حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب المشي إلى الجمعة

ج٥ / ص٤٣٠- 18 باب المشي إلى الجمعة وقول الله عز وجل : فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ومن قال : السعي العمل والذهاب ، لقوله : وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وقال ابن عباس : يحرم البيع حينئذ . وقال عطاء : تحرم الصناعات كلها . وقال إبراهيم بن سعد ، عن الزهري : إذا أذن المؤذن يوم الجمعة ، وهو مسافر ، فعليه أن يشهد .

اشتمل كلامه - هاهنا - على مسائل : إحداها : المشي إلى الجمعة ، وله فضل . وفي حديث أوس بن أوس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من بكر وابتكر ، وغسل واغتسل ، ومشى ولم يركب " . وقد سبق .

وفي حديث اختصام الملأ الأعلى ، " إنهم يختصمون في الكفارات والدرجات ، والكفارات إسباغ الوضوء في الكريهات ، والمشي على الأقدام إلى الجمعات " . وقد خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث معاذ . وله طرق كثيرة ، ذكرتها مستوفاة في " شرح الترمذي " .

ج٥ / ص٤٣١وروى ابن أبي شيبة بإسناد فيه انقطاع ، أن عبد الله بن رواحة كان يأتي الجمعة ماشيا ، فإذا رجع رجع كيف شاء ماشيا ، وإن شاء راكبا . وفي رواية : وكان بين منزله وبين الجمعة ميلان . وعن أبي هريرة ، أنه كان يأتي الجمعة من ذي الحليفة ماشيا .

وذكر ابن سعد في " طبقاته " بإسناده ، عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كتب ينهى أن يركب أحد إلى الجمعة والعيدين . وقال النخعي : لا يركب إلى الجمعة . المسألة الثانية : أنه يستحب المشي بالسكينة مع مقاربة الخطا ، كما في سائر الصلوات ، على ما سبق ذكره في موضعه .

فأما قول الله عز وجل : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فقد حمله قوم من المتقدمين على ظاهره ، وأنكر ذلك عليهم الصحابة . فروى البيهقي من حديث عبد الله بن الصامت ، قال : خرجت إلى المسجد يوم الجمعة ، فلقيت أبا ذر ، فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء ، فرفعت في المشي ؛ لقول الله عز وجل : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فجذبني جذبة كدت أن ألاقيه ، ثم قال : أولسنا في سعي ؟ . فقد أنكر أبو ذر على من فسر السعي بشدة الجري والعدو ، وبين أن المشي إليها سعي ؛ لأنه عمل ، والعمل يسمى سعيا ، كما قال تعالى : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ج٥ / ص٤٣٢وقال : وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ومثل هذا كثير في القرآن .

وبهذا فسر السعي في هذه الآية التابعون فمن بعدهم ، ومنهم : عطاء ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، ومحمد بن كعب ، وزيد بن أسلم ، ومالك ، والثوري ، والشافعي وغيرهم .

وروي - أيضا - من وجه منقطع
. ومنهم من فسر السعي بالجري والمسابقة ، لكنه حمله على سعي القلوب والمقاصد والنيات دون الأقدام ، هذا قول الحسن .

وجمع قتادة بين القولين - في رواية - فقال : السعي بالقلب والعمل . وكان عثمان وابن مسعود وجماعة من الصحابة يقرءونها : " فامضوا إلى ذكر الله " . وقال النخعي : لو قرأتها " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي .

وروي هذا الكلام من وجه منقطع
. المسألة الثالثة : في تحريم البيع وغيره مما يشتغل به عن السعي بعد النداء . وقد حكي عن ابن عباس تحريم البيع وغيره .

وروى القاضي إسماعيل في كتابه " أحكام القرآن " من رواية سليمان بن معاذ ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة ، فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع . وبإسناده : عن ميمون بن مهران ، قال : كان بالمدينة إذا نودي بالصلاة من ج٥ / ص٤٣٣يوم الجمعة نادوا : حرم البيع ، حرم البيع . وعن أيوب ، قال : لأهل المدينة ساعة ، وذلك عند خروج الإمام ، يقولون : حرم البيع ، حرم البيع .

وعن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يمنع الناس من البيع يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة . وعن الحسن وعطاء والضحاك : تحريم البيع إذا زالت الشمس من يوم الجمعة . وعن الشعبي ، أنه محرم .

وكذا قال مكحول . وحكى إسحاق بن راهويه الإجماع على تحريم البيع بعد النداء . وحكى القاضي إسماعيل ، عمن لم يسمه ، أن البيع مكروه ، وأنه استدل بقوله : ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ورد عليه : بأن من فعل ما وجب عليه وترك ما نهي عنه فهو خير له ، كما قال تعالى : وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ وحكي القول بأن البيع مردود عن القاسم بن محمد وربيعة ومالك .

ورواه ابن عيينة ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد أو غيره . وهو مذهب الليث والثوري وإسحاق وأحمد وغيرهم من فقهاء أهل الحديث . وخالف فيه أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وعبيد الله العنبري ، وقالوا : البيع غير مردود ؛ لأن النهي عن البيع هنا ليس نهيا عنه لذاته بل لوقته .

ج٥ / ص٤٣٤والأولون يقولون : النهي يقتضي فساد المنهي عنه ، سواء كان لذات المنهي عنه أو لوقته ، كالصوم يوم العيد ، والصلاة وقت النهي ، فكذلك العقود . وقال الثوري - فيما إذا تصارفا ذهبا بفضة وقبضا البعض ، ثم دخل وقت النداء يوم الجمعة ، فإنهما يترادان البيع . وهذا يدل على أن القبض عنده شرط لانعقاد الصرف ، فلا يتم العقد إلا به ، وهو الصحيح عند المحققين من أصحابنا - أيضا .

وأما ما ذكره عن عطاء ، أنه تحرم الصناعات حينئذ ، فإنه يرجع إلى أنه إنما حرم البيع ؛ لأنه شاغل عن السعي إلى ذكر الله والصلاة ، فكل ما قطع عن ذلك فهو محرم من صناعة أو غيرها ، حتى الأكل والشرب والنوم والتحدث وغير ذلك ، وهذا قول الشافعية وغيرهم - أيضا . لكن لأصحابنا في بطلان غير البيع من العقود وجهان ، فإن وقوعها بعد النداء نادر ، بخلاف البيع ، فإنه غالب ، فلو لم يبطل لأدى إلى الاشتغال عن الجمعة به ، فتفوت الجمعة غالبا . وأكثر أصحابنا حكوا الخلاف في جواز ذلك ، وفيه نظر ؛ فإنه إذا وجب السعي إلى الجمعة حرم كل ما قطع عنه .

وقد روي عن زيد بن أسلم ، قال : لم يأمرهم الله أن يذروا شيئا غيره ، حرم البيع ، ثم أذن لهم فيه إذا فرغوا . وهذا ضعيف جدا ؛ فإن البيع إنما خص بالذكر لأنه أكثر ما يقع حينئذ مما يلهي ، عن السعي ، فيشاركه في المعنى كل شاغل . واستدل بعض أصحابنا على جواز غير البيع من العقود بالصدقة ، وقال : قد أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب .

وهذا لا يصح ؛ فإن الصدقة قربة وطاعة ، وإذا وقعت في المسجد حيث ج٥ / ص٤٣٥لا يكره السؤال فيه فلا وجه لمنعها . فإن ألحق بذلك عقد النكاح في المسجد قبل خروج الإمام كان متوجها ، مع أن بعض أصحابنا قد خص الخلاف بالنكاح ، وهو ابن عقيل . وعن أحمد رواية : إنه يحرم البيع بدخول وقت الوجوب ، وهو زوال الشمس .

وقد سبق مثله عن الحسن ، وعطاء ، والضحاك ، وهو - أيضا - قول مسروق ، ومسلم بن يسار ، والثوري ، وإسحاق . وقياس قولهم : إنه يجب السعي بالزوال ، ويحرم حينئذ كل شاغل يشغل عنه . والجمهور : على أنه لا يحرم بدون النداء .

ثم الأكثرون منهم على أنه النداء الثاني الذي بين يدي الإمام ؛ لأنه النداء الذي كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينصرف النداء عند إطلاقه إلا إليه . وفي " صحيح الإسماعيلي " من حديث الزهري ، عن السائب بن يزيد ، قال : كان النداء الذي ذكر الله في القرآن يوم الجمعة إذا خرج الإمام ، وإذا قامت الصلاة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر . وعن أحمد رواية : أنه يحرم البيع ويجب السعي بالنداء الأول .

وهو قول مقاتل بن حيان ، قال : وقد كان النداء الأول قبل زوال الشمس . ونقله ابن منصور ، عن إسحاق بن راهويه - صريحا . وعن أحمد ، أنه قال : أخاف أن يحرم البيع ، وإن أذن قبل الوقت .

ومجرد الشروع في الأذان يحرم به البيع عند أصحابنا والشافعية ؛ لأنه صار نداء مشروعا مسنونا من سنة الخلفاء الراشدين . قال أصحابنا : ولو اقتصر عليه أجزأ ، وسقط فرض الأذان . ج٥ / ص٤٣٦وعند أصحاب الشافعي : يحرم البيع بمجرد الشروع في النداء الثاني بين يدي الإمام ، إذا كان قاطعا عن السعي ، فأما إن فعله وهو ماش في الطريق ولم يقف ، أو هو قاعد في المسجد كره ولم يحرم .

وهذا بعيد ، والتبايع في المسجد بعد الأذان يجتمع فيه نهيان ؛ لزمانه ومكانه ، فهو أولى بالتحريم . المسألة الرابعة : حكي عن الزهري : أن المسافر إذا سمع النداء للجمعة ، فعليه أن يشهدها ، وقد سبق ذكر ذلك عنه ، وعن النخعي والأوزاعي وعن عطاء : أن عليه شهودها ، سمع الأذان أو لم يسمعه ، وأن الجمهور على خلاف ذلك . وهل للمسافر أن يبيع ويشتري في المصر بعد سماع النداء ؟ فيه اختلاف بين أصحابنا ، يرجع إلى أن من سقطت عنه الجمعة لعذر ، كالمريض : هل له أن يبيع بعد النداء ، أم لا ؟ فيه روايتان عن أحمد .

وأما من ليس من أهل الجمعة بالكلية ، كالمرأة ، فلها البيع والشراء بغير خلاف ، وكذا العبد ، إذا قلنا : لا يجب عليه الجمعة .

ورد في أحاديث5 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث