باب وقت الفجر
باب وقت الفجر صلاة الفجر تسمى صلاة الفجر ؛ قال تعالى : مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وقال : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وتسمى صلاة الصبح ، والأحاديث بذلك كثيرة . قال الشافعي : ولا أحب أن تسمى صلاة الغداة ، وكرهه بعض أصحابه ، ولا دليل لقوله ، والأحاديث تدل على خلافه ، وقد سبق حديث جابر : ( والصبح كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس ) ، وحديث أبي برزة ، ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة ) ، وهذا يدل على شدة التغليس بها . وخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 575 - حدثنا عمرو بن عاصم : ثنا همام ، عن قتادة ، عن أنس ، أن زيد بن ثابت حدثه ، أنهم تسحروا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قاموا إلى الصلاة .
قلت : كم كان بينهما ؟ قال : قدر خمسين أو ستين - يعني : آية . 576 - حدثنا الحسن بن الصباح : سمع روح بن عبادة : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزيد بن ثابت تسحرا ، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فصليا . قلت لأنس : كم بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة ؟ قال : قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية .
مقصود البخاري : تبيين الاختلاف في إسناد هذا الحديث على قتادة ، فهمام جعله عن قتادة عن أنس عن زيد بن ثابت ، وسعيد بن أبي عروبة جعله عن قتادة عن أنس من مسنده . وقد خرجه البخاري في ( الصيام ) من حديث هشام الدستوائي ، عن قتادة ومسلم من رواية هشام وهمام وعمر بن عامر ، كلهم عن قتادة ، عن أنس ، عن زيد . وفي رواية البخاري : ( كم بين الأذان والسحور ؟ قال : قدر خمسين آية ) .
وقال عفان وبهز بن أسد ، عن همام في حديثه : قلت لزيد : كم بين ذلك ؟ فصرح بأن المسئول زيد . وقد خرجه عنهما الإمام أحمد . وكذا رواه خالد بن الحارث ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس عن زيد ، وقال في حديثه : ( أنس القائل : كم كان بينهما ) .
فخالف خالد سائر أصحاب سعيد في ذكره زيدا في الإسناد . وقد خرجه الإسماعيلي في ( صحيحه ) ، وقال : يحتمل أن يكون أنس سأل زيدا فأخبره ، وأن يكون قتادة أو غيره سأل أنسا فأرسل له قدر ما كان بينهما ، كما أرسل أصل الخبر ، ولم يقل : عن زيد . وهذا يدل على أن الصواب عنده : أن الحديث عن أنس ، عن زيد ، فهو من مسند زيد ، لا من مسند أنس .
ورواه معمر ، عن قتادة كما رواه سعيد ، جعله من مسند أنس . خرجه النسائي من طريقه . ولفظ حديثه : عن أنس ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك عند السحر - : ( يا أنس ، إني أريد الصيام ، أطعمني شيئا ) ، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء ، وذلك بعدما أذن بلال .
قال : ( يا أنس ، انظر رجلا يأكل معي ) ، فدعوت زيد بن ثابت ، فجاءه ، فقال : ( إني شربت شربة من سويق ، وأنا أريد الصيام . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( وأنا أريد الصيام ) ، فتسحر معه ، ثم قام فصلى ركعتين ، ثم خرج إلى الصلاة . ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : الاستدلال به على تغليس النبي - صلى الله عليه وسلم - بصلاة الفجر ؛ فإنه تسحر ثم قام إلى الصلاة ، ولم يكن بينهما إلا قدر خمسين آية .
وأكثر الروايات تدل على أن ذلك قدر ما بين السحور والصلاة . وفي رواية البخاري المخرجة في ( الصيام ) : أن ذلك قدر ما بين [الأذان و] السحور . وهذه صريحة بأن السحور كان بعد أذان بلال بمدة قراءة خمسين آية .
وفي رواية معمر : أنه لم يكن بين سحوره وصلاة الفجر سوى ركعتي الفجر ، والخروج إلى المسجد . وهذا مما يستدل به على أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى يومئذ الصبح حين بزغ الفجر . وقد روى حذيفة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو حديث زيد ، لكنه استدل به على تأخير السحور ، وأنه كان بعد الفجر .
فروى عاصم ، عن زر بن حبيش ، قال : تسحرت ، ثم انطلقت إلى المسجد ، فمررت بمنزل حذيفة بن اليمان ، فدخلت عليه ، فأمر بلقحة فحلبت وبقدر فسخنت ، ثم قال : ادن فكل . فقلت : إني أريد الصوم . فقال : وأنا أريد الصوم ، فأكلنا وشربنا ، وأتينا المسجد ، فأقيمت الصلاة ، فقال حذيفة : هكذا فعل بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
قلت : أبعد الصبح ؟ قال : نعم ، هو الصبح غير أن لم تطلع الشمس . خرجه الإمام أحمد . وخرج منه النسائي وابن ماجه : أن حذيفة قال : تسحرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع .
وقد روي من غير وجه ، عن حذيفة . قال الجوزجاني : هو حديث أعيا أهل العلم معرفته . وقد حمل طائفة من الكوفيين ، منهم : النخعي وغيره هذا الحديث على جواز السحور بعد طلوع الفجر في السماء ، حتى ينتشر الضوء على وجه الأرض .
وروي عن ابن عباس وغيره : حتى ينتشر الضوء على رءوس الجبال . ومن حكى عنهم ، أنهم استباحوا الأكل حتى تطلع الشمس فقد أخطأ . وادعى طائفة : أن حديث حذيفة كان في أول الإسلام ونسخ .
ومن المتأخرين من حمل حديث حذيفة على أنه يجوز الأكل في نهار الصيام حتى يتحقق طلوع الفجر ، ولا يكتفي بغلبة الظن بطلوعه . وقد نص على ذلك أحمد وغيره ؛ فإن تحريم الأكل معلق بتبين الفجر ، وقد قال علي بعد صلاته للفجر : الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر . وأنه يجوز الدخول في صلاة الفجر بغلبة ظن طلوع الفجر كما هو قول أكثر العلماء على ما سبق ذكره .
وعلى هذا ، فيجوز السحور في وقت تجوز فيه صلاة الفجر ، إذا غلب على الظن طلوع الفجر ، ولم يتيقن ذلك . وإذا حملنا حديث حذيفة على هذا ، وأنهم أكلوا مع عدم تيقن طلوع الفجر ، فيكون دخولهم في الصلاة عند تيقن طلوعه والله أعلم . ونقل حنبل عن أحمد ، قال : إذا نور الفجر وتبين طلوعه حلت الصلاة ، وحرم الطعام والشراب على الصائم .
وهذا يدل على تلازمهما ، ولعله يرجع إلى أنه لا يجوز الدخول في الصلاة إلا بعد تيقن دخول الوقت . وقد روي عن ابن عباس وغيره من السلف تلازم وقت صلاة الفجر وتحريم الطعام على الصائم . وروي في حديث ابن عباس المرفوع ، أن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول حين حرم الطعام على الصائم .
وقد خرج البخاري في ( الحج ) حديث ابن مسعود ، أنه قال بالمزدلفة حين طلع الفجر : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم . وفي رواية له : أنه صلى الفجر حين طلع الفجر ، قائل يقول : قد طلع الفجر ، وقائل يقول : لم يطلع الفجر ، ثم قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء فلا يقدم الناس جمعا حتى يعتموا ، وصلاة الفجر هذه الساعة ) . وهذا كله يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن عادته أنه يصلي الفجر ساعة بزوغ الفجر ، وإنما فعل ذلك بمزدلفة يوم النحر .
والله أعلم .