باب الصلاة في موضع الخسف والعذاب
ثنا إسماعيل بن عبد الله : حدثني مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين ، إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم ، لا يصيبكم ما أصابهم هذا الحديث : نص في المنع من الدخول على مواضع العذاب ، إلا على أكمل حالات الخشوع والاعتبار ، وهو البكاء من خشية الله وخوف عقابه الذي نزل بمن كان في تلك البقعة ، وأن الدخول على غير هذا الوجه يخشى منه إصابة العذاب الذي أصابهم . وفي هذا تحذير من الغفلة عن تدبر الآيات فمن رأى ما حل بالعصاة ولم يتنبه بذلك من غفلته ، ولم يتفكر في حالهم ، ويعتبر بهم فليحذر من حلول العقوبة به ، فإنها إنما حلت بالعصاة لغفلتهم عن التدبر وإهمالهم اليقظة والتذكر . وهذا يدل على أنه لا يجوز السكنى بمثل هذه الأرض ، ولا الإقامة بها ، وقد صرح بذلك طائفة من العلماء ، منهم : الخطابي وغيره ، ونص عليه أحمد .
قال مهنا : سألت أحمد عمن نزل الحجر : أيشرب من مائها ويعجن به ؟ قال : لا ، إلا لضرورة ، ولا يقيم بها . وعلى هذا : فيتوجه أن من صلى بها لغير ضرورة ، ولم يكن في صلاته على حالة الخشوع والخشية التي رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الدخول عليها أن لا تصح صلاته ، على قياس قول من قال : إن الصلاة في المقبرة وأعطان الإبل لا تصح ، إلا أن يفرق : بأن النهي هنا عن الدخول لا يخص الصلاة ، بخلاف النهي عن الصلاة في المقبرة والأعطان ، فيتخرج حينئذ الصلاة فيها على الصلاة في الأرض المغصوبة ، كما سبق ذكره . وأحمد - في رواية - مع جماعة من أهل الظاهر : يوجبون الإعادة على من صلى في أرض غصب ، وكذلك إسحاق - في رواية عنه - إذا كان عالما بالنهي .
وأما الوضوء من مائها : فقد صرح طائفة من الظاهرية بأنه لا يصح ، ويتخرج على قواعد الإمام أحمد وأصحابه على الخلاف عندهم في الوضوء بالماء المغصوب . وقد ورد النهي عن الوضوء بخصوصه في حديث خرجه الطبراني في أوسطه من رواية ابن إسحاق : حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر واستقى الناس من بئرها ، ثم راح فيها ، فلما استقل أمر الناس ألا يشربوا من مائها ، ولا يتوضئوا منه ، وما كان من عجين عجن بشيء من مائها أن يعلف به ، ففعل الناس . وروى يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن العباس بن سهل بن سعد - أو عن العباس بن سعد - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها ، فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس : لا تشربوا من مائها شيئا ، ولا تتوضئوا منه للصلاة ، وما كان من عجين عجنتم به فاعلفوه الإبل ، ولا تأكلوا منه شيئا .
وهذا مرسل . وقد خرج البخاري حديث ابن عمر هذا في قصص الأنبياء من كتابه هذا من حديث عبد الله بن دينار ونافع وسالم ، عن ابن عمر . وفي رواية عبد الله ونافع : أنهم نزلوا الحجر .
وفي حديث سالم : أنه مر بالحجر وتقنع بردائه ، وهو على الرحل . وخرج مسلم حديث سالم ، وفيه : ثم زجر فأسرع حتى خلفها . وحمل أبو الحسين ابن المنادي من متقدمي أصحابنا النهي عن دخولها وعن شرب مائها على الكراهة دون التحريم .
والله أعلم .