حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب من أين تؤتى الجمعة وعلى من تجب

باب من أين تؤتى الجمعة ، وعلى من تجب ؟ لقول الله عَزَّ وَجَلَّ : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله . وقال عطاء : إذا كنت في قرية جامعة ، فنودي بالصلاة من يوم الجمعة ، فحق عليك أن تشهدها ، سمعت النداء أو لم تسمعه . وكان أنس بن مالك في قصره ، أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع ، وهو بالزاوية على فرسخين .

تضمن هذا الذي ذكره مسألتين : إحداهما : أن من هو في قرية تقام فيها الجمعة ، فإنه إذا نودي فيها بالصلاة للجمعة وجب عليه السعي إلى الجمعة ، وشهودها ، سواء سمع النداء أو لم يسمعه ، وقد حكاه عن عطاء . وهذا الذي في القرية ، إن كان من أهلها المستوطنين بها ، فلا خلاف في لزوم السعي إلى الجمعة له ، وسواء سمع النداء أو لم يسمع ، وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد ، ونقل بعضهم الاتفاق عليه . وإن كان من غير أهلها ، فإن كان مسافرا يباح له القصر ، فأكثر العلماء على أنه لا يلزمه الجمعة مع أهل القرية ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن المسافر لا جمعة عليه .

وحكي عن الزهري والنخعي ، أنه يلزمه تبعا لأهل القرية . وروي عن عطاء - أيضا - أنه يلزمه . وكذا قال الأوزاعي : إن أدركه الأذان قبل أن يرتحل فليجب .

وإن كان المسافر قد نوى إقامة بالقرية تمنعه من قصر الصلاة ، فهل يلزمه الجمعة ؟ فيه وجهان لأصحابنا . وأوجب عليه الجمعة في هذه الحال : مالك وأبو حنيفة ، ولم يوجبها عليه الشافعي وأصحابه . المسألة الثانية : أن من كان خارج القرية أو المصر الذي تقام فيه الجمعة ، هل تلزمه الجمعة مع أهل القرية أو المصر ، أم لا ؟ هذا مما اختلف فيه العلماء : فقالت طائفة : لا تلزم من كان خارج المصر أو القرية الجمعة مع أهله بحال ، إذا كان بينهم وبين المصر فرجة ، ولو كانوا من ربض المصر .

وهذا قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ، إلحاقا لهم بأهل القرى ، فإن الجمعة لا تقام عندهم في القرى . وقال أكثر أهل العلم : تلزمهم الجمعة مع أهل المصر أو القرية ، مع القرب دون البعد . ثم اختلفوا في حد ذلك : فقالت طائفة : المعتبر : إمكان سماع النداء ، فمن كان من موضع الجمعة بحيث يمكنه سماع النداء لزمه ، وإلا فلا .

هذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق . واستدلوا بظاهر قول الله تعالى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وعمرو بن شعيب . وروي عن أبي أمامة الباهلي - معناه .

وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : الجمعة على من سمع النداء . وروي موقوفا ، وهو أشبه . وروى إسماعيل ، عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عبيد الله بن كعب بن مالك ، عن أبيه - يرفعه - قال : لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ، ثم لا يشهدونها ، أو ليطبعن الله على قلوبهم ، وليكونن من الغافلين ، أو ليكونن من أهل النار .

عبد العزيز هذا ، شامي تكلموا فيه . وقالت طائفة : تجب الجمعة على من بينه وبين الجمعة فرسخ ، وهو ثلاثة أميال ، وهو قول ابن المسيب والليث ومالك ومحمد بن الحسن ، وهو رواية عن أحمد . ومن أصحابنا من قال : لا فرق بين هذا القول والذي قبله ، لأن الفرسخ هو منتهى ما يسمع فيه النداء - غالبا - فإن أحمد قال : الجمعة على من سمع النداء ، والنداء يسمع من فرسخ ، وكذلك رواه جماعة عن مالك ، فيكون هذا القول والذي قبله واحدا .

وخرج الخلال من رواية مندل ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : عسى أحدكم أن يتخذ الصبة على رأس ميلين أو ثلاثة ، تأتي عليه الجمعة لا يشهدها ، ثم تأتي الجمعة لا يشهدها - ثلاثا - فيطبع على قلبه . مندل ، فيه ضعف . وخرج الطبراني نحوه من حديث ابن عمر - مرفوعا .

وفي إسناده : إبراهيم بن يزيد الخوزي ، وهو ضعيف . وروى معدي بن سليمان ، عن ابن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين ، فيتعذر عليه الكلأ ، فيرتفع ، ثم تجيء الجمعة ، فلا يجيء ولا يشهدها ، وتجيء الجمعة ، فلا يشهدها ، وتجيء الجمعة ، فلا يشهدها حتى يطبع على قلبه . خرجه ابن ماجه .

وخرجه أبو بكر النجاد وابن عبد البر ، وفي روايتهما : ميلين أو ثلاثة . ومعدي هذا ، تكلم فيه أبو زرعة وغيره ، وقال أبو حاتم : شيخ . وقالت طائفة : تجب الجمعة على من بينه وبينها أربعة أميال ، وروي عن ابن المنكدر والزهري وعكرمة وربيعة .

وروي عن الزهري - أيضا - تحديده بستة أميال ، وهي فرسخان . وروي عن أبي هريرة ، قال : تؤتى الجمعة من فرسخين . خرجه ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف .

وروى عبد الرزاق بإسناد منقطع ، عن معاذ ، أنه كان يقوم على منبره ، فيقول لقوم بينهم وبين دمشق أربع فراسخ وخمس فراسخ : إن الجمعة لزمتكم ، وأن لا جمعة إلا معنا . وبإسناد منقطع ، عن معاوية ، أنه كان يأمر بشهود الجمعة من بينه وبين دمشق أربعة عشر ميلا . وقال بقية : عن محمد بن زياد : أدركت الناس بحمص تبعث الخيل نهار الخميس إلى جوسية وحماة والرستن يجلبون الناس إلى الجمعة ، ولم يكن يجمع إلا بحمص .

وعن عطاء ، أنه سئل : من كم تؤتى الجمعة ؟ قال : من سبعة أميال . وعنه ، قال : يقال : من عشرة أميال إلى بريد . وعن النخعي ، قال : تؤتى الجمعة من فرسخين .

وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، أنه أمر أهل قباء ، وأهل ذي الحليفة ، وأهل القرى الصغار حوله : لا يجمعوا ، وأن يشهدوا الجمعة بالمدينة . وعن ربيعة - أيضا - أنه قال : تجب الجمعة على من إذا نودي بصلاة الجمعة خرج من بيته ماشيا أدرك الجمعة . وقالت طائفة : تجب الجمعة على من آواه الليل إلى منزله .

قال ابن المنذر : روي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس والحسن ونافع مولى ابن عمر ، وكذلك قال عكرمة والحكم وعطاء والأوزاعي وأبو ثور . انتهى . وهو قول أبي خيثمة زهر بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي .

وحكى إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، عن أحمد نحوه ، واختاره الجوزجاني . وفيه حديث مرفوع ، من حديث أبي هريرة . وقد ذكره الترمذي ، وبين ضعف إسناده ، وأن أحمد أنكره أشد الإنكار .

وفيه - أيضا - عن عائشة ، وإسناده ضعيف . وفيه - أيضا - من مراسيل أبي قلابة ، وفي إسناده ضعف . وقالت طائفة : تؤتى الجمعة من فرسخين ، قاله النخعي وإسحاق ، نقله عنه حرب .

لكنهما لم يصرحا بوجوب ذلك ، وقد تقدم نحوه عن غير واحد . وخرج حرب من طريق ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أنه كان يجمع من الزاوية ، وهي فرسخان . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس ، أنه كان يكون بينه وبين البصرة ثلاثة أميال ، فيشهد الجمعة بالبصرة .

وقد ذكر البخاري عنه ، أنه كان أحيانا لا يجمع . وكذلك روي عن أبي هريرة ، أنه كان بالشجرة - وهي ذو الحليفة - فكان أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع . وقد روي عنه الأمران جميعا .

وكذلك سعد بن أبي وقاص ، كان في قصره بالعقيق ، فكان أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع ، وكان بينه وبين المدينة سبعة أميال أو ثمانية . وكذلك روي عن عائشة بنت سعد ، أن أباها كان يفعل .

ورد في أحاديث12 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث