باب إذا ركع دون الصف
باب إذا ركع دون الصف 783 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا همام ، عن الأعلم - وهو : زياد - عن الحسن ، عن أبي بكرة ، أنه انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو راكع ، فركع قبل أن يصل إلى الصف ، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : زادك الله حرصًا ولا تعد . في إسناد هذا الحديث شيئان : أحدهما : أنه اختلف فيه على الحسن : فرواه زياد الأعلم وهشام ، عن الحسن ، عن أبي بكرة . وفي رواية : عن زياد ، عن الحسن ، أن أبا بكرة حدثه - فذكره .
خرجه أبو داود . ورواه يونس وقتادة ، واختلف عنهما : فقيل : عنهما كذلك . وقيل : عنهما ، عن الحسن - مرسلًا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكرة .
وكذا روي عن حماد بن سلمة ، عن زياد الأعلم أيضًا . خرجه من طريقه أبو داود . الثاني : أنه اختلف في سماع الحسن من أبي بكرة ، فأثبته ابن المديني والبخاري وغيرهما ، وكذلك خرج حديثه هذا ، ونفاه يحيى بن معين ، نقله عنه ابن أبي خيثمة .
ويؤيده : أنه روي عن الحسن مرسلًا ، وأن الحسن روى عن الأحنف ، عن أبي بكرة حديث : إذا التقى المسلمان بسيفيهما . وهذا مما يستدل به على عدم سماعه منه ، حيث أدخل بينه وبينه في حديث آخر واسطةً . وقد روى هشام بن حسان ، عن الحسن ، أنه دخل مع أنس بن مالك على أبي بكرة وهو مريض .
وروى مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، قال : أخبرني أبو بكرة - فذكر حديث صلاة الكسوف . إلا أن مبارك بن فضالة ليس بالحافظ المتقن . وقال الشافعي في حديث أبي بكرة هذا : إسناده حسن .
وقد استدل بهذا الحديث على مسألتين . المسألة الأولى : من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة ، وإن فاته معه القيام وقراءة الفاتحة . وهذا قول جمهور العلماء ، وقد حكاه إسحاق بن راهويه وغيره إجماعا من العلماء .
وذكر الإمام أحمد في رواية أبي طالب أنه لم يخالف في ذلك أحد من أهل الإسلام ، هذا مع كثرة اطلاعه وشدة ورعه في العلم وتحريه . وقد روي هذا عن علي وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة - في رواية عنه رواها عبد الرحمن بن إسحاق المديني ، عن المقبري ، عنه . وذكر مالك في الموطأ أنه بلغه عن أبي هريرة ، أنه قال : من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة .
وهو قول عامة علماء الأمصار . ثم من رأى أن القراءة لا تجب على المأموم استدل به على أن القراءة غير لازمة للمأموم بالكلية ، ومن رأى لزوم القراءة له كالشافعي قال : إنها تسقط هاهنا للضرورة وعدم التمكين منها . وجعله إسحاق دليلًا على أن القراءة لا تجب إلا في ثلاث ركعات من الصلاة .
ولازم هذا : أنه لو أدرك الركوع في ركعة من الصبح أنه لا يعتد بها ؛ لأنه فاتته القراءة في نصف الصلاة . وهذا التفصيل محدث مخالف للإجماع . وقد روي أن الصلاة التي ركع فيها أبو بكرة هي صلاة الصبح ، وسيأتي إن شاء الله .
وذهبت طائفة إلى أنه لا يدرك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام ، لأنه فاته مع الإمام القيام وقراءة الفاتحة ، وإلى هذا المذهب ذهب البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام ، وذكر فيه عن شيخه علي بن المديني أن الذين قالوا بإدراك الركعة بإدراك الركوع من الصحابة كانوا ممن لا يوجب القراءة خلف الإمام ، فأما من رأى وجوب القراءة خلف الإمام ، فإنه قال : لا يدرك الركعة بذلك ، كأبي هريرة ؛ فإنه قال للمأموم : اقرأ بها في نفسك . وقال : لا تدرك الركعة بإدراك الركوع . وخرج البخاري في كتاب القراءة من طريق ابن إسحاق : أخبرني الأعرج ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائمًا قبل أن تركع .
ثم ذكر أنه رأى ابن المديني يحتج بحديث ابن إسحاق ، ثم أخذ يضعف عبد الرحمن بن إسحاق المديني الذي روى عن المقبري ، عن أبي هريرة خلاف رواية ابن إسحاق ، ووهن أمره جدًا . وقد وافقه على قوله هذا ، وأن من أدرك الركوع لا يدرك به الركعة ، قليل من المتأخرين من أهل الحديث ، منهم : ابن خزيمة وغيره من الظاهرية وغيرهم ، وصنف فيه أبو بكر الصبغي من أصحاب ابن خزيمة مصنفًا . وهذا شذوذ عن أهل العلم ومخالفة لجماعتهم .
