باب مَنْ شَكَا إمَامَهُ إذا طَوَّلَ
حَدَّثَنَا آدم ، ثنا شعبة ، ثنا محارب بن دثار ، قَالَ : سَمِعْت جابر بن عَبْد الله الأنصاري قَالَ : أقبل رَجُل بناضحين ، وقد جنح الليل ، فوافق معاذاً يصلي ، فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ ، فقرأ بسورة البقرة - أو النِّسَاء - ، فانطلق الرَّجُلُ ، وبلغه أن معاذاً نال مِنْهُ ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه معاذاً ، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( يَا معاذ ، أفتان أنت - أو فاتن - ؟ ثلاث مرات ، فلولا صليت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة ) أحسب هَذَا فِي الحَدِيْث . وتابعه : سَعِيد بن مسروق ومسعر والشيباني . قَالَ عَمْرِو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزُّبَيْر ، عَن جابر بن عَبْد الله : قرأ معاذ فِي العشاء بالبقرة .
وتابعه : الأعمش ، عَن محارب . قَالَ الخطابي : جنح الليل : أقبل بظلمته ، وقد جنح جنوحاً ، ومنه جنح الليل : إقبال ظلمته . والناضح : البعير يسقى عَلِيهِ .
والفتنة عَلَى وجوه ، ومعناها هاهنا : صرف النَّاس عَن الدين ، وحملهم عَلَى الضلال ، قَالَ تعالى ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ﴾أي : مضلين . وقوله : ( فلولا صليت بسبح ) يريد : هلا قرأت ، كقوله : ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ معناه : فهلاً . وفيه : أَنَّهُ جعل الحاجة عذراً فِي تخفيفها .
انتهى . وتفسيره الفتنة - هاهنا - بالإضلال بعيد ، والأظهر : أن المراد بالفتنة هاهنا : الشغل عَن الصلاة ؛ فإن من طول عَلَى من شق عَلِيهِ التطويل فِي صلاته ، فإنه يشغله عَن الخشوع فِي صلاته ، ويلهيه عَنْهَا ، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نظر إلى أعلام الخميصة الَّتِيْ كَانَتْ عَلِيهِ فِي الصلاة نزعها ، وَقَالَ : ( كادت تفتنني ) وأمر عَائِشَة أن تميط قرامها الَّذِي فِيهِ تصاوير ، وَقَالَ : ( لا يزال تصاويره تعرض لِي فِي صلاتي ) . ومنه : تخفيفه صلى الله عليه وسلم الصلاة لما سَمِعَ بكاء الصبي مخافة أن تفتتن أمه .
ومنه : قَوْلِ أَبِي طلحة ، لما نظر إلى الطائر فِي صلاته وَهُوَ يصلي فِي حائطه حَتَّى اشتغل بِهِ عَن صلاته : لَقَدْ أصابني فِي مالي هَذَا فتنة . وقد سبق ذكر ذَلِكَ كله ، سوى حَدِيْث بكاء الصبي ؛ فإنه سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى . وسبق حَدِيْث آخر فِي الصلاة عَلَى الخمرة فِي هَذَا المعنى .
والفتنة فِي هذه المواضع كلها ، هُوَ : الاشتغال عَن الصلاة ، والالتهاء عَنْهَا . ويجوز أن يكون مِنْهُ قَوْلِ الله تعالى : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وأن يكون المراد : أنها تشغل عَن عُبَادَة الله وذكره . ويدل عَلِيهِ : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كَانَ يخطب ورأى الْحَسَن والحسين قَدْ أقبلا ، نَزَلَ فحملهما ، ثُمَّ قَالَ : ( صدق الله إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران ، فَلَمْ أصبر ) .
وأما مَا ذكره البخاري من المتابعات والرواية المعلقة ، فمضمونه : أن جماعة رووا هَذَا الحَدِيْث عَن محارب بن دثار كما رواه عَنْهُ شعبة ، وقالوا فِي قراءة معاذ : ( البقرة أو النِّسَاء ) بالشك ، منهم : سَعِيد بن مسروق الثوري - والد سُفْيَان - ، ومنهم : مِسْعَر وأبو إِسْحَاق الشيباني . والشك فِي هَذَا من محارب ، كذا فِي رِوَايَة غندر عَن شعبة . خرجه الإسماعيلي .
وفيه - أَيْضاً - : قَالَ : أحسب محارباً الَّذِي شك فِي ( الضعيف ) - يعني : شك : هَلْ قَالَ : ( الضعيف ) أو ( ذا الحاجة ) ؟ وفي حَدِيْث معاذ بن معاذ ، عَن شعبة : أن معاذاً كَانَ يصلي بالناس المغرب . ورواه عَلِيّ بن الجعد ، عَن شعبة ، وَقَالَ فِيهِ : قُلتُ لمحارب : أي صلاة كَانَتْ ؟ قَالَ : المغرب . فهذه الرواية تبين أن ذكر المغرب إنما هُوَ ظن من محارب .
وخرج أبو داود الحَدِيْث بذكر المغرب من وجه آخر فِيهِ انقطاع . وذكر البخاري : أَنَّهُ رواه الأعمش ، عَن محارب ، فَقَالَ فِيهِ : ( قرأ بالبقرة ) من غير شك . وكذا رواه عَمْرِو بن دينار وعبيد الله بن مقسم وأبو الزُّبَيْر ، عَن جابر ، وقالوا فِي حديثهم : ( قرأ البقرة ) من غير شك .
وقد خرج البخاري حَدِيْث عَمْرِو بن دينار فيما تقدم بهذا اللفظ . وقد تقدم أن النسائي خرجه من حَدِيْث الأعمش ، عَن محارب ، ولم يسم السورة ، بل قَالَ : ( سورة كذا وكذا ) .