باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته
باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته ؟ وما ينهى من ذلك خرج فيه : 374 - حديث : عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أميطي عنا قرامك هذا ؛ فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي . القرام : قيل : إنه ثوب من صوف ، فيه ألوان من العهون ، ويتخذ سترا ، أو كلة . وقال الخطابي : هو ستر رقيق .
قال : ويشبه أن تكون عائشة سترت به موضعا كان عورة من بيتها ؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ستر الجدر . قلت : حديث النهي عن ستر الجدر إسناده ضعيف . ولكن خرج مسلم من حديث عائشة ، أنها أخذت نمطا فسترته على الباب ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم رأى النمط ، فعرفت الكراهة في وجهه ، فجذبه حتى هتكه أو قطعه ، وقال : إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين .
وفي مسند الإمام أحمد ، عنها في هذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : أتسترين الجدر يا عائشة ؟ قالت : فطرحته ، فقطعته مرفقتين ، فقد رأيته متكئا على إحداهما ، وفيها صورة . وخرج مسلم من حديث عائشة ، قالت : كان في بيتي ثوب فيه تصاوير ، فجعلته إلى سهوة في البيت ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إليه ، ثم قال : يا عائشة أخريه عني ، فنزعته ، فجعلته وسائد . وفي الصحيحين ، عنها ، قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه ، وقال : أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله عز وجل .
قالت : فجعلناه وسادة أو وسادتين . وفي صحيح مسلم عنها ، قالت : كان لنا ستر فيه تمثال طائر ، وكان الداخل إذا دخل استقبله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حولي هذا ؛ فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا . فهذه ثلاث علل قد علل بها النبي صلى الله عليه وسلم كراهة الستر .
ويشهد للتعليل الثالث : حديث سعيد بن جمهان ، عن سفينة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت فاطمة ، فأخذ بعضادتي الباب ، وإذا قرام قد ضرب في ناحية البيت ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع ، فتبعه علي ، فقال : ما رجعك يا رسول الله ؟ قال : إنه ليس لي ولا لنبي أن يدخل بيتا مزوقا . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه . ويشبه هذا ما خرجه النسائي من حديث ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما ولبسه ، وقال : شغلني هذا عنكم اليوم ، له نظرة ولكم نظرة ، ثم ألقاه .
وخرج الترمذي في كتاب العلل بإسناد فيه ضعف ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل خاتمه في يمينه ، ثم إنه نظر إليه وهو يصلي ويده على فخذه ، فنزعه ولم يلبسه . وقد روي هذا الحديث عن طاوس مرسلا ، وفيه : أن هذا الخاتم كان من ذهب . وهذا إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله امتثالا لما أمره الله به ؛ أن لا يمد عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا ، فكان يتباعد عنها بكل وجه ، ولهذا قال : ما لي وللدنيا ، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ، ثم راح وتركها .
فكان حاله كله في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حال مسافر ، يقنع في مدة سفره بمثل زاد الراكب من الدنيا ، ولا يلتفت إلى فضولها الفانية الشاغلة عن الآخرة ، وخصوصا في حال عباداته ومناجاته لله ، ووقوفه بين يديه واشتغاله بذكره ، فإن ذلك كان هو قرة عينه . فكان [...] تلمح شيء من متاع الحياة الدنيا وزينتها الفانية في تلك الحال ؛ فإنه [...] ذلك الصفاء ، فلذلك كان تباعده عنه غاية المباعدة . وهذا هو المعنى المشار إليه بقوله : فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي .
وفيه : دليل على أن المصلي لا ينبغي أن يترك بين يديه ما يشغله النظر إليه عن صلاته . وفي سنن أبي داود ، عن عثمان بن طلحة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين ؛ فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي . وخرجه الإمام أحمد من حديث أم عثمان بنت سفيان ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في هذا الحديث : إنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يلهي المصلين .
والمراد بالقرنين : قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل عليه السلام ؛ فإنهما كانا في الكعبة إلى أن أحرقا عند حريق البيت في زمن ابن الزبير . وفي الحديث : دليل على جواز الصلاة في الكعبة . وقد نص أحمد على كراهة أن يكون في القبلة شيء معلق من مصحف أو غيره .
وروي عن النخعي ، قال : كانوا يكرهون ذلك . وعن مجاهد ، قال : لم يكن ابن عمر يدع شيئا بينه وبين القبلة إلا نزعه : سيفا ولا مصحفا . ونص أحمد على كراهة الكتابة في القبلة لهذا المعنى ، وكذا مذهب مالك .
وقد ذكر البخاري تعليقا عن عمر ، أنه أمر ببناء المسجد ، وقال : أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . ويستدل بحديث عائشة هذا على كراهة الصلاة إلى التصاوير المنصوبة ؛ فإن في ذلك مشابهة للنصارى وعباد الأصنام المصلين لها ، ولا يترك في المسجد صورة في بناء .
سئل الحسن عن ساجة في المسجد فيها تصاوير ؟ قال : أنجروه . وتكره الصلاة في الكنائس التي فيها صور عند كثير من العلماء ، وهو مروي عن عمر وابن عباس ، وقول مالك وأحمد وغيرهما . وأما الصلاة في ثوب فيه تصاوير ففيه قولان للعلماء ، بناء على أنه : هل يجوز لبس ذلك أم لا ؟ فرخص في لبسه جماعة ، منهم أحمد في رواية الشالنجي ، وكذلك قال أبو خيثمة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، واستدلوا بالحديث الذي جاء فيه : إلا رقما في ثوب .
وقد خرجه البخاري في كتاب : اللباس من حديث أبي طلحة . وخرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، والترمذي وصححه من حديث أبي أيوب وسهل بن حنيف ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وكان كثير من السلف يلبس خاتما عليه صورة حيوان منقوشة في فصه .
وقالت طائفة : يكره ذلك ، وهو قول مالك والثوري ، وطائفة من أصحابنا . وقالت طائفة : يحرم لبسه ، وهو رواية عن أحمد ، اختارها القاضي أبو يعلى وغيره . وروى وكيع في كتابه عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عمران بن حطان ، عن عائشة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى في ثوب تصاوير إلا نقضه .
وقد خرجه البخاري في كتابه هذا من طريق هشام ، عن يحيى ، ولفظه : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه . وظاهر تبويب البخاري يدل على كراهة الصلاة فيه استدلالا بقوله صلى الله عليه وسلم : لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي . ولكن هذا لا ينافي فيما فيه تصاوير في موضع لا يقع بصره عليه في الصلاة .
وصرح أصحابنا بكراهة استصحابه في الصلاة ، وسواء قلنا : يجوز لبسه أو لا . ومذهب مالك : أنه لا يلبس خاتم فيه تماثيل ، ولا يصلى به ، ويلبس ثوب فيه تصاوير . وأما الصلاة على بساط فيه تصاوير ، فرخص فيه أكثر العلماء ، ونص عليه أحمد وإسحاق ؛ لأنهم أجازوا استعمال ما يوطأ عليه من الصور .
وكره ذلك طائفة قليلة ، ومنهم : الجوزجاني ، وروى عن الزهري . وذكر ابن أبي عاصم في كتاب اللباس له : باب : من قال لا بأس بالصلاة على البساط إذا كان فيه الصور : حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم : ثنا روح بن عبادة : ثنا شعبة ، عن الشيباني ، عن عبد الله بن شداد ، عن ميمونة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة ، وفيها تصاوير . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث شعبة بدون هذه الزيادة .
وسيأتي بسط هذه المسائل في موضعها من الكتاب - إن شاء الله تعالى . وقد بوب البخاري في كتاب : اللباس على كراهة الصلاة في التصاوير ، وأعاد فيه حديث عائشة الذي خرجه هاهنا ، وظاهر ذلك يدل على أنه يكره الصلاة في ثوب فيه صورة ، وعلى بساط عليه صورة ؛ فإن ذلك كله يعرض للمصلي في صلاته . وبوب هناك - أيضا - على الرخصة فيما يوطأ من الصورة ، وعلى كراهة ذلك - أيضا - فأشار إلى الاختلاف فيه .