باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس
حدثنا محمد بن سلام : ثنا عبدة ، عن عبيد الله ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاتين : بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب . وهذا الحديث سبق في الباب الماضي بأتم من هذا السياق . ومقصود البخاري بهذا : ذكر الوقتين الضيقين المنهي عن الصلاة فيهما ، وهما : عند غروب الشمس ، وعند طلوعها .
ومقصوده بالباب الذي قبله : ذكر الوقتين المتسعين ، وهما : بعد الفجر ، وبعد العصر . فهذه أربعة أوقات : الوقت الأول : أوله : طلوع الفجر عند جمهور العلماء ، ومنهم من قال : الانصراف من صلاة الفجر . وقد سبق ذكر هذا الاختلاف في الباب الماضي .
وآخره : أخذ الشمس في الطلوع . والوقت الثاني : أوله : أخذ الشمس في الطلوع ، وهو بدو حاجبها ، كما في حديث ابن عمر . وآخره : أن ترتفع الشمس ، كما في حديث ابن عمر وأبي سعيد وغيرهما .
وجاء من حديث ابن مسعود - مرفوعا - : ( حتى ترتفع وتبيض ) . خرجه الهيثم بن كليب بإسناد فيه انقطاع . وجاء في حديث كعب بن مرة - أو مرة بن كعب - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( حتى ترتفع قيد رمح أو رمحين ) .
خرجه الإمام أحمد . وفي إسناده اختلاف . وخرجه الإسماعيلي من حديث عمر بن الخطاب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد حديثه الذي خرجه البخاري هاهنا ، ولكن متنه بهذا الإسناد منكر غير معروف .
وفي ( مسند الإمام أحمد ) عن سعيد بن نافع ، قال : رآني أبو بشير الأنصاري صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصلي صلاة الضحى حين طلعت الشمس ، فعاب ذلك علي ، ونهاني ، وقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تصلوا حتى ترتفع الشمس ؛ فإنها تطلع في قرني الشيطان ) . وسعيد بن نافع ، روى عن جماعة من الصحابة ، وذكره ابن حبان في ( ثقاته ) . وخرج النسائي من حديث عبد الرحمن بن البيلماني ، عن عمرو بن عبسة ، أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : هل من ساعة أقرب من الله ؟ قال : ( نعم ؛ جوف الليل الآخر ، فصل ما بدا لك حتى تصلي الصبح ، ثم انته حتى تطلع الشمس ، فما دامت كأنها جحفة حتى تنتشر ، ثم صل ما بدا لك ) - وذكر الحديث .
وخرجه - أيضا - من حديث أبي أمامة الباهلي ، عن عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه : قال : ( فدع الصلاة حتى ترتفع قيد رمح ، ويذهب شعاعها ) . وخرجه أبو داود ، وعنده : ( ثم أقصر حتى تطلع الشمس قيد رمح - أو رمحين ) . وقال سفيان ، عن هشام ، عن ابن سيرين : تحرم الصلاة إذا طلعت الشمس حتى تكون قيد نخلة ، وتحرم إذا تغيرت حتى تغرب .
والوقت الثالث : أوله : إذا فرغ المصلي من صلاة العصر . وآخره : دخول الوقت الرابع . والوقت الرابع : آخره : تكامل غروب الشمس بغير خلاف .
ولم يرد ما يخالف هذا إلا حديث : ( لا صلاة بعدها - يعني : العصر - حتى يطلع الشاهد ) ، وهو النجم . وقد سبق ذكره ، وأن من الفقهاء من تعلق به في قوله بكراهة التنفل قبل صلاة المغرب ، وهو قول أبي حنيفة وغيره . وقال إسحاق : صلاة الركعتين قبل المغرب رخصة ، فلا يزاد حينئذ على ركعتين وليست بسنة ، نقله عنه ابن منصور .
ويكون عنده ما بعد غروب الشمس وقبل صلاة المغرب ، كما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح ، لا يزاد فيه على ركعتين . وأما أوله : ففيه قولان : أحدهما : أنه أخذ الشمس في الغروب حتى تتكامل ؛ لحديث ابن عمر : ( إذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب ) . وهذا قول الحنفية ، وأكثر أصحابنا وغيرهم .
والثاني : أوله : إذا اصفرت الشمس ، وقد تقدم عن ابن سيرين ، وحكي عن مالك والشافعي وإسحاق ، وحكاه ابن المنذر عن أهل الرأي ، ورجحه بعض أصحابنا ، ومنهم من حكاهما روايتين عن أحمد . ورأى شريح رجلا يصلي حين اصفارت الشمس ، فقال : انهوه أن يصلي ؛ فإن هذه ساعة لا تحل فيها الصلاة . وتبويب البخاري هاهنا يشهد لهذا القول ، ولكنه لم يستشهد له إلا بالنهي عن الصلاة بعد العصر ، وفيه نظر ؛ فإنه يجعل الوقتين وقتا واحدا .
