حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب من استوى قاعدا في وتر من صلاته ثم نهض

باب من استوى قاعدا في وتر من صلاته ثم نهض 823 - ثنا محمد بن الصباح ، ثنا هشيم ، أنا خالد ، عن أبي قلابة ، أنا مالك بن الحويرث الليثي ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا . وقد خرجه في الباب الآتي من طريق أيوب ، عن أبي قلابة ، عن مالك ، وفي حديثه : أنه جلس واعتمد على الأرض ، ثم قام . وقد سبق من وجه آخر بهذا الإسناد ، وفيه : كان يقعد في الثالثة أو الرابعة .

وهذا لا معنى له ؛ لأن قعوده في الرابعة لا بد منه للتشهد . وروى هذا الحديث أنيس بن سوار الحنفي ، قال : حدثني أبي ، قال : كنت مع أبي قلابة ، فجاءه رجل من بني ليث ، يقال له : مالك بن الحويرث ، من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ألا أريكم كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ؟ قلنا : بلى ، فصلى لنا ركعتين ، فأوجز فيهما . قال أبي : فاختلفت أنا وأبو قلابة ، قال أحدنا : لزق بالأرض ، وقال الآخر : تجافى .

خرجه الخلال في كتاب العلل . وقال الإمام أحمد في حديث مالك بن الحويرث في الاستواء إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى ، قال : هو صحيح ، إسناده صحيح . وقال - أيضا - : ليس لهذا الحديث ثان .

يعني : أنه لم ترو هذه الجلسة في غير هذا الحديث . وهذا يدل على أن ما روي فيه هذه الجلسة من الحديث غير حديث مالك بن الحويرث ، فإنه غير محفوظ ، فإنها قد رويت في حديث أبي حميد وأصحابه في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه .

وذكر بعضهم أنه خرجه أبو داود والترمذي ، وإنما خرجا أصل الحديث ، ولم نجد في كتابيهما هذه اللفظة . والظاهر - والله أعلم - : إنها وهم من بعض الرواة ، كرر فيه ذكر الجلوس بين السجدتين غلطا . وبعضهم ذكر سجوده ، ثم جلوسه ، ثم ذكر أنه نهض .

كذا في رواية الترمذي وغيره . فظن بعضهم ، أنه نهض عن جلوس ، وليس كذلك ، إنما المراد بذلك الجلوس : جلوسه بين السجدتين ، ولم يذكر صفة الجلسة الثانية لاستغنائه عنها بصفة الجلسة الأولى . وقد خرج أبو داود حديث أبي حميد وأصحابه من وجه آخر ، وفيه : أنه سجد ، ثم جلس فتورك ، ثم سجد ، ثم كبر فقام ولم يتورك .

وهذه الرواية صريحة في أنه لم يجلس بعد السجدة الثانية . ويدل عليه : أن طائفة من الحفاظ ذكروا أن حديث أبي حميد ليس فيه ذكر هذه الجلسة . واستدل بعضهم - أيضا - بالحديث الذي خرجه البخاري في صحيحه هذا في كتاب الاستئذان و أبواب السلام في باب من رد فقال : عليك السلام ، خرج فيه حديث المسيء في صلاته ، من رواية ابن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، أن رجلا دخل المسجد فصلى ، ثم جاء فسلم - فذكر الحديث بطوله ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ، ثم ارفع حتى تستوي قائما ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها .

قال : وقال أبو أسامة في الأخير : حتى تستوي قائما . يعني : أنه ذكر بدل الجلوس : القيام . ثم خرج من حديث يحيى القطان ، عن عبيد الله ، عن سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ثم ارفع حتى تطمئن جالسا .

يعني : أنه وافق ابن نمير في ذكر الجلوس . فهذه اللفظة قد اختلف فيها في حديث أبي هريرة هذا ، فمن الرواة من ذكر أنه أمره بالجلوس بعد السجدتين ، ومنهم من ذكر أنه أمره بالقيام بعدهما ، وهذا هو الأشبه ؛ فإن هذا الحديث لم يذكر أحد فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه شيئا من سنن الصلاة المتفق عليها ، فكيف يكون قد أمره بهذه الجلسة ؟ هذا بعيد جدا . ثم وجدت البيهقي قد ذكر هذا ، وذكر أن أبا أسامة اختلف عليه في ذكر هذه الجلسة الثانية بعد السجدتين .

قال : والصحيح عنه : أنه قال بعد ذكر السجدتين : ثم ارفع حتى تستوي قائما . قال : وقد رواه البخاري في صحيحه عن إسحاق بن منصور ، عن أبي أسامة - وذكر رواية ابن نمير ، ولم يذكر تخريج البخاري لها ، ولم يذكر يحيى بن سعيد في روايته السجود الثاني ، ولا ما بعده من القعود أو القيام . قال : والقيام أشبه بما سيق الخبر لأجله من عد الأركان دون السنن .

والله أعلم . قلت : وهذا يدل على أن ذكر الجلسة الثانية غير محفوظة عن يحيى . وفي حديث يحيى بن خلاد الزرقي ، عن أبيه ، عن عمه رفاعة بن رافع ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه علم المسيء في صلاته ، وقال له بعد أن أمره بالسجود ، ثم بالقعود ، ثم بالسجود ، فقال له : ثم قم .

وخرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ . واستدل به على أنه لا يجلس قبل قيامه . وخرجه الترمذي - أيضا - وحسنه .

مع أن حديث رفاعة هذا فيه تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا المسيء أشياء من مسنونات الصلاة . وقد روي في حديث رفاعة هذا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ثم انهض قبل أن تستوي قاعدا . خرجه الحافظ أبو محمد الحسن بن علي الخلال .

ولكن إسناده ضعيف . وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، أن أبا مالك الأشعري جمع قومه ، فقال : اجتمعوا أعلمكم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث ، وفيه : أنه صلى بهم ، وذكر صفة صلاته ، وقال فيها : ثم كبر وخر ساجدا ، ثم كبر فرفع رأسه ، ثم كبر فسجد ، ثم كبر فانتهض قائما ، فلما قضى صلاته قال : احفظوا ؛ فإنها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وخرج أبو داود بعض الحديث ، ولم يتمه .

وفي جلسة الاستراحة : حديث عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : إذا رفع أحدكم رأسه من السجدة الثانية فليلزق أَليتيه بالأرض ، ولا يفعل كما تفعل الإبل ؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ذلك توقير الصلاة . خرجه العقيلي من رواية أبي خالد القرشي ، عن علي بن الحزور ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن علي . وهذا إسناد ساقط ، والظاهر : أن الحديث موضوع ، وأبو خالد ، الظاهر : أنه عمرو بن خالد الواسطي ، كذاب مشهور بالكذب ، وعلي بن الحزور ، قال ابن معين : لا يحل لأحد أن يروي عنه ، والأصبغ بن نباتة ضعيف جدا .

وهذه الجلسة تسمى جلسة الاستراحة ، وأكثر الأحاديث ليس فيها ذكر شيء من ذلك ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره . وقد اختلف العلماء في استحبابها في الصلاة : فقالت طائفة : هي مستحبة . وهو قول حماد بن زيد والشافعي - في أشهر قوليه - وأحمد - في رواية عنه - ذكر الخلال : أن قوله استقر عليها ، واختارها الخلال وصاحبه أبو بكر بن جعفر .

وقال الأكثرون : هي غير مستحبة ، بل المستحب إذا رفع رأسه من السجدة الثانية أن ينهض قائما ، حكاه أحمد عن عمر وعلي وابن مسعود ، وذكره ابن المنذر عن ابن عباس . وذكر بإسناده ، عن النعمان بن أبي عياش ، قال : أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة - أول ركعة والثالثة - قام كما هو ولم يجلس . وروي - أيضا - عن أبي ريحانة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم .

وروي معناه عن ابن عمر أيضا . خرجهما حرب الكرماني . وقال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم .

وممن قال ذلك : عبادة بن نسي وأبو الزناد والنخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ، وأحمد في المشهور من مذهبه عند عامة أصحابه . ومن أصحابنا وأصحاب الشافعي من قال : هي مستحبة لمن كبر وثقل بدنه ؛ لأنه يشق عليه النهوض معتمدا على ركبته من غير جلسة . وحمل أبو إسحاق المروزي القولين للشافعي على اختلاف حالين ، لا على اختلاف قولين ، وحملوا حديث مالك بن الحويرث على مثل ذلك ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقعد أحيانا لما كبر وثقل بدنه ؛ فإن وفود العرب إنما وفدت على النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر عمره .

ويشهد لذلك ، أن أكابر الصحابة المختصين بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا يفعلون ذلك في صلاتهم ، فدل على أنهم علموا أن ذلك ليس من سنن الصلاة مطلقا . وروى حرب الكرماني ، عن إسحاق بن راهويه روايتين : إحداهما : تستحب جلسة الاستراحة لكل أحد . والثانية : لا تستحب إلا لمن عجز عن النهوض عن صدر قدميه .

وهي رواية ابن منصور ، عن إسحاق أيضا . ومن لم يستحب هذا الجلوس بالكلية ، قال : إنه من الأفعال المباحة التي تفعل في الصلاة للحاجة إليها ، كالتروح لكرب شديد ، ودفع المؤذي ، ونحو ذلك مما ليس بمسنون ، وإنما هو مباح .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث