باب الأذان مثنى مثنى
باب الأذان مثنى مثنى 605 - ثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد بن زيد ، عن سماك بن عطية ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : أمر بلال أن يشفع الأذان ، ويوتر الإقامة ، إلا الإقامة . 606 - حدثني محمد - هو : ابن سلام - قال : حدثني عبد الوهاب الثقفي : ثنا خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك ، قال : لما كثر الناس ، قال : ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه ، فذكروا أن يوروا نارا ، أو يضربوا ناقوسا ، فأمر بلال أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة . سماك بن عطية ، قال : حماد كان من جلساء أيوب ، ومات قبل أيوب .
وقد تقدم أن عبد الوهاب الثقفي روى عنه هذا الحديث بالتصريح برفعه ، وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - . وكذا روي ، عن ابن إسحاق ، عن أيوب . وكذا رواه خارجة بن مصعب ، عن أيوب .
وروي مثله ، عن الثوري ، عن أيوب . وعن الثوري عن خالد الحذاء . والصحيح عن الثوري - كقول الجماعة - : أمر بلال .
وقد تقدم أنه لا يشك في أن الآمر له هو النبي - صلى الله عليه وسلم - . ومعنى قوله : يشفع الأذان أن يجعله شفعا : مثنى مثنى . ومعنى : يوتر الإقامة أن يجعلها وترا ، أي : فردا فردا .
والشفع ضد الوتر : فالوتر الفرد ، والشفع الزوج . ولهذا فسر الشفع في الآية بالخلق ؛ لأن الخلق كله زوج ؛ قال تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ وقال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ﴾وفسر الوتر بالله عز وجل ؛ لأنه وتر يحب الوتر . والمقصود بهذا الباب : أن كلمات الأذان شفع .
لكن اختلف في التكبير في أوله : هل هو تكبيرتان ، أو أربع ؟ وقد اختلفت في ذلك روايات عبد الله بن زيد في قصة المنام ، وحديث أبي محذورة حيث علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - الأذان مرجعه من حنين ، وأمره أن يؤذن لأهل مكة . وقد خرج مسلم في صحيحه حديث أبي محذورة ، وفي أوله : التكبير مرتين . وخرج أبو داود وغيره حديث عبد الله بن زيد بالوجهين .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث أبي محذورة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه الأذان تسع عشرة كلمة ، والإقامة سبع عشرة كلمة . وإنما يكون الأذان تسع عشرة كلمة إلا إذا كان التكبير في أوله أربعا . وخرج الإمام أحمد وأبو داود حديث عبد الله بن زيد ، وفي أوله : أربع تكبيرات .
وأشار أبو داود إلى الاختلاف في ذلك ، وخرج من حديث ابن أبي ليلى ، عن معاذ التكبير في أوله مرتين . وكذلك الشهادتان ، ففي حديث عبد الله بن زيد : أن الشهادتين في الأذان أربع ، وفي حديث أبي محذورة : أن الشهادتين ثماني مرات ، يعيدها مرتين ، وسُمِّي الترجيع ، وقد خرجه مسلم كذلك . ولا اختلاف فيما بقي من الأذان بين أذان أبي محذورة وعبد الله بن زيد الذي ألقاه على بلال في الروايات المشهورة في السنن و المسانيد ، وليس في الأذان كلمة إلا شفع غير كلمة التهليل في آخر [الأذان] .
وقد روي أن أبا محذورة كان يقدم التهليل على التكبير في آخر أذانه من وجه منقطع . قال أبو نعيم في كتاب الصلاة : ثنا عيسى بن المسيب ، عن إبراهيم ، قال : كان أبو محذورة يقول : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وكان بلال يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، بلال في السفر وأبو محذورة في الحضر . وهذا غريب ، وعيسى فيه ضعف .
وقد ثبت عن أبي محذورة من وجهة عكس هذا ، وأنه كان يختم أذانه بقوله : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . وقد خرجه مسلم في صحيحه . وروي - أيضا - تأخير التكبير عن بلال من وجه فيه ضعف .
قال أبو نعيم في كتاب الصلاة : ثنا زهير ، عن عمران بن مسلم ، قال : أرسلني سويد بن غفلة إلى مؤذننا ، فقال : قل له يختم أذانه بـ لا إله إلا الله والله أكبر ؛ فإنه أذان بلال . وروى أبو نعيم بإسناد ضعيف مثل ذلك عن ابن عمر ، وعن مؤذن علي بن أبي طالب ، وعن أبي جعفر محمد بن علي . وروي عن أبي يوسف ، أن الأذان على أذان بلال المعروف ، وأنه يزاد في آخره : والله أكبر ، يختم بذلك .
والأحاديث الصحيحة تدل على أن آخر الأذان : الله أكبر ، لا إله إلا الله ، وبه يقول جمهور العلماء من المتقدمين والمتأخرين . وخرج النسائي من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن بلال ، قال : آخر الأذان : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . وفي رواية : كان آخر أذان بلال - مثل ذلك .
وكذا رواه منصور وغيره ، عن إبراهيم . ورواه حماد ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، أن بلالا كان يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير . وهذا وهم .
