باب بدء الأذان
ثنا عمران بن ميسرة : ثنا عبد الوارث : ثنا خالد ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : ذكروا النار والناقوس ، فذكروا اليهود والنصارى ، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة . وخرجه البخاري في الباب الآتي ، بلفظ آخر ، وهو : قال : لما كثر الناس وانتشروا في المدينة . قال : ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه ، فذكروا أن يوروا نارا أو يضربوا ناقوسا ، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة .
وخرجه مسلم - أيضا . وهذا يدل على أن الأذان تأخر عن أول قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة حتى كثر الناس وانتشروا في المدينة ومن حولها ، واحتاجوا حينئذ إلى تعليم وقت الصلاة بشيء يعرفونه معرفة تامة . وقوله في هذه الرواية : فذكروا اليهود والنصارى - يعني : أنهم كرهوا النار والناقوس ؛ لمشابهة اليهود والنصارى في أفعالهم .
ولا يعرف ذكر النار إلا في هذه الرواية ، وإنما في أكثر الأحاديث ذكر الناقوس والبوق ، وفي بعضها ذكر راية تنصب ليراها الناس . وقد روي من حديث خالد ، عن أبي قلابة ذكر الناقوس والبوق - أيضا . خرجها ابن خزيمة في صحيحه والطبراني من رواية روح بن عطاء بن أبي ميمونة ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : كانت الصلاة إذا حضرت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - سعى رجل إلى الطريق ، فنادى : الصلاة الصلاة ، فاشتد ذلك على الناس ، فقالوا : لو اتخذنا ناقوسا يا رسول الله ؟ قال : ذلك للنصارى .
قالوا : فلو اتخذنا بوقا ؟ قال : ذلك لليهود . فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة . وقال الطبراني : لم يروه - بهذا التمام - عن خالد إلا روح .
انتهى . وروح ، متكلم فيه . وفي حديث عبد الله بن زيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة .
خرجه أبو داود وغيره . ويعضده : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء . وفي رواية إبراهيم بن سعد ، عن ابن إسحاق لحديث عبد الله بن زيد ، قال : لما أجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يضرب بالناقوس لجمع الناس للصلاة ، وهو كاره لموافقة النصارى .
وهذا يدل على أن الناس قد اجتمعوا على ذلك ، ووافقهم - صلى الله عليه وسلم - مع كراهته له . وقوله : فأمر بلال لا يشك أن الآمر له هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما صرح به ابن عمر في حديثه الآتي . قال الخطابي : الأذان شريعة من الشرائع ، والأمر المضاف إلى الشريعة في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يضاف إلى غيره .
قال : ومن زعم أن الآمر لبلال به أبو بكر فقد غلط ؛ لأن بلالا لم يقم بالمدينة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما لحق بالشام أيام أبي بكر . انتهى . ولقد أبطل من زعم أن أمر بلال بالأذان تأخر إلى زمن أبي بكر ، وأن مدة النبي - صلى الله عليه وسلم - خلت عن أذان ، وهذا لا يقوله من يعقل ما يقول .
ولعل هذا الزاعم إنما زعم أن أبا بكر أمر بإيتار الإقامة بعد أن كانت على غير ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وهذا في غاية البطلان - أيضا - وإنما يحمل عليه الهوى والتعصب ، وكيف يغير أبو بكر بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - شريعته في إقامة الصلاة ويقره الناس على ذلك ؟ والحديث صريح في أن أمر بلال بذلك كان في أول أمر الأذان ، حيث كانوا يترددون فيما يحصل به إعلام الناس بوقت الصلاة ، فحينئذ أُمر بلالٌ بأن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ، لا يحتمل الكلام غير هذا المعنى . والله أعلم .
وقد خرج النسائي هذا الحديث من رواية عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة . ونقل عباس الدوري ، عن ابن معين ، قال : لم يرفعه إلا الثقفي . وقد خرجه الدارقطني من طرق أخرى مصرحا برفعه - أيضا - كما رواه الثقفي .