حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب لا تقضي الحائضُ الصلاةَ

باب لا تقضي الحائضُ الصلاةَ وقال جابر بن عبد الله وأبو سعيد عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( تدع الصلاة ) . حديث أبي سعيد المشار إليه قَد خرجه بتمامه في ( باب ترك الحائض الصوم ) ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أليس إذا حاضت لَم تصل ولم تصم ؟ ) قلن : بلى . قالَ : ( فذلك من نقصان دينها ) [...] .

وحديث جابر المشار إليه [...] . وقد سبق حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ للمستحاضة : ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ) . وقد أجمع العلماء على أن الحائض لا يجوز لها الصلاة في حال حيضها ، فرضًا ولا نفلًا .

وقد استحب لها طائفة من السلف أن تتوضأ في وقت كل صلاة مفروضة ، وتستقبل القبلة ، وتذكر الله عز وجل بمقدار تلك الصلاة ، منهُم الحسن وعطاء وأبو جعفر محمد بن علي ، وَهوَ قول إسحاق . وروي عَن عقبة بن عامر أنه كانَ يأمر الحائض بذلك ، وأن تجلس بفناء مسجدها . خرجه الجوزجاني .

وقال مكحول : كانَ ذَلِكَ من هدي نساء المسلمين في أيام حيضهن . وأنكر ذَلِكَ أكثر العلماء ، وقال أبو قلابة : قَد سألنا عَن هَذا ، فما وجدنا لَهُ أصلا . خرجه حرب الكرماني .

وقال سعيد بن عبد العزيز : ما نعرف هَذا ، ولكننا نكرهه . قالَ ابن عبد البر : على هَذا القول جماعة الفقهاء وعامة العلماء في الأمصار . وممن قالَ : ليسَ ذَلِكَ على الحائض - الأوزاعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومالك .

وكذلك قالَ أحمد ، قالَ : ليسَ عليها ذَلِكَ ، ولا بأس أن تسبح وتهلل وتكبر . وبه قالَ أبو خيثمة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، وأبو ثور . وأصحاب الشَافِعي ، وزادوا أنه يحرم عليها الوضوء إذا قصدت بهِ العبادة ورفع الحدث ، وإنما يجوز لها أن تغتسل أغسال الحج ؛ لأنه لا يراد بها رفع الحدث ، بل النظافة .

وقد روى يحيى بن صاعد : ثنا عبد الجبار بن العلاء : ثنا أيوب بن سويد الرملي : ثنا عتبة بن أبي حكيم ، عَن أبي سفيان طلحة بن نافع : حدثني عبد الله بن عباس أنه بات عندَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في ليلة ميمونة بنت الحارث ، فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأسبغ الوضوء ، [وأقل] هراقة الماء . وقام فافتتح الصلاة ، فقمت ، فتوضأت ، وقمت عَن يساره . فأخذ بأذني ، فأقامني عَن يمينه ، وكانت ميمونة حائضًا ، فقامت ، فتوضأت ، ثم قعدت خلفه تذكر الله عز وجل .

خرجه الطبراني في ( مسند الشاميين ) وغيره . وهذا غريب جدا ، وأيوب بن سويد الرملي ضعيف . خرج البخاري في هَذا الباب : 321 - حديث قتادة : حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة : أتجزي إحدانا صلاتها إذا هي طهرت ؟ فقالت : أحرورية أنت ؟ كنا نحيض معَ النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمرنا بهِ ، أو قالت : فلا نفعلهُ .

قولها : ( أتجزي ) - هوَ بفتح التاء ، و( صلاتها ) بفتح التاء ، والمعنى : أتقضي صلاتها إذا طهرت من حيضها . وقول عائشة : ( أحرورية أنت ؟ ) - تعني : أنت من أهل حروراء ، وهم الخوارج ؛ فإنه قَد قيل : إن بعضهم كانَ يأمر بذلك ، وقيل : إنها أرادت أن هَذا من جنس تنطع الحرورية ، وتعمقهم في الدين حتى خرجوا منهُ . ثم ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ لا يأمرهن بذلك إذا حضن ، أو لا يفعلنه ، شك الراوي أي اللفظتين قالت .

ومعناهما متقارب ؛ فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم إذا كن يحضن في زمانه فلا يقضين الصلاة إذا طهرن فإنما يكون ذَلِكَ بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم على ذَلِكَ ، وأمره بهِ ؛ فإن مثل هَذا لا يخفى عليهِ . ولو كانَ القضاء واجبًا عليهن لَم يهمل ذَلِكَ ، وَهوَ لا يغفل عَن مثله لشدة اهتمامه بأمر الصلاة . وقد خرج هَذا الحديث مسلم في ( صحيحه ) بلفظ ( ثُم لا نؤمر بالقضاء ) - من غير تردد ، وخرجه بلفظ آخر ، وَهوَ ( كانَ يصيبنا ذَلِكَ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنؤمر بقضاء الصوم ، ولا نؤمر بقضاء الصلاة ) .

وقد حكى غير واحد من الأئمة إجماع العلماء على أن الحائض لا تقضي الصلاة ، وأنهم لَم يختلفوا في ذَلِكَ . منهُم الزهري ، والإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، والترمذي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وغيرهم . وقال عطاء وعكرمة : قضاء الحائض الصلاة بدعة .

وقال الزهري : أجمع الناس على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ، وقال : وليس في كل شيء نجد الإسناد . وقد حكي عَن بعض الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة ، وعن بعضهم أنها تصلي في حال حيضها . ولكن في ( سنن أبي داود ) بإسناد فيهِ لين أن سمرة بن جندب كانَ يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض .

وقد ذكر البخاري في ( الصيام ) من ( كتابه ) هَذا عَن أبي الزناد ، أنه قالَ : إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرَأي ، فلا يجد المسلمون بدا من اتباعها ، من ذَلِكَ أن الحائض تقضي الصوم دونَ الصلاة . وهذا يدل على أن هَذا مما لا يدرك بالرأي ، ولا يهتدي الرَأي إلى وجه الفرق فيهِ . وقد فرق كثير من الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي بين قضاء الصوم والصلاة بأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات ، والحيض لا يخلو منهُ كل شهر غالبًا ، فلو أمرت الحائض بقضاء الصلاة معَ أمرها بأداء الصلاة في أيام طهرها لشق ذَلِكَ عليها .

بخلاف الصيام ؛ فإنه إنما يجيء مرةً واحدةً في السنة ، فلا يشق قضاؤه . ومنهم من قالَ : جنس الصلاة يتكرر في كل يوم من أيام الطهر ، فيغني ذَلِكَ عَن قضاء ما تركته منها في الحيض ، بخلاف صيام رمضان ؛ فإنه شهر واحد في السنة لا يتكرر فيها ، فإذا طهرت الحائض أمرت بقضاء ما تركته أيام حيضها ؛ لتأتي بتمام عدته المفروضة في السنة ، كَما يؤمر بذلك من أفطر لسفر أو مرض . وإنما يسقط عَن الحائض قضاء الصلاة التي استغرق حيضها وقتها ، ولم تكن مجموعة إلى ما قبلها أو بعدها .

فإن لَم يستغرق حيضها وقت الصلاة ، بل طهرت في آخر الوقت ، أو حاضت بعد مضي أوله - ففي لزوم قضائها لها خلاف يأتي ذكره في ( كِتابِ الصلاة ) إن شاء الله تعالى . وكذلك لو طهرت في آخر وقت صلاة تجمع إلى ما قبلها ، مثل أن تطهر في آخر وقت العصر أو العشاء ، فهل يلزمها قضاء الظهر والمغرب ؟ فيهِ أيضا اختلاف يذكر في ( الصلاة ) إن شاء الله تعالى . وإن حاضت في أول وقت صلاة تجمع إلى ما بعدها ففي لزوم القضاء لما بعد الصلاة التي حاضت في وقتها اختلاف أيضا ، والقول بوجوب القضاء هنا أبعد من التي قبلها .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث