باب مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
باب ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾قال تعالى : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾. فأمره بإقامة وجهه ، وهو إخلاص قصده وعزمه وهمه للدين الحنيف ، وهو الدين القيم ، وهو فطرة الله التي فطر العباد عليها ، فإن الله ركب في قلوب عباده كلهم قبول توحيده والإخلاص له ، وإنما يغيرهم عن ذلك تعليم من علمهم الخروج عنه . ولما كان الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - لم تدخل فيه أمته معه ، قال بعد ذلك : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ فجعل ذلك حالا له ولأمته ، وهو إنابتهم إليه ، ويعني به : رجوعهم إليه ، وأمرهم بتقواه ، والتقوى تتضمن فعل جميع الطاعات وترك المعاصي والمخالفات .
وخص من ذلك إقام الصلاة ، فلم يذكر من أعمال الجوارح باسمه الخاص سواها ، والمراد بإقامتها : الإتيان بها قائمة على وجهها التام ، وفي ذلك دليل على شرف الصلاة وفضلها ، وأنها أهم أعمال الجوارح . ومن جملة إقامتها المأمور به : المحافظة على مواقيتها ، فمن صلى الصلاة لغير مواقيتها التي وقتها الله فلم يقم الصلاة ، بل ضيعها وفرط فيها وسها عنها . قال ابن عباس في قوله تعالى : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ قال : يقيمون الصلاة بفرضها .
وقال قتادة : إقامة الصلاة : المحافظة على مواقيتها ووضوئها ، وركوعها وسجودها . وقال مقاتل بن حيان : إقامتها : المحافظة على مواقيتها ، وإسباغ الطهور فيها ، وتمام ركوعها وسجودها ، وتلاوة القرآن فيها ، والتشهد ، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا إقامتها . خرجه كله ابن أبي حاتم .
ولهذا مدح سبحانه ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾و ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾وقد فسره ابن مسعود وغيره بالمحافظة على مواقيتها ، وفسره بذلك مسروق والنخعي وغيرهما . وقيل لابن مسعود : إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن : ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾و ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾؟ قال : ذاك على مواقيتها . قيل له : ما كنا نرى ذلك إلا على تركها ، قال : تركها الكفر .
خرجه ابن أبي حاتم ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما . وكذلك فسر سعد بن أبي وقاص ومسروق وغيرهما السهو عن الصلاة بالسهو عن مواقيتها . وروي عن سعد مرفوعا ، والموقوف أصح .
قال البخاري - رحمه الله - : 523 - نا قتيبة بن سعيد : نا عباد - هو : ابن عباد - ، عن أبي جمرة ، عن ابن عباس ، قال : قدم وفد عبد القيس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : إنا هذا الحي من ربيعة ، ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام ، فمرنا بشيء نأخذه عنك ، وندعو إليه من وراءنا . فقال : ( آمركم بأربع ، وأنهاكم عن أربع : الإيمان بالله ) ، ثم فسرها لهم : ( شهادة أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وأن تؤدوا إلي خمس ما غنمتم ، وأنهى عن الدباء والحنتم والنقير والمقير ) . قد تقدم هذا الحديث في كتاب : الإيمان و كتاب : العلم خرجه البخاري فيهما من حديث شعبة ، عن أبي جمرة ، وذكرنا شرحه في الموضعين المذكورين .
والمقصود منه هاهنا : أمره لهم بإقام الصلاة ، وقد ذكرنا هاهنا تفسير إقام الصلاة ، وأن من جملته المحافظة على مواقيتها . وخرج أبو داود من حديث عبادة بن الصامت ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( خمس صلوات افترضهن الله ، من أحسن وضوءهن ، وصلاهن لوقتهن ، وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه ) . وخرج ابن ماجه من حديث [أبي] قتادة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قال الله تعالى : افترضت على أمتك خمس صلوات ، وعهدت عندي عهدا : أنه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة ، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي ) .
وخرج الإمام أحمد من حديث كعب بن عجرة : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( قال ربكم : من صلى الصلاة لوقتها ، وحافظ عليها ولم يضيعها استخفافا بحقها ، فله علي عهد أن أدخله الجنة ، ومن لم يصلها لوقتها ، ولم يحافظ عليها وضيعها استخفافا بحقها ، فلا عهد له ، إن شئت عذبته ، وإن شئت غفرت له ) . ومن حديث حنظلة الكاتب ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من حافظ على الصلوات الخمس بركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن ، وعلم أنهن حق من عند الله عز وجل دخل الجنة ) - أو قال : ( وجبت له الجنة ) - ، وفي رواية قال : ( حرم على النار ) . وروى محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح عن ابن سيرين ، قال : نبئت أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - كانا يعلمان الناس الإسلام : تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة التي افترض الله لمواقيتها ، فإن في تفريطها الهلكة .