باب الغُسْلِ بِالصاعِ ونَحْوه
خرجه من رواية أبي إسحاق : نا أبو جعفر ، أنه كانَ عندَ جابر بن عبد الله ، هوَ وأبوه ، وعنده قوم ، فسألوه عن الغسل ، فقالَ : يكفيك صاع . فقالَ رجل : ما يكفيني . فقالَ جابر : كانَ يكفي من هوَ أوفى منك شعرًا وخيرًا منك .
ثم أمنا في ثوب واحد . ( أبو جعفر ) هوَ محمد بن علي بن حسين . وأبوه علي بن حسين زين العابدين .
وفي هذا دلالة على أن سادات أهل البيت كانوا يطلبون العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما يطلبه غيرهم ، فدل ذَلِكَ على كذب ما تزعمه الشيعة أنهم غير محتاجين إلى أخذ العلم عن غيرهم ، وأنهم مختصون بعلم يحتاج الناس كلهم إليهم ، ولا يحتاجون هم إلى أحد . وقد كذبهم في ذَلِكَ جعفر بن محمد وغيره من علماء أهل البيت رضي الله عنهم وخرج النسائي هذا الحديث بهذا الإسناد ، ولفظه : عن أبي جعفر ، قالَ : تمارينا في الغسل عندَ جابر بن عبد الله ، فقالَ جابر : يكفي من الغسل من الجنابة صاع من الماء . قلنا : ما يكفي صاع ، ولا بد صاعان ، فقالَ جابر : قد كانَ يكفي من كانَ خيرًا منكم ، وأكثر شعرًا .
ومراده بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد روي يزيد بن أبي زياد ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر ، قالَ : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع ، ويتوضأ بالمد . خرجه الإمام أحمد وأبو داود .
وفي رواية لأحمد : قالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( يجزئ من الوضوء المد ، ومن الجنابة الصاع ) . فقالَ رجل : ما يكفيني . قالَ : قد كفى من هوَ خير منك وأكثر شعرًا [رسول الله صلى الله عليه وسلم] .
وخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) والحاكم من رواية حصين ، عن سالم ، عن جابر - نحوه . ففي رواية سالم رفع أول الحديث ، مع أنه روي أوله موقوفًا - أيضًا - من حديثه ، كما في رواية أبي جعفر . ولعل وقف أوله أشبه ، وأما آخره فمرفوع .
وقد قيل : إن هذا الرجل الذي قالَ لجابر : ( ما يكفيني ) - هوَ الحسن بن محمد ابن الحنفية ، وهو أول من تكلم بالإرجاء . وقيل : إنه كانَ يميل إلى بعض مذاهب الإباضية في كثرة استعمال الماء في الطهارة . والذي في ( صحيح مسلم ) من حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، قالَ : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء .
فقالَ لهُ الحسن بن محمد : إن شعري كثير ؟ قالَ جابر : فقلت لهُ : يا بن أخي ، كانَ شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من شعرك ، وأطيب . فليس في هذه الرواية ذكر الصاع ، بل ذكر الثلاث حفنات . وقد خرجه البخاري من طريق معمر بن سام ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن جابر - بمعناه .
فقد تبين بهذا أن الذي استقبل الثلاث حثيات في الغسل هوَ محمد بن الحسن ابن الحنفية ، وأما الذي استقبل الصاع فيحتمل أنه هوَ ، وأنه غيره ، والله أعلم .