باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد
باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ، ويتخذ مكانها مساجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله اليهود ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وما يكره من الصلاة في القبور ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر ، فقال : القبر القبر ، ولم يأمره بالإعادة مقصود البخاري بهذا الباب : كراهة الصلاة بين القبور وإليها ، واستدل لذلك بأن اتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام ، بل من عمل اليهود ، وقد لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك . وقد خرج البخاري هذا الحديث فيما تقدم ، وسيأتي قريبا - إن شاء الله تعالى . وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث ، وهو قول الله عز وجل في قصة أصحاب الكهف : قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور ، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى ، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى .
وإذا كرهت الصلاة إلى القبور وبينها ، فإن كانت القبور محترمة اجتنبت الصلاة فيها ، وإن كانت غير محترمة كقبور مشركي الجاهلية ونحوهم ممن لا عهد له ولا ذمة مع المسلمين فإنه يجوز نبشها ونقل ما يوجد فيها من عظامهم ، والصلاة في موضعها ؛ فإنها لم تبق مقبرة ولا بقي فيها قبور ، وقد نص الإمام أحمد على ذلك في رواية المروذي . وأما ما ذكره عن عمر رضي الله عنه ، فمن رواية سفيان ، عن حميد ، عن أنس ، قال : رآني عمر وأنا أصلي إلى قبر ، فجعل يشير إلي : القبر القبر . ورواه إسماعيل بن جعفر عن حميد ، عن أنس ، حدثه أنه قام يصلي إلى قبر لا يشعر به ، فناداه عمر : القبر القبر .
قال : فظننت أنه يقول : القمر ، فرفعت رأسي ، فقال رجل : إنه يقول : القبر ، فتنحيت . وروي عن أنس ، عن عمر من وجوه أخر . وروى همام : ثنا قتادة ، أن أنسا مر على مقبرة وهم يبنون مسجدا ، فقال أنس : كان يكره أن يبنى مسجد في وسط القبور .
وقال أشعث : عن ابن سيرين : كانوا يكرهون الصلاة بين ظهراني القبور . خرج ذلك كله أبو بكر الأثرم . وقال : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - يسأل عن الصلاة في المقبرة ؟ فكره الصلاة في المقبرة .
فقيل له : المسجد يكون بين القبور ، أيصلى فيه ؟ فكره ذَلِكَ . قيل لَهُ : إنه مسجد وبينه وبين القبور حاجز ؟ فكره أن يصلى فيه الفرض ، ورخص أن يصلى فيه على الجنائز . وذكر حديث أبي مرثد الغنوي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تصلوا إلى القبور ، وقال : إسناد جيد .
وحديث أبي مرثد هذا : خرجه مسلم ، ولفظه : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تجلسوا على القبور ، ولا تصلوا إليها . وروي عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، إلا المقبرة والحمام . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان والحاكم وصححه .
وقد اختلف في إرساله ووصله بذكر أبي سعيد فيه ، ورجع كثير من الحفاظ إرساله : عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، ومنهم : الترمذي والدارقطني . وفي الباب أحاديث أخر ، قد استوفيناها في كتاب شرح الترمذي . وأما ما ذكره البخاري : أن عمر لم يأمر أنسا بالإعادة .
فقد اختلف في الصلاة في المقبرة : هل تجب إعادتها ، أم لا ؟ وأكثر العلماء على أنه لا تجب الإعادة بذلك ، وهو قول مالك ، والشافعي ، وأحمد في رواية عنه . والمشهور عن أحمد الذي عليه عامة أصحابه : أن عليه الإعادة ؛ لارتكاب النهي في الصلاة فيها . وهو قول أهل الظاهر - أو بعضهم - وجعلوا النهي هاهنا لمعنى يختص بالصلاة من جهة مكانها ، فهو كالنهي عن الصلاة المختص بها لزمانها كالصلاة في أوقات النهي ، وكالصيام المنهي عنه لأجل زمنه المختص به كصيام العيدين .
حتى إن من أصحابنا من قال : متى قلنا : النهي عن الصلاة في المقبرة والأعطان ونحوها للتحريم ، فلا ينبغي أن يكون في بطلان الصلاة فيها خلاف عن أحمد ، وإنما الخلاف عنه في عدم البطلان مبني على القول بأنه مكروه كراهة تنزيه . وأكثر العلماء على أن الكراهة في ذلك كراهة تنزيه ، ومنهم من رخص فيه . قال ابن المنذر : اختلفوا في الصلاة في المقبرة ، فروينا عن علي وابن عباس وعبد الله بن عمرو وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة فيها .
واختلف عن مالك فيه ، فحكى ابن القاسم عنه أنه قال : لا بأس به ، وحكى أبو مصعب عنه أنه قال : لا أحب ذلك . قال ابن المنذر : ونحن نكره من ذلك ما كرهه أهل العلم استدلالا بالثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ، ولا تتخذوها قبورا ، ففي هذا دليل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة . قلت : قد استدل البخاري بذلك - أيضا - وعقد له بابا مفردا ، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى .
