضأ النبي صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة ، غير رجليه . وغسل فرجه وما أصابه من الأذى ، ثم أفاض عليهِ الماء ، ثم نحى رجليه فغسلهما . هذه غسله من الجنابة .

خرجه عن الفريابي ، عن الثوري ، عن الأعمش - هكذا . وفيه التصريح بأنه لم يغسل رجليه في أول وضوئه ، بل أخر غسل رجليه حتى فرغ من غسله . وخرجه فيما سيأتي - إن شاء الله تعالى - من حديث ابن عيينة ، عن الأعمش ، وقال في حديثه : ( فتوضأ وضوءه للصلاة ، فلما فرغ من غسله غسل رجليه ) .

وهذه الرواية تحتمل أن يكون أعاد غسل رجليه لما أصابهما من التراب ، حيث كانَ يغتسل على الأرض في مكان غير مبلط ولا مقير ، لكن رواية سفيان صريحة باستثناء غسل رجليه في أول الوضوء . وخرجه - أيضًا - من طريق حفص بن غياث ، عن الأعمش ، وفي حديثه ( ثم تمضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه وأفاض الماء على رأسه ، ثم تنحى فغسل قدميه ) . وهذه الرواية تدل على أنه لم يمسح رأسه ، ولا غسل قدميه أولًا في الوضوء ، بل أفاض الماء على رأسه عندَ مسحه .

وخرجه - أيضًا - من طريق عبد الواحد ، عن الأعمش ، وفي حديثه ( ثم غسل رأسه ثلاثًا ، ثم أفرغ على جسده ، ثم تنحى من مقامه ، فغسل رجليه ) . وخرجه من طريق أبي عوانة والفضل بن موسى وأبي حمزة ، عن الأعمش كذلك ، إلا أنه لم يذكر التثليث في غسل رأسه . وقد رواه وكيع ، عن الأعمش ، فذكر في حديثه أنه غسل وجهه ثلاثًا ، وذراعيه ثلاثًا .

خرجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه . وقوله في هذه الرواية : ( هذا غسله من الجنابة ) - مما يشعر بأنه ليس من تمام حديث ميمونة . وقد رواه زائدة ، عن الأعمش ، وذكر فيهِ أن ذكر غسل الجنابة إنما هوَ من قول سالم بن أبي الجعد .

خرجه من طريقه ابن جرير الطبري والإسماعيلي في ( صحيحه ) . وقد خرج البخاري الحديث في موضع آخر ، من رواية سفيان الثوري ، عن الأعمش ، بأبسط من هذا السياق ، وفيه : عن ميمونة ، قالت : ( سترت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل من الجنابة ) - فذكر الحديث . وخرجه - أيضًا - من رواية ابن عيينة ، عن الأعمش ، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من الجنابة ، فغسل فرجه ) - وذكر الحديث .

ومن رواية الفضل بن موسى ، عن الأعمش ، وفي حديثه وضع النبي صلى الله عليه وسلم وضوءًا للجنابة ، فأكفأ بيمينه على شماله ) - وذكر الحديث . وفي هذين الحديثين دليل على استحباب الوضوء قبل الاغتسال من الجنابة ، وأنه لا يؤخر كله إلى بعد كمال الغسل . وقد روي عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ لا يتوضأ بعد الغسل .

خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي . وقال : حسن صحيح . وسئل ابن عمر عن الوضوء بعد الغسل ، فقالَ : وأي وضوء أعم من الغسل ؟ وخرجه الطبراني والحاكم عنه مرفوعًا ، ووقفه أصح .

وعن جابر بن عبد الله قالَ : يكفيك الغسل . وروي إنكاره عن ابن مسعود أيضًا . وروي عن أصحاب ابن مسعود علقمة وغيره .

وعن سعيد بن جبير والنخعي . وروي عن حذيفة من وجه منقطع إنكار الوضوء مع الغسل . وكذا روي عن الشعبي أنه كانَ لا يرى الوضوء في الغسل من الجنابة .

ولكن قد صحت السنة بالوضوء قبل الغسل . وأما الوضوء بعد الغسل فلم يصح فيهِ شيء . وروي الرخصة فيهِ عن علي رضي الله عنه .

وأنكر صحة ذَلِكَ عنه النخعي . ونقل يعقوب بن بختان ، عن أحمد في الحائض : أنها إن شاءت أخرت الوضوء عن الغسل ، وإن شاءت بدأت به . ولعل هذا يختص بغسل الحيض .

وكذا قالَ أصحاب الشافعي : إن الجنب مخير ؛ إن شاء توضأ قبل الغسل ، وإن شاء بعده . وأما إن نسي الوضوء قبل الغسل فإنه يتوضأ بعد الغسل ، نص عليهِ أحمد ومالك وغير واحد . وأصل هذا أن الجمع بين الوضوء والغسل هوَ السنة عندَ الجمهور ، لكن الأفضل أن يتوضأ قبل الغسل ، ثم يغتسل على ما سبق من صفة الوضوء مع الغسل .

فإن اغتسل ولم يتوضأ ، فهل يرتفع حدثاه بذلك ، أم لا يرتفع إلا حدثه الأكبر خاصة ، ويبقى حدثه الأصغر ، فلا يستبيح الصلاة بدون تجديد الوضوء ؟ هذا فيهِ قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد : أشهرهما : أنه يرتفع حدثاه بذلك إذا نوى بغسله رفع الحدثين جميعًا . والثانية : لا يرتفع حدثه الأصغر بدون الوضوء . وحكي عن مالك وأبي ثور وداود .

فإذا اغتسل ولم يتوضأ ارتفع حدثه الأكبر ، ولم يرتفع الأصغر حتى يتوضأ . ومن حكى عن أبي ثور وداود أن الحدث الأكبر لا يرتفع بدون الوضوء مع الغسل فالظاهر أنه غالط عليهما . وقد حكى ابن جرير وابن عبد البر وغيرهما الإجماع على خلاف ذلك .

ومذهب الشافعي أنه يرتفع حدثاه بنية رفع الحدث الأكبر خاصة ، ولا يحتاج إلى نية رفع الحدث الأصغر . وذهب إسحاق وطائفة من أصحابنا كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر إلى أنه لا يرتفع الحدث الأصغر بالغسل وحده ، حتى يأتي فيهِ بخصائص الوضوء ، من الترتيب والموالاة . وأما المضمضة والاستنشاق فقد ذكرنا حكمهما في الوضوء فيما سبق .

وأما في الغسل فهما واجبان فيهِ عندَ أبي حنيفة ، والثوري ، وأحمد في المشهور عنه . وعنه : يجب الاستنشاق وحده . واختلف أصحابنا : هل يجب المبالغة فيهما في الغسل إذا قلنا : لا يجب ذَلِكَ في الوضوء ، أم لا ؟ على وجهين .

ومذهب مالك والشافعي أن المضمضة والاستنشاق سنة في الغسل كالوضوء .

ورد في أحاديث9 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث