باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد
باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد 873 - حدثنا مسدد ، ثنا يزيد بن زريع ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا يمنعها . قد تقدم هذا الحديث بأتم من هذا السياق . وقد روي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه أخر : خرجه الإمام أحمد وأبو داود من رواية محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، ولكن ليخرجن وهن تَفِلَاتٌ .
وخرجه الإمام أحمد من حديث زيد بن خالد الجهني وعائشة ، وفي حديث عائشة أنها قالت : لو رأى حالهن اليوم لمنعهن . فهذه الأحاديث : تدل على أمرين : أحدهما : أن المرأة لا تخرج إلى المسجد بدون إذن زوجها ، فإنه لو لم يكن له إذن في ذلك لأمرها أن تخرج إن أذن أو لم يأذن . وخرج ابن أبي شيبة من حديث ابن عمر - مرفوعا - : حق الزوج على زوجته لا تخرج من بيتها إلا بإذنه ، فإن فعلت لعنتها ملائكة الله ، وملائكة الرحمة ، وملائكة الغضب ، حتى تتوب أو تراجع .
وفي إسناده : ليث بن أبي سليم ، وقد اختلف عليه في إسناده . وخرج البزار نحوه من حديث ابن عباس . وفي إسناده : حسين بن علي الرحبي ، ويقال له : حنش ، وهو ضعيف الحديث .
وخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث قتادة ، عن مورق ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المرأة عورة ، فإذا خرجت استشرفها الشيطان . زاد ابن حبان : وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ مِنْ رَبِّهَا إِذَا هِيَ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا . وصححه الترمذي .
وإسناده كلهم ثقات . قال الدارقطني : رفعه صحيح من حديث قتادة ، والصحيح عن أبي إسحاق وحميد بن هلال ، أنهما روياه عن أبي الأحوص ، عن عبد الله موقوفا . ولا نعلم خلافا بين العلماء : أن المرأة لا تخرج إلى المسجد إلا بإذن زوجها ، وهو قول ابن المبارك والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم .
لكن من المتقدمين من كان يكتفي في إذن الزوج بعلمه بخروج المرأة من غير منع ؛ كما قال بعض الفقهاء : إن العبد يصير مأذونا له في التجارة بعلم السيد بتصرفه في ماله من غير منع . فروى مالك ، عن يحيى بن سعيد ، أن عاتكة بنت زيد كانت تستأذن زوجها عمر بن الخطاب إلى المسجد ، فيسكت ، فتقول : والله ، لأخرجن ، إلا أن تمنعني ، فلا يمنعها . وروي عن ابن عمر ، قال : كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في جماعة ، فقيل لها : لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار ؟ فقالت : ما يمنعه أن ينهاني ؟ قالوا : يمنعه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله .
خرجه البخاري من حديث عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر . وخرجه الإمام أحمد من رواية سالم ، عن عمر - منقطعا . والأمر الثاني : أن الزوج منهي عن منعها إذا استأذنته ، وهذا لا بد من تقييده بما إذا لم يخف فتنة أو ضررا .
وقد أنكر ابن عمر على ابنه لما قال له : والله ، لنمنعهن ، أشد الإنكار ، وسبه ، وقال له : تسمعني أقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول : لنمنعهن ؟ . وقد تقدم عن عمر عدم المنع . وممن قال : لا يمنعن : ابن المبارك ومالك وغير واحد .
وحكي عن الشافعي ، أن له المنع من ذلك ، وقاله القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا . وروى سعيد بن أبي هلال ، عن محمد بن عبد الله بن قيس ، أن رجالا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إن نساءنا استأذنونا في المسجد ، فقال : احبسوهن ، ثم إنهن عدن إلى أزواجهن ، فعاد أزواجهن إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : احبسوهن ، ثم إنهن عدن إلى أزواجهن ، فقالوا : يا رسول الله ، قد استأذننا حتى إنا لنخرج . قال : فإذا أرسلتموهن ، فأرسلوهن تفلات .
وهذا مرسل غريب . ومن هؤلاء من حمل قوله : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله على النهي عن منعهن من حجة الإسلام ، وهو في غاية البعد ، ورواية من روى تقييده بالليل تبطل ذلك . ومنهم من حمله على الخروج للعيدين ، وهو بعيد - أيضا - ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن من عادته صلاة العيدين في المسجد .
ومن أصحابنا من قال : يكره منعهن إذا لم يكن في خروجهن ضرر ولا فتنه ، فحملوا النهي على الكراهة . وقال صاحب المغني منهم : ظاهر الحديث يمنعه من منعها . قلت : وهو ظاهر ما روي عن عمر وابن عمر ، كما تقدم .
وكذلك مذهب مالك : لا يمنع النساء من الخروج إلى المسجد . وبكل حال ؛ فصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد . خرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تمنعوا نساءكم المساجد ، وبيوتهن خير لهن .
وخرج الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث أم حميد - امرأة أبي حميد - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها : صلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك ، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي . قال : فأمرت ، فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه ، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل . وخرج أبو داود معناه من حديث ابن مسعود .
والبيهقي معناه - أيضا - من حديث عائشة . وخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خير مساجد النساء قعر بيوتهن . وخرجه الطبراني من وجه آخر ، عن أم سلمة ، بمعنى الأحاديث التي قبله .
وقد تقدم عن ابن مسعود ، أن صلاتها في مسجد مكة والمدينة أفضل من صلاتها في بيتها .