غسل ما يصيب مِن فرج المرأة
كتاب الحيض ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾6 - كِتاب الحيض وقول الله عز وجل : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ إلى قوله : وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ خرج مسلم في ( صحيحه ) من حديث حماد بن سلمة : نا ثابت ، عَن أنس - أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لَم يؤاكلوها ، ولم يجامعوهن في البيوت . فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ إلى آخر الآية ، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ) ، وذكر بقية الحديث . فقوله عز وجل : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ أي : عَن حكمه والمباشرة فيهِ .
و( المحيض ) قيل : إنهُ مصدر كالحيض ، وقيل : بل هوَ اسم للحيض ، فيكون اسم مصدر . وقوله تعالى : قُلْ هُوَ أَذًى - فسر الأذى بالدم النجس وبما فيهِ من القذر والنتن ، وخروجه من مخرج البول ، وكل ذَلِكَ يؤذي . قالَ الخطابي : الأذى هوَ المكروه الذِي ليسَ بشديد جدا ، كقوله : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وقوله : إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ قالَ : والمراد : أذى يعتزل منها موضعه لا غيره ، ولا يتعدى ذَلِكَ إلى سائر بدنها ، فلا يجتنبن ولا يخرجن من البيوت كفعل المجوس وبعض أهل الكِتابِ ، فالمراد أن الأذى بهن لا يبلغ الحد الذِي يجاوزونه إليه ، وإنما يجتنب منهن موضع الأذى ، فإذا تطهرن حل غشيانهن .
وقوله تعالى : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ - قَد فسره النبي صلى الله عليه وسلم باعتزال النكاح ، وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى ذكر ما يحرم من مباشرة الحائض وما يحل منهُ في الباب الذِي يختص المباشرة من الكِتابِ . وقد قيل بأن المراد بالمحيض هاهنا مكان الحيض ، وهو الفرج . ونص على ذَلِكَ الإمام أحمد ، وحكاه الماوردي عَن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وجمهور المفسرين .
وحكى الإجماع على أن المراد بالمحيض المذكور في أول الآية الدم . وقد خالف في ذَلِكَ ابن أبي موسى من أصحابنا في ( شرح الخرقي ) ، فزعم أن مذهب أحمد أنهُ الفرج أيضا ، وفيه بعد . وجمهور أصحاب الشَافِعي على أن المراد بالمحيض في الآية الدم ، في الموضعين .
وقوله : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ - نهي بعد الأمر باعتزالهن في المحيض عَن قربانهن فيهِ ، والمراد بهِ الجماع أيضا ، وفيه تأكيد لتحريم الوطء في الحيض . وقوله : حَتَّى يَطْهُرْنَ - فيهِ قراءتان ( يَطْهُرْنَ ) بسكون الطاء وضم الهاء ، و( يَطَّهَّرْنَ ) بفتح الطاء وتشديدها وتشديد الهاء . وقد قيل : إن القراءة الأولى أريد بها انقطاع الدم ، والقراءة الثانية أريد بها التطهر بالماء .
وممن فسر الأولى بانقطاع الدم ابن عباس ومجاهد وغيرهما . وابن جرير وغيره يشيرون إلى حكاية الإجماع على ذَلِكَ . ومنع غيره الإجماع ، وقال : كل من القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء ، وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه .
وفي ذَلِكَ نظر ؛ فإن قراءة التشديد تدل على نسبة فعل التطهر إليها ، فكيف يراد بذلك مجرد انقطاع الدم ، ولا صنع لها فيهِ ؟ وقوله : حَتَّى يَطْهُرْنَ - غاية النهي عَن قربانهن ، فيدل بمفهومه على أن ما بعد التطهير يزول النهي . فعلى قراءة التشديد المفسرة بالاغتسال إنما يزول النهي بالتطهر بالماء ، وعلى قراءة التخفيف يدل على زوال النهي بمجرد انقطاع الدم . واستدل بذلك فرقة قليلة على إباحة الوطء بمجرد انقطاع الدم ، وَهوَ قول أبي حنيفة وأصحابه ، إذا انقطع الدم لأكثر الحيض ، أو لدونه ، ومضى عليها وقت صلاة ، أو كانت غير مخاطبة بالصلاة كالذمية .
