حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب مباشرة الحائض

نا أبو النعمان : نا عبد الواحد : نا الشيباني : نا عبد الله بن شداد ، قالَ : سمعت ميمونة قالت : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها ، فاتزرت وهي حائض . رواه سفيان عَن الشيباني . وإنما ذكر متابعة سفيان ؛ ليبين أن الصحيح عَن الشيباني عَن عبد الله بن شداد عَن ميمونة ، لا عَن عائشة .

وأن سفيان - وَهوَ الثوري - رواه عَن الشيباني كذلك . وقد خرجه الإمام أحمد ، عَن ابن مهدي ، عَن سفيان كذلك ، ولفظ حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشرها وهي حائض ، فوق الإزار . وكذلك خرجه مسلم في ( صحيحه ) من طريق عبد الواحد بن زياد ، عَن الشيباني بهذا الإسناد ، ولفظه : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض .

وخرجه مسلم أيضا من طريق ابن وهب : أخبرني مخرمة ، عَن أبيه - وَهوَ بكير بن الأشج - عَن كريب مولى ابن عباس ، عَن ميمونة ، قالت : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينضجع معي وأنا حائض ، وبيني وبينه ثوب . ورواه الزهري عَن حبيب مولى عروة ، عن ندبة مولاة ميمونة ، عَن ميمونة ، قالت : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر المرأة من نسائه وهي حائض ، إذا كانَ عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين - أو الركبتين - محتجزة . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن حبان في ( صحيحه ) .

وفي الباب أحاديث أخر متعددة ، وقد تقدم في الباب الماضي حديث أم سلمة في المعنى . وقد دلت هَذهِ الأحاديث على جواز نوم الرجل معَ المرأة في حال حيضها ، وجواز مباشرته لها ، واستمتاعه بها من فوق الإزار . والإزار هوَ ما بين السرة والركبة ، وفي الرواية الأخيرة عَن ميمونة الشك : هل كانَ الإزار يبلغ إلى الركبتين ؟ أو إلى أنصاف الفخذين ؟ وقد روي أن الإزار كانَ يبلغ إلى أنصاف الفخذين ، جزمًا من غير شك .

خرجه ابن ماجه من حديث أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أنها سئلت : كيف كنت تصنعين معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحيض ؟ قالت : كانت إحدانا في فورها ، أول ما تحيض تشد عليها إزارًا إلى أنصاف فخذيها ، ثم تضطجع معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإسناده حسن ، وفي إسناده ابن إسحاق . وفي هَذا الحديث معَ حديث عائشة الثاني الذِي خرجه البخاري هاهنا - دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانَ يأمر الحائض بالاتزار في أول حيضها ، وَهوَ فور الحيضة وفوحها ؛ فإن الدم حينئذ يفور لكثرته ، فكلما طالت مدته قل ، وهذا مما يستدل بهِ على أن الأمر بشد الإزار لَم يكن لتحريم الاستمتاع بما تحت الإزار ، بل خشية من إصابة الدم والتلوث بهِ ، ومبالغة في التحرز من إصابته .

وقد روى محمد بن بكار بن بلال : نا سعيد بن بشير ، عَن قتادة ، عَن الحسن ، عَن أمه ، عَن أم سلمة ، قالت : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقي سورة الدم ثلاثًا ، ثم يباشر بعد ذَلِكَ . وهذا الإسناد وإن كانَ فيهِ لين إلا أن الأحاديث الصحيحة تعضده وتشهد لَهُ . وفي ( سنن أبي داود ) من حديث عكرمة ، عَن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا .

وإسناده جيد . وَهوَ محمول على ما بعد الثلاث إذا ذهبت سورة الدم وحدته وفوره ، فكان حينئذ يكتفي بستر الفرج وحده بثوب ، ثم يباشر . وقد روي عَن الأوزاعي ، عَن عبدة بن أبي لبابة ، عَن أم سلمة ، قالت : كنت معَ النبي صلى الله عليه وسلم في لحافه ، فنفست ، فقالَ : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) قلت : نعم ، فأمرني أن أضع على قبلي ثوبًا .

خرجه أبو بكر ابن جعفر في ( كِتابِ الشافي ) . وعبدة لَم يسمع من أم سلمة ، قاله أبو حاتم الرازي . وسنذكر في ( الصيام ) - إن شاء الله تعالى - الأحاديث الواردة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يلقي على فرج المرأة في صيامه ثوبًا ، ثم يباشرها .

فظهر بهذا أن الاستمتاع ببدن الحائض كله جائز ، لا منع فيهِ سوى الوطء في الفرج ، وأنه يستحب أن يكون ذَلِكَ من فوق الإزار ، خصوصًا في أول الحيض وفورته . وإن اكتفى بستر الفرج وحده جاز ، وإن استمتع بها بغير ستر بالكلية جاز أيضا . وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( اصنعوا كل شيء غير النكاح ) .

خرجه مسلم . وأما الأحاديث التي رويت عَن النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ سئل عما يحل من الحائض ، فقالَ : ( فوق الإزار ) - فقد رويت من وجوه متعددة لا تخلو أسانيدها من لين ، وليس رواتها من المبرزين في الحفظ ، ولعل بعضهم روى ذَلِكَ بالمعنى الذِي فهمه من مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم للحائض من فوق الإزار . وقد قيل : إن الإزار كناية عَن الفرج ، ونقل ذَلِكَ عن اللغة ، وأنشدوا فيهِ شعرًا .

قالَ وكيع : الإزار عندنا الخرقة التي على الفرج . وقد اختلف العلماء فيما يجوز الاستمتاع بهِ من الحائض في حال حيضها ؛ فقالت طائفة : لا يحرم منها سوى الإيلاج في فرجها ، ويجوز ما عدا ذَلِكَ ، وحكي ذَلِكَ عَن جمهور العلماء . وروي عَن ابن عباس وعائشة وأم سلمة ، وَهوَ قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وَهوَ أحد قولي الشَافِعي ومحمد بن الحسن وأبي ثور وابن المنذر وداود وطائفة من أصحاب مالك والشافعي .

واحتج أحمد بأن عائشة أفتت بإباحة ما دونَ الفرج من الحائض ، وهي أعلم الناس بهذه المسألة ، فيتعين الرجوع فيها إلى قولها ، كَما رجع إليها في الغسل من التقاء الختانين على ما سبق ، وكذا في المباشرة للصائم . وقد حكى البخاري عنها في ( الصوم ) أنها قالت : يحرم عليهِ - تعني : الصائم - فرجها . وقالت طائفة : يحرم الاستمتاع من الحائض بما بين السرة والركبة ، إلا من فوق الإزار ، وَهوَ المشهور عَن مالك وأبي حنيفة والشافعي .

وحكي رواية عَن أحمد ، ولم [يثبتها] الخلال وأكثر الأصحاب ، وقالوا : إنما أراد أحمد أن الأفضل مباشرتها من فوق الإزار . وقالت طائفة : إن وثق المباشر تحت الإزار بضبط نفسه عَن الفرج ؛ لضعف شهوة أو شدة ورع جاز ، وإلا فلا ، وَهوَ قول طائفة من الشَافِعية . وَهوَ حسن ، وفي كلام عائشة - رضي الله عنها - ما يشهد لَهُ ؛ فإنها قالت : وأيكم يملك إربه كَما كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه ؟ ويشهد لهذا مباشرة المرأة في حال الصيام ؛ فإنه يفرق فيها بين من يخاف على نفسه ومن يأمن ، وقد قالت عائشة أيضا : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وَهوَ صائم ، وكان أملككم لإربه .

وقد رويت هَذهِ اللفظة بكسر الهمزة وسكون الراء ، ورويت بفتح الهمزة والراء . وأنكر الخطابي الرواية الأولى ، وجوزها غيره . والإرب بالسكون العضو ، وَهوَ كناية هنا عَن الفرج ، والإرب بالفتح الحاجة ، والمراد بالحاجة شهوة النكاح .

وقيل : بل الإرب بالسكون يراد بهِ العضو ، ويراد بهِ الحاجة أيضا ، وكذلك هوَ في ( الصحاح ) . قالَ أبو عبيد : يروى هَذا الحديث : لإربه ، يعني بالسكون . قالَ : وَهوَ في كلام العرب لأربه ، يعني بالتحريك .

قالَ : والإرب : الحاجة ، قالَ : وفيه ثلاث لغات : أرب ، وإربة ، وإرب ، قال : والإرب في غير هَذا العضو . انتهى . وعلى قول من جوز الاستمتاع بما دونَ الفرج يجوز عندهم الوطء دونَ الفرج ، والاستمتاع بالفرج نفسه من غير إيلاج فيهِ .

ولو كانَ على بعض الجسد شيء من دم الحيض لَم يحرم الاستمتاع بهِ ، وليس فيهِ خلاف إلا وجه شاذ للشافعية . لكن صرح ابن أبي موسى من أصحابنا في ( شرح الخرقي ) بكراهة الوطء فيما هوَ متلوث بدم الحيض من غير تحريم . وأما ما فوق السرة وتحت الركبة فيجوز الاستمتاع بهِ ، وكثير من العلماء حكى الإجماع على ذَلِكَ .

ومنهم من حكى عَن عبيدة السلماني خلافه ، ولا يصح عَنهُ . إنما الصحيح عَن عبيدة ما رواه وكيع في ( كتابه ) ، عن ابن عون ، عَن ابن سيرين ، قالَ : سألت عبيدة : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا ؟ قالَ : الفراش واحد ، واللحاف شتى ، فإن لَم يجد بدا رد عليها من طرف ثوبه . وهذا إنما يدل على أن الأولى أن لا ينام معها متجردة في لحاف واحد حتى يسترها بشيء من ثيابه ، وهذا مما لا خلاف فيهِ .

وقد روي عَن ابن عباس أنهُ كانَ يعتزل فراش امرأته في حال الحيض ، وأنكرت عليهِ ذَلِكَ خالته ميمونة رضي الله عنهما ، فرجع عَن ذَلِكَ . ففي ( مسند الإمام أحمد ) من حديث ابن إسحاق ، [عَن] الزهري ، عَن عروة ، عَن ندبة ، قالت : أرسلتني ميمونة بنت الحارث إلى امرأة عبد الله بن عباس وكانت بينهما قرابة ، فرأيت فراشها معتزلًا فراشه ، فظننت أن ذَلِكَ لهجران . فسألتها ، فقالت : لا ، ولكني حائض ، فإذا حضت لم يقرب فراشي .

فأتيت ميمونة ، فذكرت ذَلِكَ لها ، فردتني إلى ابن عباس ، فقالت : أرغبة عَن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لقد كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام معَ المرأة من نسائه الحائض ، ما بينهما إلاّ ثوب ما يجاوز الركبتين . ثم خرجه من طريق ليث : حدثني ابن شهاب ، عَن حبيب مولى عروة ، عَن ندبة - فذكر الحديث . وهذا هوَ الصحيح ، وقول ابن إسحاق : ( عَن عروة ) - خطأ ، إنما هوَ حبيب مولى عروة ، وَهوَ ثقة ، خرج لَهُ مسلم .

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانَ ينام معَ الحائض حيث لَم يكن لَهُم سوى فراش واحد ، فلما وسع عليهم اعتزل نساءه في حال الحيض . خرجه الإمام أحمد من رواية ابن لهيعة ، عَن يزيد بن أبي حبيب ، عَن سويد بن قيس ، عَن ابن قريط الصدفي ، قالَ : قلت لعائشة : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يضاجعك وأنت حائض ؟ قالت : نعم ، إذا شددت عليّ إزاري ، ولم يكن لنا إذ ذاك إلا فراش واحد . فلما رزقني الله فراشًا آخر اعتزلت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وابن لهيعة لا يقبل تفرده بما يخالف الثقات . ولكن تابعه غيره : فرواه ابن وهب ، عَن عمرو بن الحارث ، عَن ابنِ أبي حبيب ، عَن سويد بن قيس ، عَن ابن قرظ - أو قرط - الصدفي ، أنهُ سأل عائشة - فذكره بمعناه . خرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) .

