باب رفع الصوت في المسجد
باب رفع الصوت في المسجد خرج فيه حديثين : الحديث الأول : موقوف : 470 - ثنا علي ابن المديني : ثنا يحيى بن سعيد القطان : ثنا الجعيد بن عبد الرحمن : ثنا يزيد بن خصيفة ، عن السائب بن يزيد ، قال : كنت قائما في المسجد ، فحصبني رجل ، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ، فقال : اذهب فأتني بهذين . قال : فجئته بهما ، فقال : من أنتما - ومن أين أنتما ؟ - قالا : من أهل الطائف . قال : لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ! إنما فرق عمر بين أهل المدينة وغيرها في هذا ؛ لأن أهل المدينة لا يخفى عليهم حرمة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ، بخلاف من لم يكن من أهلها ؛ فإنه قد يخفى عليه مثل هذا القدر من احترام المسجد ، فعفى عنه بجهله .
ولعل البخاري يرى هذا القبيل من المسند - أعني : إذا أخبر الصحابي عن شهرة أمر وتقريره ، وأنه مما لا يخفى على أهل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك يكون كرفعه . ويشبه هذا : ما قال الفقهاء : أن من ارتكب حدا كالزنا ونحوه ممن نشأ في بادية بعيدة عن الإسلام ، وادعى الجهل بتحريمه ، فإنه لا يقام عليه ويعذر بذلك ، بخلاف من نشأ ببلاد الإسلام . وفيه : أن التنبيه في المسجد بالحصب بالحصى جائز ، وقد كان ابن عمر إذا رأى من يصلي ولا يرفع يديه حصبه بالحصى .
وكذلك إذا رأى من يتكلم والإمام يخطب . وفي هذه الرواية : كنت قائما في المسجد ، كذا هو في كثير من نسخ صحيح البخاري ، وقد خرجه البيهقي في سننه ، وقرأته بخطه من رواية أبي خليفة ، عن علي ابن المديني ، وفيه : كنت نائما بالنون . وقد خرجه الإسماعيلي في مسند عمر من طرق ، وعنده : أنه قال : كنت مضطجعا وهذه صريحة في النوم ، ولم ينكر عليه عمر نومه في المسجد .
وخرجه الإسماعيلي - أيضا - من رواية حاتم - هو : ابن إسماعيل - عن الجعيد ، عن السائب - لم يذكر بينهما : يزيد بن خصيفة . وأشار إلى ترجيح هذه الرواية على رواية القطان وفي قوله نظر . والجعيد - ويقال : الجعد - بن عبد الرحمن بن أوس ، وينسب تارة إلى جده .
وقد وقع في بعض روايات هذا الحديث تسميه : الجعد ، وفي بعضها تسميته : الجعد بن أوس ، وهو رجل واحد ، فلا يتوهمن غير ذلك . وقد روي هذا عن عمر من وجه آخر : خرجه الإسماعيلي في مسند عمر من طريق عبدة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، أن رجلا من ثقيف أخبره ، أن عمر بن الخطاب سمع ضحك رجل في المسجد ، فأرسل إليه ، فدعاه ، فقال : ممن أنت ؟ فقال : أنا رجل من أهل الطائف ، فقال : أما إنك لو كنت من أهل البلد لنكلت بك ، إن مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت . وقد روي في حديث واثلة المرفوع : جنبوا مساجدكم خصوماتكم ورفع أصواتكم .
خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف جدا . وروي عن ابن مسعود ، أنه كان يكره أن ترفع الأصوات في المسجد . وقد سبق .
ورفع الأصوات في المسجد على وجهين : أحدهما : أن يكون بذكر الله وقراءة القرآن والمواعظ وتعليم العلم وتعلمه ، فما كان من ذلك لحاجة عموم أهل المسجد إليه ، مثل الأذان والإقامة وقراءة الإمام في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة ، فهذا كله حسن مأمور به . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب علا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش ، يقول : صبحكم ومساكم ، وكان إذا قرأ في الصلاة بالناس تسمع قراءته خارج المسجد ، وكان بلال يؤذن بين يديه ويقيم في يوم الجمعة في المسجد . وقد كره بعض علماء المالكية في مسجد المدينة خاصة لمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيد في رفع صوته في الخطب والمواعظ على حاجة إسماع الحاضرين ، تأدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حاضر يسمع ذلك ، فيلزم التأدب معه ، كما لو كان حيا .
وما لا حاجة إلى الجهر فيه ، فإن كان فيه أذى لغيره ممن يشتغل بالطاعات كمن يصلي لنفسه ويجهر بقراءته ، حتى يغلط من يقرأ إلى جانبه أن يصلي ، فإنه منهي عنه . وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة على أصحابه وهم يصلون في المسجد ويجهرون بالقراءة ، فقال : كلكم يناجي ربه ، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن . وفي رواية : فلا يؤذ بعضكم بعضا ، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد . وكذلك رفع الصوت بالعلم زائدا على الحاجة مكروه عند أكثر العلماء ، وقد سبق ذكره مستوفى في أوائل كتاب : العلم في باب : رفع الصوت بالعلم . الوجه الثاني : رفع الصوت بالاختصام ونحوه من أمور الدنيا ، فهذا هو الذي نهى عنه عمر وغيره من الصحابة .
ويشبهه : إنشاد الضالة في المسجد ، وفي صحيح مسلم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم كراهته والزجر عنه ، من رواية أبي هريرة وبريدة . وأشد منه كراهة : رفع الصوت بالخصام بالباطل في أمور الدين ؛ فإن الله ذم الجدال في الله بغير علم ، والجدال بالباطل ، فإذا وقع ذلك في المسجد ورفعت الأصوات به تضاعف قبحه وتحريمه . وقد كره مالك رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره .
ورخص أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك في رفع الصوت في المسجد بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس ؛ لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه . وهذا مبني على جواز القضاء في المساجد . وقد سبق ذكره .