باب فضل الغسل يوم الجمعة وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء
ثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم . وهذا الحديث إنما يدل على تخصيص المحتلمين بوجوب الغسل ، كما سبق ذكره في باب : وضوء الصبيان وطهارتهم . وقد تقدم ما يدل على أن المأمورين بالغسل هم الآتون للجمعة ، فيستدل بذلك على اختصاص الإتيان للجمعة بمن بلغ الحلم ، دون من لم يبلغ .
وقد خرج النسائي من رواية عياش بن عباس ، عن بكير بن الأشج ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : رواح الجمعة واجب على كل محتلم . وهذا صريح بأن الرواح إنما يجب على المحتلم ، فيفهم منه أنه لا يجب على من لم يحتلم . وخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه ، ولفظ أبي داود : على كل محتلم رواح الجمعة ، وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل .
وقد أعل ، بأن مخرمة بن بكير رواه عن أبيه ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير ذكر حفصة . وهو أصح عند الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما ؛ فإن ابن عمر صرح بأنه سمع حديث الغسل من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن هل حديث مخرمة موافق لحديث عياش في لفظه ، أم لا ؟ وقد سبق القول في وجوب الجمعة على من لم يحتلم من الصبيان في باب : وضوء الصبيان . وحديث عمر وابن عمر فيهما التصريح بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغسل للجمعة ، وحديث أبي سعيد فيه التصريح بوجوبه .
وقد اختلف العلماء في غسل الجمعة : هل هو واجب - بمعنى : أنه يأثم بتركه مع القدرة عليه بغير ضرر - أم هو مستحب - فلا يأثم بتركه بحال - ؟ ولم يختلفوا أنه ليس بشرط لصحة صلاة الجمعة ، وأنها تصح بدونه ، ولهذا أقر عمر والصحابة من شهد الجمعة ولم يغتسل ، ولم يأمروه بالخروج للغسل . وقد استدل - أيضا - بذلك الشافعي وغيره على أنه غير واجب ؛ لأنه لو كان واجبا لأمروه بالخروج له . وأجاب بعضهم عن ذلك : بأنهم قد يكونوا خافوا عليه فوات الصلاة لضيق الوقت .
وأكثر العلماء على أنه يستحب ، وليس بواجب . وذكر الترمذي في كتابه أن العمل على ذلك عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم . وهذا الكلام يقتضي حكاية الإجماع على ذلك .
وقد حكي عن عمر وعثمان ، ومستند من حكاه عنهما : قصة عمر مع الداخل إلى المسجد ؛ فإنه قد وقع في رواية أنه كان عثمان ، وسنذكرها - إن شاء الله تعالى . وممن قال : هو سنة : ابن مسعود . وروي عن ابن عباس ، أنه غير واجب ، وعن عائشة وغيرهم من الصحابة ، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار : الثوري ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق .
ورواه ابن وهب ، عن مالك ، وأنه قيل له : في الحديث : هو واجب ؟ قال ليس كل ما في الحديث : هو واجب يكون كذلك . وهو اختيار عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره من أصحابه . واستدل من قال : ليس بواجب : بما روي عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وحسنه . وقد اختلف في سماع الحسن من سمرة . وخرجه ابن ماجه من حديث يزيد الرقاشي ، عن أنس - مرفوعا - أيضا .
ويزيد ، ضعيف الحديث . وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وزيادة ثلاثة أيام . وهذا يدل على أن الوضوء كاف ، وأن المقتصر عليه غير آثم ولا عاص ، وأما الأمر بالغسل فمحمول على الاستحباب .
وقد روي من حديث عائشة وابن عباس ما يدل على ذلك ، وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى . وأما رواية الوجوب ، فالوجوب نوعان : وجوب حتم ، ووجوب سنة وفضل . وذهبت طائفة إلى وجوب الغسل ، وروي عن أبي هريرة ، والحسن ، وروي - أيضا - عن سعد ، وعمار ، وابن عباس - في رواية أخرى عنه - وعن عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود ، وعطاء بن السائب ، وعمرو بن سليم وغيرهم من المتقدمين .
وحكي رواية عن أحمد ، قال أحمد - في رواية حرب وغيره - : أخاف أن يكون واجبا ، إلا أن يكون برد شديد . وهذا لا يدل على الوجوب جزما . وهو رواية عن مالك ، ولم يذكر في تهذيب المدونة سواها .
وذكر ابن عبد البر : أنه لا يعلم أحدا قال : إنه يأثم بتركه ، غير أهل الظاهر ، وأن من أوجبه ، قال : لا يأثم بتركه . وحكى - أيضا - الإجماع على أنه ليس بفرض واجب . وذكر عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : غسل الجمعة واجب ؟ قال : نعم ، من تركه فليس بآثم .
قال عبد الرزاق : وهو أحب القولين إلى سفيان ، يقول : هو واجب . يعني : وجوب سنة . وذكر ابن عبد البر قولين للعلماء ، وذكر أنه أشهر الروايتين ، عن مالك .
والثاني : أنه مستحب وليس بسنة ، بل هو كالطيب والسواك ، وحكاه رواية عن مالك . وحكى عن بعضهم : أن الطيب يغني عنه ، حكاه عن عطاء الخراساني ، وعن عبد الكريم بن الحارث المصري ، وعن موسى بن صهيب ، قال : كانوا يقولون ذلك . وعن النخعي ، قال : ما كانوا يرون غسلا واجبا إلا غسل الجنابة ، وكانوا يستحبون غسل الجمعة .
فابن عبد البر لم يثبت في وجوب غسل الجمعة - بمعنى كونه فرضا يأثم بتركه - اختلافا بين العلماء المعتبرين ، وإنما خص الخلاف في ذلك بأهل الظاهر . والأكثرون : أطلقوا حكاية الخلاف في وجوب غسل الجمعة ، وحكوا القول بوجوبه عن طائفة من السلف ، كما حكاه ابن المنذر ، عن أبي هريرة وعمار ، وعن مالك - أيضا . والذي ذكره ابن عبد البر هو التحقيق في ذلك - والله أعلم - وأن من أطلق وجوبه إنما تبع في ذلك ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من إطلاق اسم الواجب عليه ، وقد صرح طائفة منهم بأن وجوبه لا يقتضي الإثم بتركه ، كما حمل أكثر العلماء كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على مثل ذلك - أيضا .
وممن صرح بهذا : عطاء ، كما سبق ذكره عنه ، ومنهم : يحيى بن يحيى النيسابوري ، والجوزجاني . وقد تبين بهذا أن لفظ الواجب ليس نصا في الإلزام بالشيء والعقاب على تركه ، بل قد يراد به ذلك - وهو الأكثر - وقد يراد به تأكد الاستحباب والطلب . ولهذا قال إسحاق : إن كل ما في الصلاة فهو واجب ، وإن كانت الصلاة تعاد من ترك بعضه ، كما سبق ذكره عنه .
وسبق - أيضا - عن الشافعي وأحمد في لفظ : الفرض ما يدل على نحو ذلك ، فالواجب أولى ؛ لأنه دون الفرض . ونص الشافعي - في رواية البويطي - على أن صلاة الكسوف ليست بنفل ، ولكنها واجبة وجوب السنة . وهذا تصريح منه بأن السنة المتأكدة تسمى واجبا .
والله أعلم .