باب تَفرِيق الْوُضُوِءِ وَالْغُسلِ
حديث ميمونة : قالت : وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم ماء يغتسل به ، فأفرغ على يديه ، فغسلهما مرتين أو ثلاثًا . ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره ، ثم دلك يده بالأرض ، ثم تمضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه ويديه . ثم غسل رأسه ثلاثًا ، ثم أفرغ على جسده ، ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه .
خرجه من حديث عبد الواحد بن زياد ، عن الأعمش - بإسناده المتقدم . ووجه الاستدلال به على جواز تفريق الوضوء أنه صلى الله عليه وسلم فصل بين تطهير رأسه وقدميه بالإفراغ على جسده ، ثم بالتنحي من مقامه . وللإمام أحمد ومن وافقه جوابان : أحدهما : أن هذا تفريق يسير لا يضر ؛ فإن المعتبر عندهم في التفريق المبطل أن يؤخر غسل بعض الأعضاء حتى يجف غسل ما قبله .
ومنهم من اعتبر لهُ طول الفصل عرفًا . وهما روايتان عن أحمد ، أشهرهما اعتبار الجفاف . وهذا التأخير لم يكن طويلًا ، ولا حصل معه جفاف ما قبله ؛ فلا يضر .
وقد روي عن مالك أنه إذا أخر غسل رجليه حتى يكمل غسله ، أنه يعيد الوضوء . ولعله أراد مع طول الفصل . والله سبحانه وتعالى أعلم .
والثاني : أن هذا التفريق كانَ في غسل الجنابة ، وعند أحمد لا يعتبر الموالاة للغسل بخلاف الوضوء . فإن قيل : إنما وقع التفريق في الوضوء الذي في ضمن الغسل - قيل : أعضاء الجنب ما دام عليها الجنابة فإنه لا يعتبر لتطهرها موالاة في وضوء ولا غسل . هذا ظاهر مذهب أحمد الذي عليهِ عامة أصحابه .
وإنما اعتبر الموالاة للوضوء في غسل الجنابة أبو بكر بن جعفر وطائفة يسيرة من أصحابه ، وهو المذهب عندَ الخلال ، وسيأتي القول في ذَلِكَ مبسوطًا إن شاء الله تعالى . وفي تفريق الغسل صريحًا حديث لا يصح إسناده . خرجه الدارقطني في ( الأفراد ) والإسماعيلي في ( جمع حديث مسعر ) ، من طريق إسماعيل بن يحيى التميمي ، عن مسعر ، عن حميد بن سعد ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، قالَ : قالَ رجل : يا رسول الله ، إن أهلي تغار إذا وطئت جواري ! قالَ : ( ولم تعلمهم ذَلِكَ ؟ ) ، قالَ : من قبل الغسل .
قالَ : ( إذا كانَ ذَلِكَ منك ، فاغسل رأسك عندَ أهلك ، فإذا حضرت الصلاة فاغسل سائر جسدك ) . إسماعيل بن يحيى ضعيف جدا . قالَ الإسماعيلي : حميد بن سعد مجهول ، وأحاديث إسماعيل بن يحيى موضوعة .
وفيه حديث آخر رواه جعفر بن محمد الفريابي : نا إسحاق بن موسى : نا عاصم بن عبد العزيز : نا محمد بن زيد بن قنفذ التيمي ، عن جابر بن سيلان ، عن ابن مسعود - أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يغتسل من الجنابة ، فيخطئ الماء بعض جسده ؟ فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( يغسل ذَلِكَ المكان ، ثم يصلي ) . رجاله كلهم مشهورون خلا جابر بن سيلان ، وقد خرج لهُ أبو داود ، ولم نعلم فيهِ جرحًا ، ولا أنه روى عنه سوى محمد بن زيد .