باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها
باب إذا صلى في ثوب له أعلام ، ونظر إلى علمها 373 - حدثنا أحمد بن يونس : ثنا إبراهيم بن سعد : ثنا ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام ، فنظر إلى أعلامها نظرة ، فلما انصرف قال : اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم ، فإنها ألهتني آنفا في صلاتي . وقال هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة ، فأخاف أن تفتنني . هذا الذي علقه عن هشام بن عروة .
خرجه مسلم في صحيحه من حديث وكيع ، عن هشام ، ولكن لفظه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له خميصة لها علم ، فكان يتشاغل بها في الصلاة ، فأعطاها أبا جهم ، وأخذ كساء له أنبجانيا . ورواه أبو معاوية عن هشام - أيضا - ولفظ حديثه : قالت : كان للنبي صلى الله عليه وسلم خميصة ، فأعطاها أبا جهم ، وأخذ أنبجانية له ، قالوا : يا رسول الله ، إن الخميصة هي خير من الأنبجانية ؟ فقال : إني كنت أنظر إلى علمها في الصلاة . خرجه الإمام أحمد .
وخرجه أبو داود بمعناه من رواية ابن أبي الزناد ، عن هشام . ورواه مالك ، عن هشام ، عن أبيه - مرسلا . وذكر ابن عبد البر : أن الأنبجاني مذكر في رواية الزهري ، وإنما أنثه مالك في روايته .
قلت : وكذا في رواية إبراهيم بن سعد التي خرجها البخاري هنا . قال : وإنما هو كساء أنبجاني ، والأنبجاني لا يؤنث ، إلا أن يكون أراد الخميصة أو الشملة . قال : وقال ثعلب : يقال : أنبجانية - بكسر الباء وفتحها - لكل ما كثف والتف .
قالوا : شاة أنبجانية : أي كثيرة الصوف ملتفة . قال ابن عبد البر : وقال ابن قتيبة : إنما هو كساء منبجاني - بالميم - ؛ لأنه منسوب إلى منبج . قَالَ : وفتحت باؤه في النسب ؛ لأنه خرج مخرج منظراني ومنجراني .
قال : وعن ابن قتيبة يقول : جائز أن يقال : أنبجاني كما جاء في الحديث ؛ لأن رواته عرب فصحاء ، ومن الأنساب ما لا يجري على قياس ، وإنما هو مسموع ، هذا لو صح أنه منسوب إلى منبج . انتهى . وفي الحديث : دليل على أن نظر المصلي إلى ما يلهيه عن صلاته لا يفسد صلاته ، ولا يلزمه إعادتها إذا كان ذلك قليلا ، ولهذا قالت عائشة : فنظر إلى أعلامها نظرة .
وأما إذا كثر شغل قلبه عن صلاته ، وحدث نفسه بغيرها ، فمن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من أوجب عليه الإعادة بذلك . ثم منهم من علل ذلك : بأن عمل النفس إذا كثر في الصلاة أبطلها ، كعمل البدن . وحكي ذلك عن ابن حامد .
ومنهم من علل : بوجوب الخشوع في الصلاة ، فإذا فقد في أكثر الصلاة أبطلها . وجمهور العلماء : على أنه لا تبطل بذلك الصلاة ، وحكاه بعضهم إجماعا ، وسيأتي ذكر ذلك في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . واستدل الشافعي بهذا الحديث على أن مجرد الاشتغال عن صلاته بنظر إلى شيء أو فكر فيه ، إذا لم يوجب له ذلك الشك في عدد الركعات لا يسجد له للسهو .
وفي الحديث : دليل على استحباب التباعد عن الأسباب الملهية عن الصلاة ، ولهذا أخرج النبي صلى الله عليه وسلم تلك الخميصة عنه بالكلية . فينبغي لمن ألهاه شيء من الدنيا عن صلاته أن يخرجه عن ملكه . وقد ذكر مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر ، أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائط له ، فطار دبسي ، فانطلق يتردد يلتمس مخرجها ، فلم يجده لالتفاف النخل ، فأعجبه ذلك فأتبعه بصره ساعة ، ثم رجع فإذا هو لا يدري كم صلى ، فقال : لقد أصابتني في مالي هذا فتنة ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له ، فقال : يا رسول الله ، هو صدقة لله عز وجل ، فضعه حيث أراك الله .
وذكر مالك - أيضا - عن عبد الله بن أبي بكر ، أن رجلا من الأنصار كان يصلي في حائط له بالقف في زمن الثمر ، والنخل قد ذللت ، وهي مطوقة بثمرها ، فنظر إلى ذلك فأعجبه ما رأى من ثمرها ، ثم رجع إلى الصلاة ، فإذا هو لا يدري كم صلى ، فقال : لقد أصابتني في مالي هذا فتنة ، فأتى عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فذكر ذلك له ، فقال له : إنه صدقة ، فاجعله في سبيل الخير ؛ فباعه عثمان بخمسين ألفا فكان اسم ذلك : المال الخمسين . و الخميصة : كساء رفيع يلبسه أشراف العرب ، وقد يكون له علم ، وقد لا يكون ، وقد يكون أبيض وأحمر وأسود وأصفر . و الأنبجاني : كساء غليظ بغير علم : ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره .
وقال الخطابي : الخميصة : كساء أسود ، والأنبجانية : كساء له زئبر . وقال أبو عبيد : الخمائص : ثياب من خز أو صوف معلم ، وهي سود ، كانت من لباس الناس . وإنما خص بها أبا جهم بن حذيفة ؛ لأنه كان أهداها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فردها إليه ، وطلب منه عوضا عنها كساء له غليظا ؛ تطييبا لقلبه ، حتى لا يحصل له انكسار برد هديته عليه ، ولذلك أعلمه بسبب الرد .
وفيه : تحذير له من أن يشتغل بها أو بغيرها عن صلاته . هذا هو الذي ذكره ابن عبد البر . ويدل على ذلك : ما خرجه مالك في الموطأ عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه ، عن عائشة ، قالت : أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة شامية لها علم ، فشهد فيها الصلاة ، فلما انصرف قال : ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم ؛ فإني نظرت إلى علمها في الصلاة ، فكاد يفتنني .
وخرجه الإمام أحمد من طريق مالك . ولفظ : الفتنة إنما يعرف في هذا الحديث من هذا الوجه ، فأما من رواية هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، - كما علقه البخاري - فغير معروف . وقد روي عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة هذا الحديث ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فإني كنت إذا رأيت علمها ذكرت الدنيا .
وروى نعيم بن حماد ، عن ابن عيينة : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكره الخميصة في نفسها ، وإنما أخرجها عن ملكه لما كانت سبب شغله عن صلاته ؛ كما أخرج أبو طلحة ماله الذي ألهاه عن صلاته . وهذا يؤيد ما ذكرناه من قبل . واعلم أن الصلاة في الثوب الحسن غير مكروه ، إلا أن يخشى منه الالتهاء عن الصلاة أو حدوث الكبر ، وقد كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم ، يقوم بها الليل ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يلبس حللا من حلل اليمن ، وبرودا حسنة ، ولم ينقل عنه أنه كان يتجنب الصلاة فيها ، وإنما ترك هذه الخميصة لما وقع له من تلك النظرة إلى علمها ، وقد قال الله عز وجل : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وسبق قول ابن عمر : الله أحق أن يتزين له .
وخرج أبو داود في مراسيله من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة - مما تعجبه : الثياب النقية والريح الطيبة . ولم يزل علماء السلف يلبسون الثياب الحسنة ، ولا يعدون ذلك كبرًا . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا ؟ فقال : ليس ذلك من الكبر ، إن الله جميل يحب الجمال .
وقال جرير بن حازم : رأيت على الحسن طيلسانًا كرديا حسنًا ، وخميصة أصبهانية جيدة ، ذات أعلام خضر وحمر ، أزرتها من إبريسم ، وكان يرتدي ببرد له يمان أسود مصلب ، وبرد عدني وقباء من برد حبرة ، وعمامة سوداء . وقال حرب : سألت إسحاق عن الصلاة في المنديل ، وأريته منديلًا له أعلام خضر وخطوط ؟ فقال : جائز .