وإنما يستدل له بحديث عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الصلاة حين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب . خرجه مسلم . ومعنى : تضيف للغروب : تميل إليه .
وفي رواية للإمام أحمد من حديث كعب بن مرة - أو مرة بن كعب - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال بعد زوال الشمس : ( ثم الصلاة مقبولة حتى تكون الشمس قيد رمح - أو رمحين - ولا صلاة حتى تغرب الشمس ) . وخرج - أيضا - من حديث عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا تدلت الشمس للغروب فأقصر عن الصلاة حتى تغيب الشمس ) . وسنذكره بتمامه فيما بعد إن شاء الله تعالى .
فأما الوقتان الضيقان عند طلوع الشمس وغروبها ، فجمهور العلماء على النهي عن التنفل بالصلاة فيهما ، وقد حكاه غير واحد إجماعا ، ولكن روي عن ابن الزبير ، أنه كان يصلي عند غروب الشمس . فخرج النسائي من طريق عمران بن حدير ، قال : سألت أبا مجلز عن الركعتين عند غروب الشمس ؟ فقال : كان عبد الله بن الزبير يصليهما ، فأرسل إليه معاوية : ما هاتان الركعتان عند غروب الشمس ، فاضطر الحديث إلى أم سلمة ، فقالت أم سلمة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين قبل العصر ، فشغل عنهما فركعهما حين غابت الشمس ، ولم أره يصليهما قبل ولا بعد . وروى محمد بن حيي بن يعلى بن أمية ، عن أبيه ، قال : رأيت يعلى بن أمية صلى قبل أن تطلع الشمس ، فقيل له : أنت رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصلي قبل أن تطلع الشمس ؟ قال يعلى : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إن الشمس تطلع بين قرني شيطان ، فلأن تطلع وأنت في أمر الله خير من أن تطلع وأنت لاه ) .
خرجه الإمام أحمد . ومحمد بن حيي بن يعلى بن أمية ، قال ابن المديني : هو مجهول . قال : وأبوه معروف ، قد روي عنه .
مع أن يعلى إنما كانت صلاته قبل طلوع الشمس ، لكن تعليله يقتضي عدم كراهة الصلاة عند طلوعها . وأما الوقتان المتسعان ، وهما : بعد الفجر ، وبعد العصر ، فاختلف العلماء : فمنهم من قال : لا بأس بالصلاة فيهما ، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة : منهم : ابن عمر . وقد خرج البخاري قوله في الباب الآتي .
ومنهم : عائشة . ففي ( صحيح مسلم ) عن طاوس ، قال : قالت عائشة : وهم عمر ، إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها . ومعنى قولها : وهم عمر - أي : فيما روى من النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر .
وفي ( صحيح ابن حبان ) من رواية شعبة ، عن المقدام بن شريح ، عن أبيه ، قال : سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر ، فقالت : صل ؛ إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة إذا طلعت الشمس ، وإذا غربت الشمس . ومنهم : بلال . روى قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن بلال ، قال : لم يكن ينهى عن الصلاة إلا عند طلوع الشمس ، فإنها تطلع بين قرني الشيطان .
وخرجه الإمام أحمد . وخرجه ابن أبي شيبة ، وعنده : ( عند غروب الشمس ) . والظاهر : استواء الطلوع والغروب ، ولا يعلم عن أحد التفريق بينهما .
واختار ابن المنذر أن أوقات النهي ثلاثة : وقت الطلوع ، ووقت الغروب ، ووقت الزوال خاصة . وممن رخص في الصلاة بعد العصر والشمس مرتفعة : علي بن أبي طالب ، والزبير ، وتميم الداري ، وأبو أيوب ، وأبو موسى ، وزيد بن خالد الجهني ، وابن الزبير ، والنعمان بن بشير ، وأم سلمة - رضي الله عنهم . ومن التابعين : الأسود ، ومسروق ، وشريح ، وعمرو بن ميمون ، وعبد الرحمن بن الأسود ، وعبيدة ، والأحنف بن قيس ، وطاوس .
وحكاه ابن عبد البر ، عن عطاء ، وابن جريج ، وعمرو بن دينار . قال : وروي عن ابن مسعود نحوه . ولم يعلم عن أحد منهم الرخصة بعد صلاة الصبح .
وهو قول داود ، فيما حكاه ابن عبد البر . وحكي رواية عن أحمد : قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي : سألت أحمد : هل ترى بأسا أن يصلي الرجل تطوعا بعد العصر والشمس بيضاء مرتفعة ؟ قال : لا نفعله ، ولا نعيب فاعله . قال : وبه قال أبو حنيفة .
وهذا لا يدل على أن أحمد رأى جوازه ، بل رأى أن من فعله متأولا ، أو مقلدا لمن تأوله لا ينكر عليه ، ولا يعاب قوله ؛ لأن ذلك من موارد الاجتهاد السائغ . ومما استدل به من ذهب إلى ذلك : ما رواه هلال بن يساف ، عن وهب بن الأجدع ، عن علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تصلوا بعد العصر ، إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود .
والنسائي ، وعنده : ( إلا أن تكون الشمس بيضاء نقية مرتفعة ) . وابن خزيمة وابن حبان في ( صحيحيهما ) . وثبته ابن المنذر .
ووهب بن الأجدع ، قال محمد بن يحيى الذهلي : ليس بمجهول ؛ قد روى عنه الشعبي - أيضا . واحتجوا - أيضا - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد العصر . وقد خرجه البخاري فيما بعد .
وخرج النسائي من حديث أبي أمامة ، عن عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة ) - يعني : جوف الليل - ( فكن ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة إلى طلوع الشمس ؛ فإنها تطلع بين قرني الشيطان ) - وذكر الحديث ، وقال فيه : ( ثم الصلاة مشهودة ) - يعني : بعد أن يفيء الفيء ( حتى تغيب الشمس ؛ فإنها تغيب بين قرني شيطان ) . وخرجه الإمام أحمد بنحوه من حديث سليم بن عامر ، عن عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال فيه - في ذكر جوف الليل - : ( فصل حتى تطلع الشمس ) ، وقال فيه : ( فإذا فاء الفيء فصل ، فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى تدلى الشمس للغروب ، فإذا تدلت فأقصر عن الصلاة حتى تغيب الشمس ) . وهذا كله تصريح بجواز الصلاة بعد العصر وبعد الفجر ؛ ولكن في هذه الروايات ؛ فإن مسلما خرج حديث عمرو بن عبسة من طريق أبي أمامة عنه ، وذكر فيه : أنه أمره أن يقصر عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد صلاة العصر حتى تغرب .
وكذا في أكثر الروايات . وهذه زيادة صحيحة ، سقطت في تلك الروايات . وذهب أكثر العلماء إلى النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب الشمس ، وهذا هو الثابت عن عمر بن الخطاب ، وكان يضرب من صلى بعد العصر ، وكذلك روي عن خالد بن الوليد - أيضا - وهو قول ابن عباس ومعاوية ، وروي عن ابن عمر وجماعة من الصحابة .
وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم ، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور . وفي ( صحيح مسلم ) عن المختار بن فلفل ، قال : سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر ، فقال : كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر . وروى الأعمش ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، قال : كره عمر الصلاة بعد العصر ، وأنا أكره ما كره عمر .
وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب كما سبق ذلك من حديث عمر وغيره من الصحابة ، الذي رواه عنهم ابن عباس ، ومن حديث أبي هريرة ، وأبي سعيد ، ومعاوية . وخرج مسلم من حديث عمرو بن عبسة ، ومن حديث أبي بصرة في الصلاة بعد العصر كحديث معاوية . وأكثر من جعل ما بعد الفجر والعصر وقت نهي حرم الصلاة فيه إلى طلوع الشمس وغروبها في الجملة ، وإن أجاز بعضهم في الوقتين الطويلين للتنزيه ، روي ذلك صريحا عن ابن سيرين .
وسبب هذا : أن المقصود بالنهي بالأصالة هو وقت الطلوع والغروب ؛ لما في السجود حينئذ من مشابهة سجود الكفار في الصورة ، وإنما نهى عن الصلاة قبل ذلك سدا للذريعة ؛ لئلا يتدرج بالصلاة فيه إلى الصلاة في وقت الطلوع والغروب . وقد جاء ذلك صريحا عن غير واحد من الصحابة والتابعين . وروى ابن جريج : سمعت أبا سعد الأعمى يخبر ، عن رجل ، يقال له : السائب مولى الفارسيين ، عن زيد بن خالد ، أن عمر رآه يركع بعد العصر ركعتين ، فمشى إليه فضربه بالدرة وهو يصلي ، فلما انصرف قال : دعها يا أمير المؤمنين ، فوالله لا أدعها أبدا بعد إذ رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليهما ، فجلس إليه عمر ، فقال : يا زيد ، لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل ، لم أضرب فيهما .
وخرجه الإمام أحمد . وفي إسناده رجلان غير معروفين . وروى الليث بن سعد ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، أنه قال : أخبرني تميم الداري - أو أخبرت - أن تميما الداري ركع ركعتين بعد نهي عمر بن الخطاب عن الصلاة بعد العصر ، فأتاه عمر ، فضربه بالدرة ، فأشار إليه تميم أن اجلس ، وهو في صلاته ، فجلس عمر حتى فرغ تميم من صلاته ، فقال لعمر : لم ضربتني ؟ قال : لأنك ركعت هاتين الركعتين ، وقد نهيت عنهما .
قال : فإني قد صليتهما مع من هو خير منك ؛ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال عمر : إنه ليس بي أيها الرهط ، ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلوا فيها ، كما وصلوا ما بين الظهر والعصر . خرجه الطبراني .
وخرجه الإمام أحمد - مختصرا - عن أبي أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : خرج عمر على الناس يضربهم على السجدتين بعد العصر ، حتى مر بتميم الداري ، فقال : لا أدعهما ؛ صليتهما مع خير منك ، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال عمر : لو أن الناس كانوا كهيئتك لم أبال . ورواية عروة عن عمر مرسلة .
وخرج الحاكم من رواية هشام بن حجير ، قال : كان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر ، فقال له ابن عباس : اتركهما ، فقال : إنما نهي عنهما أن تتخذ سلما أن يوصل ذلك إلى غروب الشمس . قال ابن عباس : فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن صلاة بعد العصر ، وما ندري أتعذب عليه أم تؤجر ؛ لأن الله يقول : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ وقول من قال : إن النهي عنها كان سدا لذريعة الصلاة في وقت الكراهة الأصلي ، فلا يكون محرما - غير صحيح ؛ فإنه إذا ثبت نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها كان نهيه للتحريم ، وإن كان معللا بسد الذريعة ، كما نهى عن ربا الفضل معللا بسد الذريعة لربا النسيئة ، وكل منهما محرم ، وكما نهى عن شرب قليل ما أسكر كثيرة ، لأنه ذريعة إلى السكر ، وكلاهما محرم ، ونظائر ذلك . والذين حرموا الصلاة بعد الفجر والعصر اتفقوا على تحريم التنفل الذي لا سبب له ، وأما ما له سبب كتحية المسجد ونحوها فلهم فيه قولان مشهوران : أجازه الشافعي ، ومنعه أبو حنيفة ومالك ، وعن أحمد فيه روايتان .
ولذلك اختلفت الرواية عن مالك فيمن صلى ركعتي الفجر في بيته ، ثم دخل المسجد : هل يصلي ركعتين ، أم لا ؟ وأجاز سجود التلاوة في هذا الوقت ، وأما بعد صلاة الفجر فلا يفعل عنده شيء من ذلك في المشهور عنه . وعنه رواية أخرى : يفعل سجود التلاوة ، وصلاة الكسوف خاصة . وفي ( سنن أبي داود ) بإسناد فيه نظر ، عن ابن عمر ، أنه نهى عن سجود التلاوة بعد الصبح ، وقال : صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر وعمر وعثمان ، فلم يسجدوا حتى تطلع الشمس .
وأما قضاء الفرائض الفائتة ، فأجازه الأكثرون ، منهم : مالك والشافعي وأحمد استدلالا بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلى ركعة من الصبح ثم طلعت عليه الشمس أن يتم صلاته . ومنع ذلك أبو حنيفة ، وقد سبق ذكره ، ويأتي فيما بعد إن شاء الله . فأما فروض الكفاية كصلاة الجنازة ، فيجوز فعلها في الوقتين المتسعين عند الجمهور ، ومنهم من حكاه إجماعا كابن المنذر وغيره .
وفي فعلها في الوقتين الضيقين قولان ، هما روايتان عن مالك وأحمد ، ومنع أحمد - في رواية عنه - من فعلها بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وترتفع ، اتباعا لما روي في ذلك عن ابن عمر . وكذا روى ابن القاسم عن مالك ، أنه لا يصلي على الجنائز إذا اصفرت الشمس حتى تغرب ، وإذا أسفر الضوء حتى ترتفع الشمس . وهذا يرجع إلى أن وقت الاختيار يخرج بالإسفار ويدخل وقت الكراهة .
وعلى مثل هذا ينبغي حمل المروي عن أحمد - أيضا . وينبغي على هذا القول أن يكون أول وقت النهي عن الصلاة إسفار الوقت جدا . وعن الليث ، قال : لا يصلي على الجنازة في الساعة التي تكره فيها الصلاة .
ومنع الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة من الصلاة على الجنازة في الوقتين الضيقين دون الواسعين . وأجازه الشافعي في جميع الأوقات ؛ لأنه يرى أن النهي يختص بالتطوع المطلق الذي ليس له سبب .