وقد روي عن زيد بن وهب ، أنه أدرك الركوع وقضى تلك الركعة ، وهذا يحتمل أنه شك في إدراكها إدراكًا يعتد به ، فلا ينسب به إليه مذهب . وقد روي عن ابن عمر ، أنه إذا امترى : هل ركع قبل رفع إمامه أم لا ، لم يعتد بتلك الركعة ، وهو قول جمهور العلماء . وأيضا ؛ فقد قال زيد بن وهب : إنه كان هو وابن مسعود ، وأنهما ركعا دون الصف ، قال : فلما فرغ الإمام قمت أقضي ، وأنا أرى أني لم أدرك .
فقال ابن مسعود : قد أدركته . فتمام الرواية يدل على أن ما فعله قد أنكره عليه ابن مسعود ، ولم يكن أحد من التابعين يصر على فعله مع إنكار الصحابة عليه . والمروي عن أبي هريرة قد اختلف عنه فيه ، وليس عبد الرحمن بن إسحاق المديني عند العلماء بدون ابن إسحاق ، بل الأمر بالعكس ؛ ولهذا ضعف ابن عبد البر وغيره رواية ابن إسحاق ، ولم يثبتوها ، وجعلوا رواية عبد الرحمن مقدمة على روايته .
قال ابن عبد البر في المروي عن أبي هريرة : في إسناده نظر . قال : ولا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال به . وقد روي معناه عن أشهب .
وعبد الرحمن بن إسحاق هذا يقال له : عباد . وثقه ابن معين . وقال أحمد : صالح الحديث .
وقال ابن المديني : هو عندنا صالح وسط . نقله عنه أبو جعفر بن أبي شيبة ، وأنه قال في محمد بن إسحاق كذلك : إنه صالح وسط . وهذا تصريح منه بالتسوية بينهما .
ونقل الميموني ، عن يحيى بن معين ، أنه قال في محمد بن إسحاق : ضعيف . وفي عبد الرحمن بن إسحاق الذي يروي عن الزهري : ليس به بأس . فصرح بتقديمه على ابن إسحاق .
وقال النسائي : ليس به بأس . وقال أبو داود : محمد بن إسحاق قدري معتزلي ، وعبد الرحمن بن إسحاق قدري ، إلا أنه ثقة . وهذا تصريح من أبي داود بتقديمه على ابن إسحاق ، فإنه وثقه دون ابن إسحاق ، ونسبه إلى القدر فقط ، ونسب ابن إسحاق إلى القدر مع الاعتزال .
وعامة ما أنكر عليه هو القدر ، وابن إسحاق يشاركه في ذلك ويزيد عليه ببدع أخر كالتشيع والاعتزال ؛ ولهذا خرج مسلم في صحيحه لعبد الرحمن بن إسحاق ولم يخرج لمحمد بن إسحاق إلا متابعة . وأيضًا ؛ فأبو هريرة لم يقل : إن من أدرك الركوع فاتته الركعة ؛ لأنه لم يقرأ بفاتحة الكتاب كما يقوله هؤلاء ، إنما قال : لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع ، فعلل بفوات لحوق القيام مع الإمام . وهذا يقتضي أنه لو كبر قبل أن يركع الإمام ، ولم يتمكن من القراءة فركع معه كان مدركًا للركعة ، وهذا لا يقوله هؤلاء ، فتبين أن قول هؤلاء محدث لا سلف لهم به .
وقد روي عن أبي سعيد وعائشة : لا يركع أحدكم حتى يقرأ بأم القرآن . هذا - إن صح - محمول على من قدر على ذلك وتمكن منه . وقد أجاب البخاري في كتاب القراءة عن حديث أبي بكرة بجوابين : أحدهما : أنه ليس فيه تصريح بأنه اعتد بتلك الركعة .
والثاني : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن العود إلى ما فعله . فأما الأول ، فظاهر البطلان ، ولم يكن حرص أبي بكرة على الركوع دون الصف إلا لإدراك الركعة ، وكذلك كل من أمر بالركوع دون الصف من الصحابة ومن بعدهم إنما أمر به لإدراك الركعة ، ولو لم تكن الركعة تدرك به لم يكن فيه فائدة بالكلية ، ولذلك لم يقل منهم أحد : إن من أدركه ساجدًا فإنه يسجد حيث أدركته السجدة ، ثم يمشي بعد قيام الإمام حتى يدخل الصف ، ولو كان الركوع دون الصف للمسارعة إلى متابعة الإمام فيما لا يعتد به من الصلاة ، لم يكن فرق بين الركوع والسجود في ذلك . وهذا أمر يفهمه كل أحد من هذه الأحاديث والآثار الواردة في الركوع خلف الصف ، فقول القائل : لم يصرحوا بالاعتداد بتلك الركعة هو من التعنت والتشكيك في الواضحات ، ومثل هذا إنما يحمل عليه الشذوذ عن جماعة العلماء ، والانفراد عنهم بالمقالات المنكرة عندهم .
فقد أنكر ابن مسعود على من خالف في ذلك ، واتفق الصحابة على موافقته ، ولم يخالف منهم أحد ، إلا ما روي عن أبي هريرة ، وقد روي عنه من وجه أصح منه أنه يعتد بتلك الركعة . وأما الثاني ، فإنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكرة عن الإسراع إلى الصلاة ، كما قال : لا تأتوها وأنتم تسعون ، كذلك قاله الشافعي وغيره من الأئمة ، وسيأتي الكلام على ذلك فيما بعد - إن شاء الله تعالى . وكأن الحامل للبخاري على ما فعله شدة إنكاره على فقهاء الكوفيين أن سورة الفاتحة تصح الصلاة بدونها في حق كل أحد ، فبالغ في الرد عليهم ومخالفتهم ، حتى التزم ما التزمه مما شذ فيه عن العلماء ، واتبع فيه شيخه ابن المديني ، ولم يكن ابن المديني من فقهاء أهل الحديث ، وإنما كان بارعا في العلل والأسانيد .
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة ، من حديث أبي هريرة ، وله طرق متعددة عنه . ومن حديث معاذ وعبد الرحمن بن الأزهر وغيرهم . وقد ذكرناها مستوفاة في كتاب شرح الترمذي .
وأكثر العلماء على أنه لا يكون مدركا للركعة إلا إذا كبر وركع قبل أن يرفع إمامه ، ولم يشترط أكثرهم أن يدرك الطمأنينة مع الإمام قبل رفعه . ولأصحابنا وجه باشتراط ذلك . ومن العلماء من قال : إذا كبر قبل أن يرفع إمامه فقد أدرك الركعة ، وإن لم يركع قبل رفعه ، منهم : ابن أبي ليلى والليث بن سعد وزفر ، وجعلوه بمنزلة من تخلف عن إمامه بنوم ونحوه .
ولكن الجمهور إنما قالوا بالمتخلف بالنوم ونحوه أنه يركع ثم يلحقه ؛ لأنه كان متابعًا له قبل الركوع فيغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء . وروي عن هؤلاء الثلاثة أيضًا . وعن الحسن بن زياد - أيضًا - : أنه إذا كبر بعد رفع إمامه رأسه من الركوع قبل أن يسجد اعتد له بالركعة .
وقد تقدم عن الشعبي ، أنه قال : إذا انتهيت إلى الصف المؤخر ، ولم يرفعوا رءوسهم ، وقد رفع الإمام رأسه ، فركعت معهم ، فقد أدركت ، لأن بعضهم أئمة لبعض . المسألة الثانية : أن من صلى خلف الصف وحده ، فإنه يعتد بصلاته ، ولا إعادة عليه ، فإن أبا بكرة ركع خلف الصف وحده ، ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة صلاته . وقد استدل بذلك الشافعي وغيره من الأئمة .
وممن روي عنه الركوع دون الصف والمشي راكعًا : ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن الزبير ، وكان يعلم الناس ذلك على المنبر . وروي عنه أنه قال : هو السنة . وورد - أيضًا - أنه فعله ، ولم يصححه الإمام أحمد عنه ، وذكر أن الصحيح عنه النهي عنه .
وروي - أيضًا - فعله عن أبي بكر الصديق . خرجه البيهقي بإسناد منقطع . وهو قول سعيد بن جبير وعطاء ، وقالا : يركع وإن لم يصل إلى صف النساء ، ثم يمشي .
قال عطاء : ويرفع مع إمامه ، ويسجد حين تدركه السجدة ، فإن تشهد إمامه عقب ذلك تشهد معه ، ثم قام إذا قام إلى الثالثة ، فدخل في الصف حينئذ . وممن رأى الركوع دون الصف والمشي راكعًا : زيد بن ثابت وعروة ومجاهد وأبو سلمة وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وابن جريج ومعمر . وقاله القاسم والحسن ، بشرط أن يظن أنه يدرك الصف .
ووجه هذا : أن المشي في الصلاة عمل فيها ، فيغتفر فيه اليسير دون الكثير ؛ فإنه مناف الصلاة فيبطلها ، وهذا مخالف لقول سعيد بن جبير وعطاء : إِنَّهُ يَرْكَعُ مِنْ حِين دخوله المسجد خلف صفوف النساء . وحكى ابن عبد البر عن مالك والليث : لا بأس أن يركع الرجل وحده دون الصف ، ويمشي إلى الصف إذا كان قريبًا قدر ما يلحق . وذكر عن القاضي إسماعيل ، أن ابن القاسم روى عن مالك : أنه لا يركع دون الصف ، إلا أن يطمع أن يصل إلى الصف قبل رفع الإمام رأسه .
قال : وقال غيره : له أن يركع خلف الصف ، ويتم ركعته ، كما له أن يصلي خلف الصف وحده . قال : وهو قول مالك وأصل مذهبه قبل أن يرفعوا رءوسهم . وقال الزهري والأوزاعي : إن كان قريبًا من الصفوف فعل ، وإلا لم يفعل .
وكذلك قاله الإمام أحمد ، نقله عنه ابن منصور . وقالت طائفة : لا يركع حتى يقوم في الصف . رواه محمد بن عجلان ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : إذا دخلت والإمام راكع فلا تركع حتى تأخذ مصافك من الصف .
وروي مرفوعًا ، ووقفه أصح . وروي - أيضًا - النهي عن ذلك عن الحسن والنخعي . وهو رواية عن أحمد ، نقلها عنه أبو طالب والحسن بن ثواب والأثرم وغيرهم .
وقالت طائفة : إن كان منفردًا لم يركع حتى يدخل الصف ، وإن كان مع غيره ركعوا دون الصف ، وهو قول إسحاق وأبي بكر بن أبي شيبة ، ونقله إسحاق بن هانئ ، عن أحمد ، وحكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة . ومن العجائب : أن البخاري ذكر في كتاب القراءة خلف الإمام أن المروي عن زيد بن ثابت لا يقول به من خالفه في هذه المسألة ، فإنه قال : روى الأعرج ، عن أبي أمامة بن سهل ، قال : رأيت زيد بن ثابت ركع وهو بالبلاط لغير القبلة ، حتى دخل في الصف . ثم قال : وقال هؤلاء : إذا ركع لغير القبلة لم يجزئه .
انتهى . وهذه رواية منكرة لا تصح ، وإنما ركع زيد للقبلة ؛ كذلك رواه الزهري ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، قال : رأيت زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع ، فاستقبل فكبر ، ثم ركع ، ثم دب راكعًا حتى وصل الصف . خرجه عبد الرزاق ، عن معمر ، عنه .
ورواه ابن وهب ، عن يونس وابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب : أخبرني أبو أمامة بن سهل ، أنه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع . فمشى حتى إذا أمكنه أن يصل الصف وهو راكع كبر ، فركع ، ثم دب وهو راكع حتى وصل الصف . وهذه الرواية تدل - أيضًا - على أنه كبر مستقبل القبلة ، ولا يمكن غير ذلك البتة .
فأما من قال : تصح صلاة المنفرد خلف الصف وحده و[ . .] حديث أبي بكرة على ذلك . والقول بصحة الصلاة فذا خلف الصف : قول مالك وأبي حنيفة والثوري - في أشهر الروايتين عنه - والشافعي وابن المبارك والليث بن سعد .
وروي عن أبي جعفر محمد بن علي . وأما القائلون بأنه لا تصح صلاة الفذ خلف الصف : الحسن بن صالح والأوزاعي - فيما حكاه ابن عبد البر ، وخرجه حرب بإسناده ، عنه - وقول أحمد وإسحاق ووكيع ويحيى بن معين وابن المنذر ، وأكثر أهل الظاهر ، ورواية عن الثوري ، رواها عصام ، عنه . وروي - أيضا - عن النخعي وحماد والحكم وابن أبي ليلى .
وقيل : إنه لم يصح عن النخعي ، وأنه إنما قال : يعتد بها ، فصحفها من قرأها فقال : يعيدها . وروي ذلك عن شريك ، أنه قاله . فهؤلاء لهم في الجواب عن حديث أبي بكرة طريقان : أحدهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن ذلك ، فلا تصح الصلاة بعد النهي عنه ، وتصح إذا لم يعلم النهي .
قال أحمد ، في رواية أبي طالب في الرجل يركع دون الصف ، وهو جاهل : أجزأه . وقيل له : لا يعيد ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكرة : لا تعد فأجاز له صلاته لما لم يعلم ، ونهاه أن يصلي بعد ذلك ، فقال : زادك الله حرصا ولا تعد . قيل له : فإن كان لا يعلم ، يقول : صلى فلان وصلى فلان ؟ قال : لا تجزئه صلاته ، يعيد الصلاة ، قال أبو هريرة : لا يركع أحدكم حتى يأخذ مقامه من الصف .
ففرق بين الجاهل والمتأول ، فأمر المتأول بالإعادة دون الجاهل . وهذه الرواية اختيار الخرقي وابن أبي موسى وجماعة من متقدمي الأصحاب . وقال بعض الأصحاب : إن هذا مطرد فيمن لم يتم الركعة وهو فذ ، منهم : القاضي في شرح المذهب .
ومنهم من قال : بل يطرد ، ولو أتم الركعة فذا . ولم يذكر أكثرهم أنه مطرد فيما لو صلى - فذا - الصلاة كلها جاهلا بالنهي . فظاهر كلام أحمد وتعليله يدل على أنه مطرد فيه - أيضا - وقد حكاه بعضهم رواية عن أحمد .
وقد حكى أبو حفص وغيره من أصحابنا فيمن فعل كفعل أبي بكرة - مع العلم بالنهي - هل تبطل صلاته ؟ روايتين عن أحمد . فأدخلوا في ذلك من كبر ثم دخل في الصف قبل رفع الإمام . وفي هذا الطريق نظر ؛ فإن الذي أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة في حديث وابصة بن معبد ، الظاهر أنه لم يكن عالما بالنهي ولم يسأله : هل علم النهي أم لا .
والطريق الثاني : أن أبا بكرة دخل في الصف قبل رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه . وقد خرج حديثه أبو داود ، وقال فيه : ثم مشى حتى دخل في الصف . وخرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من وجه آخر ، عن الحسن ، عن أبي بكرة .
وحينئذ ، فقد زالت فذوذيته قبل أن تفوته الركعة ، فيعتد له بذلك . وعلى هذا يحمل ما روي عن الصحابة في ذلك - أيضا . وقد أشار أحمد إلى هذا - أيضا - في رواية أبي الحارث ، وسأله عن رجل كبر قبل أن يدخل في الصف وركع دون الصف ؟ فقال : قد كبر أبو بكرة ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : زادك الله حرصا ، ولا تعد ولم يأمره أن يعيد - أيضا .
وقد روي عن ابن مسعود وزيد ، أنهما ركعا دون الصف . وهذه الرواية تخالف ما رواه الأثرم وغيره ، أنه قال : لا يعجبني فعل زيد وابن مسعود ، ورده بحديث أبي بكرة . ولكن هذه الرواية توافق رواية ابن منصور المتقدمة بجواز الركوع خلف الصف ، إذا ظن أنه يصل إليه قبل رفع الإمام .
وقد استدل طائفة من أصحابنا ، منهم : أبو حفص البرمكي لهذه الرواية بحديث أبي بكرة ، وحملوا قوله : ولا تعد على شدة السعي إلى الصلاة ، كما قاله الشافعي . وذكر ابن عبد البر أن معنى قوله : ولا تعد عند العلماء : لا تعد إلى الإبطاء عن الصلاة حتى يفوتك منها شيء . وهذا بعيد جدا ، ولا يعرف هذا عن أحد من العلماء من المتقدمين .
وقد روى الإمام أحمد من طريق عبد العزيز بن أبي بكرة ، عن أبي بكرة ، أنه جاء والنبي - صلى الله عليه وسلم - راكع ، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - صوت نعلي أبي بكرة وهو يحضر ؛ يريد أن يدرك الركعة ، فلما انصرف قال : من الساعي ؟ قال أبو بكرة : أنا . قال : زادك الله حرصا ، ولا تعد . وفي رواية عبد العزيز : بشار الخياط ، وهو غير معروف .
وخرجه ابن عبد البر من رواية بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة ، عن أبيه ، عن جده ، أنه دخل المسجد ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس - وهم ركوع - فسعى إلى الصف ، فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من الساعي ؟ قال أبو بكرة : أنا يا رسول الله . قال : زادك الله حرصا ، ولا تعد . وبكار ، فيه ضعف .
وخرجه البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام بإسناد ضعيف ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح ، فسمع نفسا شديدا - أو بهرا - من خلفه ، فلما قضى الصلاة قال لأبي بكرة : أنت صاحب هذا النفس ؟ قال : نعم يا رسول الله ، خشيت أن تفوتني ركعة معك ، فأسرعت المشي . فقال له : زادك الله حرصا ، ولا تعد ، صل ما أدركت ، واقض ما سبقت . وفي إسناده : عبد الله بن عيسى الخزاز ، ضعفوه .
وفي هاتين الروايتين : ما يدل على اعتداده بتلك الركعة ، وهذا أمر غير مشكوك فيه ، وإنما يحتاج إليه لتعنت من يتعنت . ومن أغرب ما روي في حديث أبي بكرة : ما خرجه عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن رجل ، عن الحسن ، قال : التفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : زادك الله حرصا ، ولا تعد قال : فثبت مكانه . وهذا يوهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ذلك في الصلاة ، وأنه لم يدخل الصف ، فيستدل به على أن كلام الإمام لمصلحة الصلاة عمدا غير مبطل ، ويستدل به - أيضا - على صحة صلاة الفذ وحده ، ولكنها مرسلة ، في إسنادها مجهول ، وابن جريج كان يدلس عن الضعفاء ومن لا يعتمد عليه كثيرا .
وعلى هذه الطريقة : فهل يختص جواز الركوع دون الصف بمن أدرك الركوع في الصف ، أو لا يختص بذلك ؟ ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور أنه يختص بمن أدرك الركوع في الصف ؛ لأنه إنما أجاز الركوع خلفه لمن ظن أنه يدركه ، فإنه إذا زالت فذوذيته في حال الركوع ، فلم يصل ركعة فذا ، والمنهي عنه أن يصلي فذا ركعة فأكثر ، وأما إذا زالت فذوذيته قبل أن يرفع من الركوع فقد أدرك الركعة في الصف ، فلا يكون بذلك فذا ؛ ولهذا لو قام خلف الإمام اثنان فأحرم أحدهما قبل إحرام الآخر ، لم يكن في تلك الحالة فذا بالاتفاق . وقد حكي عن جماعة من أصحابنا الاتفاق على تكبيرة الإحرام فذا ، لكن منهم من قال : كان القياس بطلانها ، وإنما ترك لحديث أبي بكرة . وحكى ابن حامد - من أصحابنا - أنه تبطل تكبيرة الفذ خلف الإمام كالركوع .
وهذا إذا لم يكن لغرض إدراك الركعة ، فأما إن كان لغرض إدراك الركعة ، فهي المسألة التي سبق ذكرها . وقد نص أحمد على التفريق بين أن يصل إلى الصف قبل رفع الإمام رأسه وبعده . وفي رواية حرب ، قال : لا بأس أن يركع دون الصف إذا أدرك الإمام راكعا .
قلت : فإن رفع الإمام رأسه قبل أن يصل هو إلى الصف ، فكأنه أحب أن لا يعتد بهذه الركعة . ومن الأصحاب من حكى فيما إذا زالت فذوذيته بعد الركوع وقبل السجود ، فهل تصح صلاته ؟ على روايتين . كذلك حكى ابن أبي موسى في كتابه ، وحكاه - أيضا - جماعة بعده .
وحكاها - أيضا - من المتقدمين أبو حفص ، وقال : روى أبو داود ، عن أحمد - فيمن ركع دون الصف ، ثم مشى حتى دخل الصف ، وقد رفع الإمام قبل أن ينتهي إلى الصف - : تجزئه ركعة ، فإن صلى خلف الصف وحده ، أعاد الصلاة . وظاهر هذه الرواية أنه يجزئه ، ولو دخل في الصف بعد رفع إمامه ، ما لم يصل ركعة كاملة وحده ، وليس في حديث أبي بكرة أنه دخل في الصف قبل رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - . ووجه ذلك : أنه أدرك معظم الركعة في الصف ، وهو السجدتان ، فاكتفى بذلك في المصافة .
وقد قال بعض التابعين : إنه يكتفى بذلك في إدراك الركعة - أيضا . وإنما أبطل أحمد ومن وافقه صلاة الفذ خلف الصف ؛ لحديث وابصة ، وله طرق ، من أجودها : رواية شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن هلال بن يساف ، عن عمرو بن راشد ، عن وابصة بن معبد ، أن رجلا صلى خلف الصف وحده ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعيد الصلاة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه .
وخرجه ابن حبان - أيضا - من طريق زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد . وخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث حصين ، عن هلال بن يساف ، عن زياد بن أبي الجعد ، عن وابصة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وحسنه الترمذي .
ورواه - أيضا - منصور ، عن هلال بن يساف . كذلك خرجه أبو القاسم البغوي في معجمه . وأشار إلى ترجيح رواية حصين بمتابعة منصور له .
ورجح أحمد وأبو حاتم الرازي رواية عمرو بن مرة . ورجح عبد الله الدارمي والترمذي رواية حصين ؛ لأن الحديث معروف عن زياد بن أبي الجعد ، عن وابصة من غير طريق هلال بن يساف ، فإنه رواه يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، عن عبيد بن أبي الجعد ، عن وابصة . وقد خرجه من هذه الطريق ابن حبان في صحيحه - أيضا - وذكر أن هلال بن يساف سمعه من زياد بن أبي الجعد ، ومن عمرو بن راشد ، كلاهما عن وابصة من غير واسطة بينهما .
ورجح الترمذي صحة ذلك ، وأن هلالا سمعه من وابصة مع زياد بن أبي الجعد . وقد روي من وجوه متعددة ما يدل لذلك . وقد جعل بعضهم هذا الاختلاف اضطرابا في الحديث يوجب التوقف ، وإلى ذلك يميل الشافعي في الجديد ، وحكاه عن بعض أهل الحديث ، بعد أن قال في القديم : لو صح قلت به .
فتوقف في صحته . وممن رجح ذلك : البزار وابن عبد البر . وأنكر الإمام أحمد على من قال ذلك ، وقال : إنما اختلف عمرو بن مرة وحصين .
وقال : عمرو بن راشد معروف . وكذلك يحيى بن معين أخذ بهذا الحديث ، وعمل به ، حكاه عنه عباس الدوري ، وهو دليل على ثبوته عنده . وقد روي هذا الحديث عن وابصة من وجوه أخر .
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه أخر ، من أجودها : رواية ملازم بن عمرو ، عن عبد الله بن بدر ، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان ، عن أبيه علي بن شيبان ، قال : خرجنا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبايعناه وصلينا خلفه . قال : ثم صلينا وراءه صلاة أخرى ، فقضى الصلاة ، فرأى رجلا فردا يصلي خلف الصف وحده ، فوقف عليه نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حتى انصرف ، قال : استقبل صلاتك ، لا صلاة للذي خلف الصف . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه ، وهذا لفظه .
وفي رواية للإمام أحمد : فلا صلاة لفرد خلف الصف . وكذلك خرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وقال الإمام أحمد : حديث ملازم في هذا - أيضا - حسن .
ورواته كلهم ثقات من أهل اليمامة ، فإن عبد الله بن بدر ثقة مشهور ، وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة والعجلي وغيرهم . وملازم ، قال الإمام أحمد : كان يحيى القطان يختاره على عكرمة بن عمار ، ويقول : هو أثبت حديثا . وقال ابن معين : هو ثبت ، وهو من أثبت أهل اليمامة .
وعبد الرحمن بن علي بن شيبان مشهور ، وروى عنه جماعة من أهل اليمامة ، وذكره ابن حبان في الثقات . وقد قال الإمام أحمد : لا أعرف لحديث وابصة مخالفا . يعني : لا يعرف له حديثا يخالفه ، فإن حديث أبي بكرة يمكن الجمع بينه وبينه بما تقدم ، والجمع بين الأحاديث والعمل بها أولى من معارضة بعضها ببعض ، واطرادها واطراحها بعضها ، إذا كان العمل بها كلها لا يؤدي إلى مخالفة ما عليه السلف الأول .
وقد تأول بعضهم قوله : لا صلاة لفذ خلف الصف على نفي الكمال دون الصحة ، ويرد هذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالإعادة . واختلف أصحابنا : هل تقع صلاة الفذ باطلة غير منعقدة ، أو تنقلب نفلا ؟ لهم فيه وجهان . واختار ابن حماد وغيره أنها تنقلب نفلا ، وظاهر كلام الخرقي أنها تبطل بالكلية .
وتظهر فائدتها لو صلى ركعة فذا خلف الصف ، ثم جاء آخر فصف معه في الركعة الثانية ، فإن قلنا : صلاته باطلة ، فالثاني فذ - أيضا - وإن قلنا : هو متنفل صحت مصافته . ولأصحابنا وجه آخر : أن جماعته تبطل وتصح صلاته منفردا . وهو مروي عن النخعي ، قال : صلاته تامة وليس له تضعيف .
خرجه البيهقي . وعلى هذا ، فيكون أمره بالإعادة في الجماعة ليحصل ثوابها ومضاعفتها ، وليس ذلك في الحديث . وقد يستدل به على أن من صلى منفردا فعليه الإعادة ، كما يقوله من يجعل الجماعة شرطا لصحة الصلاة .
وهذا الوجه - أعني : بطلان جماعته وصحة صلاته منفردا - جزم به ابن عقيل من أصحابنا في موضع من كتابه الأصول . وحكى في موضع آخر منه وجهين : أحدهما كذلك ، وعلله بأن البطلان يختص بالجماعة ، فيصح فرضه ويكون منفردا . والثاني : يبطل فرضه وتصير صلاته نفلا .
الوجهان مطردان في كل صلاة وجد فيها خلل يعود إلى الجماعة خاصة ؛ كمن صلى فذا قدام الإمام ، أو انتقل من الجماعة إلى الانفراد لغير عذر ، أو عكسه ، أو ائتم بمن لا يجوز الائتمام به . ومن أصحابنا من قال : إن لم يعلم امتناع ذلك انقلبت الصلاة نفلا ، وإن علم ففي البطلان وانقلابها نفلا وجهان ، والأظهر الأول . وإن صلى الفذ خلف الصف لا يسقط فرضه ، وعليه إعادتها كما نص عليه أحمد وأكثر أصحابه .
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤكد أمر الصفوف وتعديلها وتسويتها ، وهي من خصائص هذه الأمة كما سبق ذكره ، فالمصلي في جماعة من غير مخل بما يلزم من القيام في الصف ، فعليه الإعادة إذا تركه عمدا ، وهو عالم بالنهي ، قادر على الصلاة في الصف . فأما إن كان جاهلا ففيه خلاف سبق ذكره . وإن كان عاجزا ففيه خلاف يأتي ذكره - إن شاء الله تعالى .
وقد عارض بعضهم حديث وابصة بحديث ابن عباس ، لما صلى عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم - فأداره من ورائه إلى يمينه ، قال : فهو في حال إدارته فذ . وهذا ليس بشيء ، فإن المصلي في صف إذا زال اصطفافه ثم عاد سريعا على وجه أكمل من الأول لم يضره ذلك ، كما أن الإمام في صلاة الخوف تفارقه طائفة ، ويبقى منتظرا لطائفة أخرى ، ولا يضره ذلك . والله أعلم .
ونقل حرب ، عن إسحاق بن راهويه : إن صلى الصلاة كلها خلف الصف أعاد صلاته ، فإن صلى ركعة فذا ، ثم جاء آخر فقام إلى جنبه ، فإنه يعيد تلك الركعة ، فلم تبطل سوى ركعته التي كان فيها فذا ، وأمره أن يبني على تكبيرة الإحرام . ومذهب أحمد : أنه إذا صلى ركعة تامة في أول صلاته فذا أنه يعيد صلاته كلها . واختلفت الرواية عنه : إذا صلى ركعة في الصف ثم صار فذا .
ونقل مهنا عن أحمد في رجل صلى يوم الجمعة ركعة وسجدتين في الصف ، ثم زحموه ، فصلى الركعة الأخرى خلف الصف وحده : يعيد تلك الركعة التي صلاها وحده . ونقل عنه بعض أصحابه : أنه يعيد الصلاة كلها في هذه المسألة ، منهم : ابناه صالح وعبد الله والأثرم وغيرهم . وحمل القاضي أبو يعلى في خلافه الكبير رواية حنبل على أحد وجهين : أحدهما : ما أومأ إليه أبو بكر : أن الصلاة في هذه الحال انعقدت في الصف ، وإنما صار فذا في أثنائها ، ولا يمتنع أن ينافي الابتداء في الاستدامة ، كالعدة والردة والإحرام في عقد النكاح .
والثاني : أنه في هذه الحال صار فذا بغير اختياره ، فهي حال ضرورة . هكذا حكى القاضي أبو يعلى وأصحابه مذهب أحمد . وحكى أبو حفص الخلاف عن أحمد فيمن صلى ركعة فذا : هل تبطل ركعته فقط ، أم صلاته كلها ؟ وحكى في ذلك روايتين ، وسوى بين الركعة الأولى وغيرها ، ولم يفرق بين حال ضرورة وغيرها .
وذكر أن الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ روى عن أحمد ، قال : إذا ركع ركعة سجد ، ثم دخل في الصف ، يعيد التي صلاها ولا يعيد الصلاة كلها . قال أبو حفص : والأصح عندي أنه يعيد ما صلى دون الصف حسب ، فيعيد الركعة أو الركعتين ، ولا يعيد ما صلى مع غيره ، قال : لأن تكبيرة الإحرام لم تفسد ؛ لأنه لا يختلف قوله أنه إذا كبر وحده أنها صحيحة . فصرح أبو حفص بأنه لو صلى ركعتين فذا ، ثم دخل في الصف ، أو وقف مع غيره أنه يعيد ما صلى فذا وحده .
ورد القاضي أبو يعلى قوله - فيما قرأته بخطه - بأن القياس يقتضي بطلان الصلاة فذا في تكبيره والركوع ، لأن ما أبطل جميع الصلاة يفسد بعضها ، كالحدث . قال : وإنما أجاز ذلك القدر لحديث أبي بكرة . يعني : أن أحمد أجاز صلاة الفذ إذا لم يتم الركعة فذا ؛ لحديث أبي بكرة .
فإن دخل في الصف ، أو قام معه آخر قبل رفع الإمام ، فمن الأصحاب من قال : يصح له ركعة بغير خلاف ، لإدراكه الركعة في الصف ، ومنهم من حكى فيه روايتين أيضا . وإن كان ذلك بعد أن رفع وقبل السجود ففيه روايتان : أصحهما : أنه لا يعتد بتلك الركعة ، لأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة . والثانية : تصح ؛ لأنه أدرك في الصف السجدتين ، وهما معظم الركعة .
وفي بطلان صلاته من أصلها وبنائه على تكبيرته روايتان - أيضا - على ما حكاه أبو حفص . وأما القاضي أبو يعلى وأصحابه ، فقالوا : تبطل صلاته رواية واحدة . وأكثر النصوص عن أحمد تدل على البطلان .
والله أعلم .