وروى محارب بن دثار ، قال : حدثني الأسود بن يزيد ، عن أبي محذورة ، حدثه أن آخر الأذان : لا إله إلا الله . خرجه النسائي . واختلفوا في عدد التكبير في أوله : فقالت طائفة : أربع ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن والشافعي وأحمد وإسحاق .
وقالت طائفة : التكبير في أوله تكبيرتان ، وهو قول مالك والليث بن سعد ، ورواية عن أبي يوسف . وقيل : إنه رجع عنها . واختلفوا في الترجيع - وهو تكرير الشهادتين - : فذهب إليه مالك والشافعي وأصحابهما .
واختلف أصحاب الشافعي : هل هو ركن في الأذان فلا يصح بدونه ، أو سنة فيصح ؟ والصحيح عندهم أنه سنة . ونقل عن نص الشافعي خلافه . وذهب الكوفيون إلى ترك الترجيع ، وهو قول الأوزاعي .
وقال أحمد وإسحاق وأبو بكر بن أبي شيبة وداود وابن خزيمة وغيرهم : يجوز الأمران ؛ لصحة الأحاديث بهما . والأفضل عندهم ترك الترجيع ؛ لأنه أذان بلال . قيل لأحمد : أليس أذان أبي محذورة بعده ؟ قال : بلى ، ولكن لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أقر بلالا على أذانه .
ووافقه إسحاق على ذلك . وقال الجوزجاني : الترجيع أفضل ؛ لأنه آخر الأمرين : وروي عن أهل البصرة في صفة الأذان غير ما تقدم . روى حجاج بن منهال : ثنا يزيد بن إبراهيم ، أنه سمع الحسن وابن سيرين يصفان الأذان : الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، يسمع بذلك من حوله ، ثم يرجع فيمد صوته ، ويجعل إصبعيه في أذنيه ، فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله - مرتين - أشهد أن محمدا رسول الله - مرتين - حي على الصلاة - مرتين - حي على الفلاح - مرتين - الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله .
خرجه ابن عبد البر . روي عنهما على وجه آخر : خرجه ابن أبي شيبة في كتابه ، فقال : ثنا ابن علية ، عن يونس ، قال : كان الحسن يقول : الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ثم يرجع فيقول : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة حي على الفلاح - مرتين - الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . قال : وحدثنا ابن علية ، عن ابن عون ، عن محمد - يعني : ابن سيرين - قال : كان الأذان أن يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر .
قال : وحدثنا ابن علية ، ثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان أذان ابن عمر : الله أكبر الله أكبر ، شهدت أن لا إله إلا الله ، شهدت أن لا إله إلا الله - ثلاثا - شهدت أن محمدا رسول الله ، شهدت أن محمدا رسول الله ، شهدت أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة - ثلاثا - حي على الفلاح - ثلاثا - الله أكبر - أحسبه قال : لا إله إلا الله . قال : وثنا عبدة : ثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يجعل آخر أذانه : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . قال : وثنا يزيد بن هارون : أبنا سليمان التيمي ، عن حبيب بن قيس ، عن ابن أبي محذورة ، عن أبيه ، أنه كان يؤذن فيخفض صوته بالأذان - مرة مرة - حتى إذا انتهى إلى قوله : أشهد أن محمدا رسول الله رجع إلى قوله : أشهد أن لا إله إلا الله ، فرفع بها صوته - مرتين مرتين - حتى إذا انتهى إلى : حي على الصلاة قال : الصلاة خير من النوم ، في الأذان الأول من الفجر .
وهذه الصفة تخالف [ما رواه] الحجازيون من أذان أبي محذورة ، ورواياتهم عنه أولى . وعلى هذا - والذي قبله - ؛ فيكون الأذان وترا لا شفعا . وروى وكيع في كتابه عن أبي المعتمر ، عن ابن سيرين ، عن ابن عمر ، أنه مر على مؤذن ، فقال له : أوتر أذانك .
وعن سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : لا بأس إذا بلغ حي على الصلاة ، حي على الفلاح أن يقولها مرة . ولعل هذا في الإقامة . وكذلك خرجها وكيع في باب : من أفرد الإقامة .
قال ابن أبي شيبة : وثنا أبو أسامة : ثنا عبيد الله ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر ربما زاد في أذانه : حي على خير العمل . وثنا أبو خالد ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يقول في أذانه : الصلاة خير من النوم . وربما قال : حي على خير العمل .
ثنا حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر ، عن أبيه ومسلم بن أبي مريم ، أن علي بن حسين كان يؤذن ، فإذا بلغ حي على الفلاح قال : حي على خير العمل ، ويقول : هو الأذان الأول . وقال البيهقي : روي ذلك عن أبي أمامة . ثم خرج بإسناده من حديث أولاد سعد القرظ ، عن آبائهم ، عن بلال ، أنه كان ينادي بالصبح ، فيقول : حي على خير العمل ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل مكانها : الصلاة خير من النوم ، ويترك حي على خير العمل .
ثم قال : هذه اللفظة لم تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما علم بلالا وأبا محذورة ، ونحن نكره الزيادة فيه . وبالله التوفيق .