باب وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطهور
ثنا علي بن عبد الله ، ثنا سفيان ، حدثني صفوان بن سليم ، عن عطاء ابن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم . مراده بهذا الحديث هاهنا : الاستدلال به على أن الغسل الواجب لا يجب إلا على من بلغ الحلم ، وهو المراد بالمحتلم في هذا الحديث ، كما أن قوله : لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ، إنما أراد به من بلغت المحيض . وقد اختلف العلماء في معنى الوجوب في هذا الحديث : هل هو على ظاهره ، أم المراد به التأكيد ؟ وفيه خلاف يأتي في موضع آخر - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
فإن قيل : إنه على ظاهره ، وإنه يأثم بتركه ، فإن هذا الوجوب يختص بالبالغ ولا يدخل فيه الصبي ، اللهم ، إلا على رأي من أوجب الصلاة على من بلغ عشرا من الصبيان ، كما هو قول طائفة من أصحابنا ، فإنهم اختلفوا في وجوب الجمعة عليه ، ولهم فيه وجهان ، أصحهما : لا يجب . فإن قيل بوجوبها عليه توجه وجوب الغسل عليه - أيضا - وهو ضعيف لأنه مبطل فائدة تخصيص الوجوب في هذا الحديث بالمحتلم . وإن قيل : إن الوجوب في الحديث إنما أريد به تأكيد الاستحباب ، فهل يدخل فيه الصبي ؟ لا يخلو الصبي ، إما أن لا يريد حضور الجمعة ، فلا يؤمر بالغسل لها ، وإما أن يريد حضورها مع الرجال ، ففي استحباب الغسل له وجهان لأصحابنا .
وينبغي أن لا يتأكد الاستحباب في حقه كتأكيده على الرجال ؛ لئلا تبطل فائدة تخصيص الوجوب بالمحتلم في الحديث . ومذهب مالك ؛ أنه يغتسل إذا أراد شهود الجمعة . وأما وجوب الغسل على الصبي إذا وجد منه ما يوجب الغسل على البالغ ، مثل أن يطأ ويولج في فرج امرأة ، أو تكون الزوجة الموطأة صغيرة لم تبلغ ، فيطؤها الرجل ، فهل يجب عليها وعلى الصبي الواطئ - بغير إنزال - الغسل ؟ فيه قولان مشهوران للفقهاء : أحدهما : يجب ، وهو نص أحمد ، واختيار ابن شاقلا وغيره من أصحابنا ، وهو قول إسحاق بن راهويه .
وقالت الشافعية : يصير بذلك جنبا ، ويمنع مما يمنع منه الجنب حتى يغتسل ، ويلزم وليه أن لا يمكنه مما يمنع منه الجنب حتى يغتسل . ولم يقولوا : إن غسله واجب ، لئلا يتوهم أنه مكلف به . والثاني : لا يجب ، بل يستحب ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، وأبي ثور ، وأصحابنا ؛ لأن الغسل عبادة بدنية ، فلا تلزم الصبي ، كالصوم والصلاة .
قال المحققون من أصحابنا : وهذا لا يصح ؛ لأنه ليس المعني بوجوبه تأثيمه بتركه لينافيه الصغر ، بل فائدته اشتراطه لصحة صلاته وطوافه ، وتمكينه من مس المصحف ، وقراءة القرآن ، واللبث في المسجد ، وإلزامه به إذا بلغ ، وتغسيلنا له يشبه ما لو قتل شهيدا قبل أن يغتسل ، وغير ذلك من الأحكام ، والصغر لا ينافي ذلك ، كما لم يناف إيجاب الوضوء عليه بموجباته بهذا المعنى - أيضا . ولا نعلم خلافا أن الصبي المميز تصح طهارته ويرتفع حدثه ، ولو بلغ بعد أن توضأ لجاز أن يصلي بذلك الوضوء الفرض ، ولا نعلم في ذلك خلافا ، إلا وجها شاذا للشافعية ، لا تعويل عليه . ولكن ؛ هل يوصف وضوؤه قبل بلوغه بالوجوب ؟ فيه لأصحابنا وجهان .
وهذا الخلاف يشبه الخلاف في تسمية غسله واجبا ، على ما سبق . ويشبه تخريج هذا الخلاف في تسميته واجبا عليه بدون إرادة الصلاة ، على الخلاف في أن الموجب للطهارة ، هل هو الحدث ، أو إرادة الصلاة ؟ وفيه اختلاف مشهور . ويمكن أخذه من اختلاف الروايتين ، عن أحمد في غسل الحائض للجنابة في حال حيضها .
وأما أن الصبي ممنوع من الصلاة بدون الطهارة ، فمتفق عليه . نعم ؛ في جواز تمكين الصبي من مس لوحه الذي يكتب فيه القرآن روايتان عن أحمد ، ومن أصحابنا من حكى الخلاف في مسهم لمصاحفهم . ووجه عدم اشتراطه : أن حاجتهم إلى ذلك داعية ، ويشق منعهم منه بدون طهارة ، لتكرره ، ووضوؤهم لا يتحفظ غالبا .
وهو - أيضا - قول الحنفية ، وأصح الوجهين للشافعية ؛ لهذا المعنى . وهذا كله في حق الصبي المميز ، فأما من لا تميز له فلا طهارة له ولا صلاة ، ولو توضأ لم يؤثر استعماله في الماء شيئا . وأما المميز إذا توضأ بالماء ، فهل يصير مستعملا ؟ فيه لأصحابنا وجهان .
ويحسن بناؤها على أن وضوءه : هل يوصف بالوجوب ، أو بالاستحباب ؟ والأظهر : أنه يصير مستعملا ، لأنه قد رفع حدثه ، وأزال منعه من الصلاة . وهو - أيضا - أصح الوجهين للشافعية . والثاني لهم : ليس بمستعمل ، لأنه لم يؤد به فرضا .
قالوا : والصحيح : أنه مستعمل ؛ لأن المراد بفرض الطهارة ما لا تجوز الصلاة ونحوها إلا به ، لا ما يأثم بتركه .