قال ابن المنذر : وقد قال نافع مولى ابن عمر : صلينا على عائشة وأم سلمة وسط البقيع ، والإمام يومئذ أبو هريرة ، وحضر ذلك ابن عمر . قلت : صلاة الجنازة مستثناة من النهي عند الإمام أحمد وغيره ، وقد سبق قول أحمد في ذلك . وقال - أيضًا - : لا يصلي في مسجد بين المقابر إلا الجنائز ؛ لأن الجنائز هذه سنتها .
يشير إلى فعل الصحابة رضي الله عنهم . قال ابن المنذر : وروينا أن واثلة بن الأسقع كان يصلي في المقبرة ، غير أنه لا يستتر بقبر . قلت : لأنه هو روى عن أبي مرثد حديث النهي عن الصلاة إلى القبور ، فكان يخص النهي بحالة استقبال القبر خاصة .
قال ابن المنذر : وصلى الحسن البصري في المقابر . قلت : لعله صلى على جنازة ، فإنه روي عنه أنه أمر بهدم المساجد المبنية في المقابر . قال : وكره عمر بن الخطاب وأنس بن مالك الصلاة إلى المقابر .
انتهى ما ذكره . واختلف القائلون بالكراهة في علة النهي : فقال الشافعي : علة ذلك النجاسة ، فإن تراب المقابر يختلط بصديد الموتى ولحومهم ، فإن كانت طاهرة صحت الصلاة فيها مع الكراهة . وقسم أصحابه المقبرة إلى ثلاثة أقسام : ما تكرر نبشها ، فلا تصح الصلاة فيها ، لاختلاط ترابها بالصديد .
وجديدة لم تنبش ، فتصح الصلاة فيها مع الكراهة ؛ لأنها مدفن للنجاسة . وما شك في نبشها ، ففي صحة الصلاة فيها قولان . واختلف أصحابنا في علة النهي عن الصلاة ، فمنهم من قال : هو مظنة النجاسة ، ومنهم من قال : هو تعبد لا يعقل .
وقالوا مع هذا : لا فرق بين أن تكون قديمة أو حديثة ، نبشت أو لم تنبش ، إذا تناولها اسم مقبرة . قالوا : فإن كان في بقعة قبر أو قبران فلا بأس بالصلاة فيها ما لم يصل إلى القبر . وأنكر آخرون التعليل بالنجاسة ، بناء على طهارة تراب المقابر بالاستحالة ، وعللوا : بأن الصلاة في المقبرة وإلى القبور ، إنما نهى عنه سدا لذريعة الشرك ، فإن أصل الشرك وعبادة الأوثان كانت من تعظيم القبور ، وقد ذكر البخاري في صحيحه في تفسير سورة نوح عن ابن عباس معنى ذلك ، وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى .
وفي صحيح مسلم عن جندب ، سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول : إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك . وهذا يعم كل القبور . وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ، ومن يتخذ القبور مساجد .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج . وقال الترمذي : حسن - وفي بعض النسخ : صحيح . وخرج ابن حبان فِي صحيحه والحاكم وصححه .
واختلف في أبي صالح هذا ، من هو ؟ فقيل : إنه السمان - : قاله الطبراني ، وفيه بعد . وقيل : إنه ميزان البصري ، وهو ثقة ؛ قاله ابن حبان . وقيل : إنه باذان مولى أم هاني - : قاله الإمام أحمد والجمهور .
وقد اختلف في أمره : فوثقه العجلي . وقال ابن معين : ليس به بأس . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به .
وقال النسائي : ليس بثقة . وضعفه الإمام أحمد وقال : لم يصح عندي حديثه هذا . وقال مسلم في كتاب التفصيل : هذا الحديث ليس بثابت ، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه ، ولا يثبت له سماع من ابن عباس .
وروي عن زيد بن ثابت ، أنه نهى أن يبنى عند قبر أبيه مسجد . خرجه حرب الكرماني . وقال أبو بكر الأثرم في كتاب الناسخ والمنسوخ : إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب ؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد .
ووجدنا في كتاب مصنف على مذهب سفيان الثوري : وإذا صلى الرجل وبين يديه ميت تنحى عنه . إنما كره الصلاة إلى القبور من أجل الميت ، فإن صلى إليها فلا بأس . وفيه - أيضا - : قال سفيان : ويكره أن يصلي الرجل إلى القبور أو ما بين القبور .
ثم قال : ومن صلى إلى القبور فلا إعادة عليه . وفيه : قال : ولا تعجبني الصلاة على الجنازة في المقبرة . وهذا قول الشافعي وإسحاق ورواية عن أحمد ؛ لعموم النهي عن الصلاة في المقبرة .
واستدل من رخص في صلاة الجنازة في المقبرة : بأن الصلاة على القبر جائزة بالسنة الصحيحة ، فعلم أن الصلاة على الميت في القبور غير منهي عنها . خرج البخاري في هذا الباب حديثين :