باب إتمام التكبير في الركوع
باب إتمام التكبير في الركوع قاله ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفيه : مالك بن الحويرث . 784 - حدثنا إسحاق الواسطي ، ثنا خالد ، عن الجريري ، عن أبي العلاء ، عن مطرف ، عن عمران بن حصين ، قال : صلى مع علي - رضي الله عنه - بالبصرة ، فقال : ذكرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر أنه كان يكبر كلما رفع وكلما وضع .
.. . مضطرب إسناده ، والحسن بن عمران مجهول ، وابن عبد الرحمن بن أبزى ، قيل : إنه عبد الله ، وقيل : إنه سعيد . قال أحمد : هو أشبه .
وروي أنه محمد ، ومحمد هذا غير معروف . وفسر الإمام أحمد نقص التكبير بأنهم لا يكبرون في الانحطاط للسجود ، ولا في الانحطاط للسجدة الثانية : نقله عنه ابن منصور . ونقل عن إسحاق ، أنه قال : إنما نقصوا التكبير للسجدة الثانية خاصة .
وقد روي عن أبي موسى الأشعري ، أنه قال : لما صلى خلف علي بالبصرة مثل قول عمران بن حصين ، لقد ذكرنا علي بن أبي طالب صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : إما نسيناها ، وإما تركناها عمدا ، يكبر كلما خفض ، وكلما رفع ، وكلما سجد . خرجه الإمام أحمد . وفي إسناده اختلاف ؛ رواه أبو إسحاق السبيعي ، واختلف عنه : فقيل : عنه ، عن الأسود بن يزيد ، عن أبي موسى .
وقيل : عنه ، عن بريد بن أبي مريم ، عن أبي موسى . وقيل : عنه ، عن بريد بن أبي مريم ، عن رجل من بني تميم ، عن أبي موسى . ورجحه الدارقطني .
ولذلك لم يخرج حديثه هذا في الصحيح . وأكثر العلماء على التكبير في الصلاة في كل خفض ورفع ، وقد كان ابن عمر وجابر وغيرهما من الصحابة يفعلونه ويأمرون به . وممن روي عنه إتمام التكبير : عمر بن الخطاب وابن مسعود وعلي وأبو موسى وأبو هريرة وابن عباس .
وروى عبد الرحمن بن الأصم ، قال : سمعت أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يتمون التكبير . خرجه الإمام أحمد . وخرجه النسائي ، وزاد فيه : وعثمان .
وقال سفيان عن منصور ، عن إبراهيم : أول من نقص التكبير زياد . وقال ثوير بن أبي فاختة ، عن أبيه ، عن ابن مسعود : إن أول من نقص التكبير : الوليد بن عقبة ، فقال ابن مسعود : نقصوها نقصهم الله . خرجه البزار وغيره .
وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث ابن مسعود ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود ، وأبو بكر وعمر . زاد النسائي : وعثمان . وكان بنو أمية ينقصون التكبير ، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ، والظن به أنه لم تبلغه السنة الصحيحة في ذلك ، ولو بلغته لكان أتبع الناس لها .
وروي عن القاسم وسالم وسعيد بن جبير ، أنهم كانوا لا يتمون التكبير . ذكره ابن المنذر وغيره . وقد سبق تفسير ترك إتمام التكبير ، ومن فهم عنهم أنهم كانوا لا يكبرون في الصلاة غير تكبيرة الإحرام فقد وهم فيما فهم .
وأما ما حكاه ابن عبد البر ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده ، وذكر أن أحمد بن حنبل حكاه عنه في رواية ابن منصور . فهذا وهم منه - رحمه الله - على أحمد ، فإن مراد أحمد التكبير في أدبار الصلوات أيام التشريق . ويدل عليه : أن أحمد في تمام هذه الرواية حكى - أيضا - عن قتادة ، أنه كان يكبر إذا صلى وحده ، ثم قال : وأحب إلي أن يكبر من صلى وحده في الفرض ، وأما النافلة فلا .
ولم يرد أحمد أن صلاة النافلة لا يكبر فيها للركوع والسجود والجلوس ، فإن هذا لم يقله أحمد قط ، ولا فرق أحد بين الفرض والنفل في التكبير . وأما حديث ابن أبزى ، فقد تقدم الكلام على ضعفه ، ولو صح حمل على أنه لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - إتمام التكبير ، لا أنه لم يكن يكبر في سجوده ورفعه . وهكذا المروي عن عثمان ، فإنه لما كبر وضعف خفض صوته به أو أسره .
وأكثر الفقهاء على أن التكبير في الصلاة - غير تكبيرة الإحرام - سنة ، لا تبطل الصلاة بتركه عمدا ولا سهوا . وذهب أحمد وإسحاق إلى أن من ترك تكبيرة من تكبيرات الصلاة عمدا فعليه الإعادة ، وإن كان سهوا فلا إعادة عليه في غير تكبيرة الإحرام . وأنكر أحمد أن يسمى شيء من أفعال الصلاة وأقوالها سنة ، وجعل تقسيم الصلاة إلى سنة وفرض بدعة ، وقال : كل ما في الصلاة واجب ، وإن كانت الصلاة لا تعاد بترك بعضها .
وكذلك أنكر مالك تقسيم الصلاة إلى فرض وسنة ، وقال : هو كلام الزنادقة . وقد ذكرنا كلامه في موضع آخر . وكذلك ذكر الآبري في مناقب الشافعي بإسناده عن الواسطي ، قال : سمعت الشافعي يقول : كل أمور الصلاة عندنا فرض .
وقال - أيضا - : قرأت عن الحسين بن علي ، قال : سئل الشافعي عن فريضة الحج ؟ قال : الحج من أوله إلى آخره فرض ، فمنه ما إن تركه بطل حجه ، فمنه الإحرام ، ومنه الوقوف بعرفات ، ومنه الإفاضة . وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله : كل شيء في الصلاة مما ذكره الله فهو فرض . وهذا قيد حسن .
وسمى أصحاب أحمد هذه التكبيرات التي في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام واجبات ؛ لأن الصلاة تبطل بتركها عمدا عندهم . وحكي عن أحمد رواية أن هذه التكبيرات من فروض الصلاة ، لا تسقط الصلاة بتركها عمدا ولا سهوا . وحكي عنه رواية أخرى : أنها فرض في حق غير المأموم ، وأما المأموم فتسقط عنه بالسهو .
وروي عن ابن سيرين وحماد ، أنه من أدرك الإمام راكعا وكبر تكبيرة واحدة للإحرام لم يجزئه حتى يكبر معها تكبيرة الركوع . وقال ابن القاسم - صاحب مالك - : من أسقط من التكبير في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد للسهو قبل السلام ، فإن لم يسجد بطلت صلاته ، وإن نسي تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد للسهو - أيضا - فإن لم يفعل فلا شيء عليه . وروي عنه ، أن التكبيرة الواحدة لا سجود على من سها عنها .
قال ابن عبد البر : هذا يدل على أن عظم التكبير وجملته عنده فرض ، وأن اليسير منه متجاوز عنه . وأكثر أصحاب مالك على أن هذه التكبيرات تسمى سننا ، كما يقوله أصحاب الشافعي وغيرهم ، وأن الصلاة لا تبطل بتركها عمدا ولا سهوا ، وحكي رواية عن أحمد . وقال سعيد بن جبير في التكبير : كلما خفض ورفع ، إنما هو شيء يزين به الرجل الصلاة .
وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : من نسي شيئا من تكبيرات الصلاة ، أو سمع الله لمن حمده فإنه يقضيه حين يذكره . وهذا مذهب غريب ، وجمهور العلماء على أنه يفوت بفوات محله ، فلا يعاد في غير محله . واستدل من أوجب ذلك بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه قال : صلوا كما رأيتموني أصلي .
وكان يصلي بهذا التكبير ، وقال في الإمام : إذا كبر فكبروا . وهذا يعم كل تكبير في الصلاة . وقال - في حديث أبي موسى - : فإذا كبر الإمام وركع فاركعوا .
وكذا قال في السجود . خرجه مسلم . وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الصلاة : إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ، فدل على أن الصلاة لا تخلو من التكبير ، كما لا تخلو من قراءة القرآن ، وكذلك التسبيح .
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم المسيء في صلاته التكبير للركوع والسجود ، من حديث رفاعة بن رافع ، وأخبره أنه لا تتم صلاته بدون ذلك . خرجه أبو داود وغيره . واستدل الإمام أحمد لسقوطه بالسهو بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نسي التشهد الأول ، فأتم صلاته ، وسجد للسهو .
وقد ترك بتركه التشهد التكبيرة للجلوس له ، فدل على أنها تسقط بالسهو ، ويجبر بالسجود له . واستدل - أيضا - على سقوطه بالسهو بحديث : كان لا يتم التكبير ، فكأنه حمله على حالة السهو .