وابن قرظ - أو قرط - الصدفي ليسَ بالمشهور ، فلا تعارض روايته عَن عائشة رواية الأسود بن يزيد النخعي . وقد تابع الأسود على روايته كذلك عَن عائشة عمرو بن شرحبيل أو عمرو بن ميمون ، على اختلاف فيهِ . وأبو سلمة وعبد الله بن أبي قيس ، وشريح بن المقدام ، وجميع بن عمير ، وخلاس ، وغيرهم .

وروايات هؤلاء عَن عائشة أولى من روايات ابن قريط . وتعارض رواية ابن قريط برواية أخرى تشبهها خرجها أبو داود من حديث عبد الرحمن بن زياد ، عَن عمارة بن غراب ، أن عمة لَهُ حدثته أنها سألت عائشة ، قالت : إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلا فراش واحد ! قالت : أخبرك بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ! دخل فمضى إلى مسجده تعني : مسجد بيته ، فلم ينصرف حتى غلبتني عيني ، وأوجعه البرد ، فقالَ : ( ادني ) ، فقلت : إني حائض ، قالَ : ( وإن ، اكشفي عَن فخذيك ) . فكشفت فخذي ، فوضع خده وصدره على فخذي ، وحنيت عليهِ حتى دفئ ونام .

وفي ( سنن أبي داود ) عَن أبي اليمان كثير بن يمان ، عَن أم ذرة ، عَن عائشة ، قالت : كنت إذا حضت نزلت عَن المثال إلى الحصير ، فلن نقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ندن منهُ حتى نطهر . أبو اليمان وأم ذرة ليسا بمشهورين ، فلا يقبل تفردهما بما يخالف رواية الثقات الحفاظ الأثبات . وخرجه بقي بن مخلد عَن الحماني ، ثنا عبد العزيز ، عَن أبي [اليمان] الرحال ، عَن أم ذرة ، عَن عائشة ، قالت : كنت إذا حضت لَم أدن من فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطهر .

الحماني متكلم فيهِ . وقد روى جعفر بن الزبير ، عَن القاسم ، عَن أبي أمامة ، قالَ : قالَ عمر : كنا نضاجع النساء في المحيض ، وفي الفرش واللحف قلة . فأما إذ وسع الله الفرش واللحف فاعتزلوهن كَما أمر الله عز وجل .

خرجه القاضي إسماعيل ، وهذا لا يثبت ، وجعفر بن الزبير متروك الحديث . وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : نا أبو هلال : حدثني شيبة الراسبي ، قالَ : سألت سالمًا عَن الرجل يضاجع امرأته وهي حائض ، قالَ : أما نحن آل عمر فنهجرهن إذا كن حيضًا . إسناد ضعيف .

والاعتزال الذِي أمر الله بهِ هوَ اجتناب جماعهن ، كَما فسره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال عكرمة : كانَ أهل الجاهلية يصنعون في الحيض نحوًا من صنيع المجوس ، فذكروا ذَلِكَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى الآية ، فلم يزد الأمر فيهن إلا شدة ، فنزلت : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أن تعتزلوا . أخرجه القاضي إسماعيل بإسناد صحيح .

وَهوَ يدل على أن أول ما نزل الأمر باعتزالهن فهم كثير من الناس منهُ الاعتزال في البيوت والفرش كَما كانوا يصنعون أولًا ، حتى نزل آخر الآية : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ففهم من ذَلِكَ أن الله أمر باعتزالهن في الوطء خاصة . وفسر النبي صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ بقولِهِ : ( اصنعوا كل شيء غير النكاح ) ، وبفعله معَ أزواجه ؛ حيث كانَ يباشرهن في المحيض .

ورد في أحاديث9 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث