حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة

باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة 906 - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، ثنا حرمي بن عمارة ، ثنا أبو خلدة - هو : خالد بن دينار - قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتد البرد بكر بالصلاة ، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة - يعني : الجمعة . وقال يونس بن بكير : أنا أبو خلدة ، وقال : بالصلاة ، ولم يذكر : الجمعة . وقال بشر بن ثابت : ثنا أبو خلدة : صلى بنا أمير المؤمنين الجمعة ، ثم قال لأنس : كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر ؟ خرج الإسماعيلي في صحيحه - وهو المستخرج على صحيح البخاري - من طريق هارون بن عبد الله ، عن حرمي بن عمارة ، حدثني أبو خلدة ، قال : سمعت أنس بن مالك - وناداه يزيد الضبي : يا أبا حمزة ، قد شهدت الصلاة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهدت الصلاة معنا ، فكيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة ؟ - فقال : كان إذا اشتد البرد بكر بالصلاة ، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة .

وخرجه - أيضا - من رواية محمد بن المثنى ، عن حرمي ، ولم يذكر في حديثه : الجمعة . وخرج - أيضا - رواية يونس بن بكير التي علقها البخاري ، ولفظ حديثه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الحر أبرد بالصلاة ، وإذا كان البرد بكر بها - يعني : الظهر . وخرج - أيضا - حديث بشر بن ثابت الذي علقه البخاري - أيضا - ولفظ حديثه : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الشتاء يبكر بالظهر ، وإذا كان الصيف أبرد بها ، ولكن يصلي العصر والشمس بيضاء .

وخرجه البيهقي من رواية بشر بن ثابت - بهذا المعنى . وخرج - أيضا - رواية يونس بن بكير : ثنا أبو خلدة : سمعت أنس بن مالك - وهو جالس مع الحكم أمير البصرة على السرير - يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الحر أبرد بالصلاة ، وإذا كان البرد بكر بالصلاة . وروى هذا الحديث - أيضا - خالد بن الحارث : ثنا أبو خلدة ، أن الحكم بن أيوب أخر الجمعة يوما ، فتكلم يزيد الضبي .

وقال : دخلنا الدار وأنس معه على السرير ، فقال له يزيد : يا أبا حمزة ، قد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وحضرت صلاتنا ، فأين صلاتنا من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : إذا كان الحر برد بالصلاة ، وإذا كان البرد يبكر بالصلاة ، ولم يسمعه ، ولكنه قد شهد الأمر . خرجه النسائي في كتاب الجمعة . وهذه الرواية تخالف رواية البخاري التي فيها التصريح بالسماع .

وقد رواه سهل بن حماد ، عن أبي خلدة ، قال : بينا الحكم بن أيوب يخطب في البصرة إذ قام يزيد الضبي ، فناداه ، فقال : أيها الأمير : إنك لا تملك الشمس ، فقال : خذاه ، فأخذ ، فلما قضى الصلاة أدخل عليه ، ودخل الناس ، وثم أنس بن مالك ، فأقبل على أنس ، فقال : كيف كنتم تصلون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبرد بالصلاة في الحر ، ويبكر بها في الشتاء . خرجه المروزي في كتاب الجمعة . فقد تبين بهذه الروايات أن سبب سؤال أنس إنما كان تأخير الحكم بن أيوب .

وقضية يزيد الضبي مع الحكم بن أيوب في إنكاره عليه تأخير الجمعة وهو يخطب معروفة ، وكان أنس بن مالك حاضرا . وقد خرجها بتمامها ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف من رواية جعفر بن سليمان ، حدثني المعلى بن زياد ، قال : حدثني يزيد الضبي ، قال : أتيت الحسن ثلاث مرات ، فقلت : يا أبا سعيد ، غلبنا على كل شيء ، وعلى صلاتنا نغلب ؟! فقال الحسن : إنك لن تصنع شيئا ، إنما تعرض نفسك لهم . قال : فقمت والحكم بن أيوب ابن عم الحجاج يخطب ، فقلت : الصلاة يرحمك الله ، قال : فجاءتني الزبانية ، فسعوا إلي من كل جانب ، فأخذوا بلبتي ، وأخذوا بلحيتي ويدي وكل شيء ، وجعلوا يضربوني بنعالهم وسيوفهم ، قال : وسكت الحكم بن أيوب ، وكدت أن أقتل دونه ، ففتح باب المقصورة ، فأدخلت عليه ، فقال : أمجنون أنت ؟ قلت : ما بي من جنون ، قال : أوما كنا في صلاة ؟ قلت : أصلحك الله ، هل من كلام أفضل من كتاب الله ؟ قال : لا ، قلت : لو أن رجلا نشر مصحفه فقرأه غدوة حتى يمسي ، ولا يصلي فيما بين ذلك ، كان ذلك قاضيا عنه صلاته ؟ قال الحكم : إني لأحسبك مجنونا : قال : وأنس بن مالك جالس قريبا من المنبر ، على وجهه خرقة خضراء ، فقلت : يا أبا حمزة ، أذكرك الله ، فإنك صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخدمته ، أحق أقول أم باطل ؟ قال : فوالله ما أجابني بكلمة .