وحكي عَن طائفة إطلاق الإباحة ، منهُم ابن كثير وابن عبد الحكم ، وفي نقله عنهما نظر . والجمهور على أنه لا يباح بدون الاغتسال ، وقالوا : الآية ، وإن دلت بمفهومها على الإباحة بالانقطاع إلا أن الإتيان مشروط لَهُ شرط آخر وَهوَ التطهر ، والمراد بهِ التطهر بالماء بقولِهِ : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ فدل على أنهُ لا يكفي مجرد التطهر ، وأن الإتيان متوقف على التطهر أو على الطهر والتطهر بعده . وفسر الجمهور التطهر بالاغتسال ، كَما في قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وحكي عَن طائفة من السلف أن الوضوء كاف بعد انقطاع الدم ، منهُم مجاهد وعكرمة وطاوس ، على اختلاف عَنهُم في ذَلِكَ .
قالَ ابن المنذر : روينا بإسناد فيهِ مقال عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا : إذا أدرك الزوج الشبق أمرها أن تتوضأ ، ثم أصاب منها إن شاء . وأصح من ذَلِكَ عَن عطاء ومجاهد موافقة القول الأول - يعني : المنع منهُ وكراهته بدون الغسل - قالَ : ولا يثبت عَن طاوس خلاف ذَلِكَ . قالَ : وإذا بطل أن يثبت عَن هؤلاء قول ثان كانَ القول الأول كالإجماع .
انتهى . ولذلك ضعف القاضي إسماعيل المالكي الرواية بذلك عَن طاوس وعطاء ؛ لأنها من رواية ليث بن أبي سليم عنهما ، وَهوَ ضعيف . وحكي عَن بعض السلف أن التطهر غسل الفرج خاصة ، رواه ابن جريج وليث عَن عطاء ، ورواه معمر عَن قتادة ، وحكاه بعض أصحابنا عَن الأوزاعي .
ولا أظنه يصح عَنهُ ، وقاله قوم من أهل الظاهر . والصحيح الذِي عليهِ جمهور العلماء أن تطهر الحائض كتطهر الجنب ، وَهوَ الاغتسال . ولو عدمت الماء فهل يباح وطؤها بالتيمم ؟ فيهِ قولان : أحدهما : يباح بالتيمم ، وَهوَ مذهبنا ، ومذهب الشَافِعي وإسحاق والجمهور ، وقول يحيى بن بكير من المالكية ، والقاضي إسماعيل منهُم أيضا .
وقال مكحول ومالك : لا يباح وطؤها بدون الاغتسال بالماء . وقوله : فَأْتُوهُنَّ - إباحة ، وقوله : مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي : باعتزالهن ، وَهوَ الفرج ، أو ما بين السرة والركبة ، على ما فيهِ من الاختلاف كَما سيأتي . روي هَذا عَن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة .
وقيل : المراد : من الفرج دونَ الدبر . رواه علي بن أبي طلحة عَن ابن عباس . وروى أبان بن صالح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قالَ : مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أن تعتزلوهن .
ورواه عكرمة عَن ابن عباس أيضا . وقيل : المراد من قبل التطهر لا من قبل الحيض ، وروي عَن ابن عباس أيضا وغيره . و( التوابون ) : الرجاعون إلى طاعة الله من مخالفته .
و( المتطهرون ) فسره عطاء وغيره بالتطهر بالماء ، ومجاهد وغيره بالتطهر من الذنوب . وعن مجاهد أنه فسره بالتطهر من أدبار النساء ، ويشهد لَهُ قول قوم لوط : إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