فقال له الحكم : يا أنس ، قال : لبيك ، أصلحك الله - قال : وقد كان فات ميقات الصلاة - قال : يقول له أنس : قد كان بقي من الشمس بقية ؟ فقال : احبساه . قال : فحبست ، فشهدوا أني مجنون . قال جعفر : فإنما نجا من القتل بذلك - وذكر بقية القصة .

فقد تبين بهذا السياق أن الصحابة والتابعين كانوا كلهم خائفين من ولاة السوء الظالمين ، وإنهم غير قادرين على الإنكار عليهم ، وأنه غير نافع بالكلية ؛ فإنهم يقتلون من أنكر ، ولا يرجعون عن تأخير الصلاة على عوائدهم الفاسدة . وقد تكلم بعض علماء أهل الشام في زمن الوليد بن عبد الملك في ذلك ، وقال : أبعث نبي بعد محمد يعلمكم هذا - أو نحو ذلك ؟ فأخذ فأدخل الخضراء ، فكان آخر العهد به . ولهذا لم يستطع أنس أن يجيب يزيد الضبي بشيء حين تكلم يزيد ، وإنما قال للحكم لما سأله : قد بقي من الشمس بقية - يريد : قد بقي من ميقات العصر بقية - وهو كما قال ، لكن وقت الجمعة كان قد فات ، ولم يستطع أن يتكلم بذلك ، فلما دخل الحكم داره ، وأدخل معه أنسا ويزيد الضبي ، فسئل أنس في ذلك الوقت عن وقت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبر أنه كان يعجل في البرد ، ويبرد في الحر ، ومراده - والله أعلم - : صلاة الظهر ، وهذا هو الذي أمكن أنسا أن يقوله في ذلك الوقت ، ولم يمكنه الزيادة على ذلك .

وأكثر العلماء على أن الجمعة لا يبرد بها بعد الزوال ، بل تعجل في أول الوقت ، وللشافعية في ذلك وجهان . وقد كان الصحابة والتابعون مع أولئك الظلمة في جهد جهيد ، لا سيما في تأخير الصلاة عن ميقاتها ، وكانوا يصلون الجمعة في آخر وقت العصر ، فكان أكثر من يجيء إلى الجمعة يصلي الظهر والعصر في بيته ، ثم يجيء إلى المسجد تقية لهم ، ومنهم من كان إذا ضاق وقت الصلاة وهو في المسجد أومأ بالصلاة خشية القتل . وكانوا يحلفون من دخل المسجد أنه ما صلى في بيته قبل أن يجيء .

قال إبراهيم بن مهاجر : كنت أنا وسعيد بن جبير وإبراهيم نصلي الظهر ، ثم نجلس فنتحدث والحجاج يخطب يوم الجمعة . خرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة . وخرج - أيضا - بإسناده ، عن أبي بكر بن عتبة ، قال صليت إلى جنب أبي جحيفة ، فتمسى الحجاج بالصلاة ، فقام يصلي الجمعة ، ثم قام فصلى ركعتين ، ثم قال : يا أبا بكر ، أشهدك أنها الجمعة .

وهذا غريب ، يدل على أنه يصح أن يصلي الرجل الجمعة وحده . وبإسناده : عن الأعمش ، عن إبراهيم وخيثمة ، أنهما كانا يصليان الظهر والعصر ، ثم يأتيان الحجاج يوم الجمعة ، فيصليان معه . وعن أبي وائل ، أنه كان يأمرهم أن يصلوا في بيوتهم ، ثم يأتوا الحجاج فيصلون معه الجمعة .

وعن محمد بن أبي إسماعيل ، قال : كنت في مسجد منى ، وصحف تقرأ للوليد ، فأخروا الصلاة : قال : فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يومئان ، وهما قاعدان . وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري في كتاب أدب السلطان بابا في تأخير الأمراء الصلاة ، خرج فيه الأحاديث المرفوعة ، والآثار الموقوفة في ذلك ، وقد سبق ذكر بعضها في أبواب : المواقيت . وروى فيه بإسناده : أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود كان يروح إلى المسجد وقد صلى الظهر والعصر ، فيجلس فينتظر ، فيقول : ما له قاتله الله ؟ يصيح على منبره صياحا ، وقد فاتته العصر ، ولم يصل الظهر بعد .

وبإسناده : عن عمرو بن هرم ، قال : كان أنس بن مالك يصلي الظهر والعصر في بيته ، ثم يأتي الحجاج فيصلي معه الجمعة . وبإسناده : عن عبد الله بن أبي زكريا ، أنه كان يجمع مع الوليد بن عبد الملك ما صلى الوليد في وقت الظهر الجمعة ، ويعتد بها جمعة ، فإن أخرها عن وقت الظهر صلى الظهر في آخر وقت الظهر أربعا إيماء ، ثم صلى الجمعة معه ، وجعلها تطوعا ، فإن أخر العصر حتى يخرج وقتها صلاها في آخر وقتها إيماء . وبإسناده : عن حصين ، قال : كان أبو وائل إذا أخر الحجاج الجمعة استقبل القبلة ، يومئ إيماء : يتناعس .

وبإسناده : عن جرير ، قال : شهدت الجمعة مع ابن هبيرة ، فأخر الصلاة إلى قريب من العصر ، فرأيت الناس يخرجون ، فرأيت أبا حنيفة خرج ، فكان شيخ يصيح في المسجد : لو كان الحجاج ما خرجوا ، وجعل فضيل بن غزوان ويقول : إنهم ، إنهم . وبإسناده : عن ابن سيرين ، أنه حضر الجمعة ، فأخر الأمير الصلاة ، فأدمى ظفره ، ثم قام فخرج ، وأخذته السياط حتى خرج من المسجد . وعن عطاء بن السائب : قال : رأيت سعيد بن جبير وأبا البختري وأصحابه يومئون يوم الجمعة ، والحجاج يخطب ، وهم جلوس .

وعن محمد بن إسماعيل ، قال : رأيت سعيد بن جبير وعطاء ، وأخر الوليد الجمعة والعصر ، فصلاهما جميعا ، قال : فأومآ إيماء ، ثم صليا معه بمنى . وبإسناده : عن حميد ، أن الوليد بن عبد الملك خرج بمنى بعد العصر ، فخطب حتى صارت الشمس على رءوس الجبال ، فنزل فصلى الظهر ، ثم صلى العصر ، ثم صلى المغرب . وروى بإسناد له : عن سالم ، أنه ذكر أن الوليد قدم عليهم المدينة ، فما زال يخطب ويقرأ الليث حتى مضى وقت الجمعة ، ثم مضى وقت العصر ، فقال القاسم بن محمد لسالم : أما قمت فصليت ؟ قال : لا .

قال : أفما أومأت ؟ قال : لا . وقال : خشيت أن يقال : رجل من آل عمر . وروى بإسناده : عن عمارة بن زاذان ، حدثني مكحول ، قال : خطب الحجاج بمكة ، وأنا إلى جنب ابن عمر ، يحبس الناس بالصلاة ، فرفع ابن عمر رأسه ، ونهض ، وقال : يا معشر المسلمين ، انهضوا إلى صلاتكم ، ونهض الناس ، ونزل الحجاج ، فلما صلى قال : ويحكم ، من هذا ؟ قالوا : ابن عمر .

قال : أما والله لولا أن به لمما لعاقبته . وروى أبو نعيم في كتاب الصلاة : ثنا زهير ، عن جابر - وهو : الجعفي - عن نافع ، قال : كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج ، فلما أخرها ترك الصلاة معه . وكان الحسن يأمر بالكف عن الإنكار عليهم ، ثم غلبه الأمر فأنكر على الحجاج ، وكان سبب اختفائه منه حتى مات الحجاج ، والحسن متوار عنه بالبصرة .

وقد روى أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب مناقب الحسن بإسناد له ، أن الحسن شهد الجمعة مع الحجاج ، فرقى الحجاج المنبر ، فأطال الخطبة حتى دخل في وقت العصر ، فقال الحسن : أما من رجل يقول : الصلاة جامعة ؟ فقال رجل : يا أبا سعيد ، تأمرنا أن نتكلم والإمام يخطب ؟ فقال : إنما أمرنا أن ننصت لهم فيما أخذوا من أمر ديننا ، فإذا أخذوا في أمر دنياهم أخذنا في أمر ديننا ، قوموا ، فقام الحسن وقام الناس لقيام الحسن ، فقطع الحجاج خطبته ، ونزل فصلى بهم ، فطلب الحجاج الحسن فلم يقدر عليه . وهذا كله مما يدل على اجتماع السلف الصالح على أن تأخير الجمعة إلى دخول وقت العصر حرام لا مساغ له في الإسلام . ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة صلى الجمعة في أول وقتها على ما كانت عليه السنة .

فروى إسماعيل بن عياش ، عن عمرو بن مهاجر ، أن عمر بن عبد العزيز كان يصلي الجمعة في أول وقتها حين يفيء الفيء ذراعا ونحوه ، وذلك في الساعة السابعة . وقال ابن عون : كانوا يصلون الجمعة في خلافة عمر بن عبد العزيز والظل هنية .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث