باب الخطبة على المنبر
نا آدم ، نا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر : من جاء إلى الجمعة فليغتسل . والمقصود من هذا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب على المنبر ، ويعلم الناس دينهم عليه . ولو جمعت الأحاديث التي فيها ذكر خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر وكلامه عليه لكانت كثيرة جدا ، وكذلك أحاديث اتخاذ المنبر كثيرة أيضا .
وقد خرج منها البخاري في دلائل النبوة من حديث ابن عمر ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب إلى الجذع ، فلما اتخذ المنبر تحول إليه ، فحن الجذع ، فأتاه فمسح يده عليه . خرجه عن محمد بن المثنى ، نا يحيى بن كثير أبو غسان ، نا أبو حفص - واسمه : عمر بن العلاء ، أخو أبي عمرو بن العلاء - قال : سمعت نافعا ، عن ابن عمر - فذكره . ثم قال : وقال عبد الحميد : أنا عثمان بن عمر ، أنا معاذ بن العلاء ، عن نافع ، عن ابن عمر - بهذا .
ورواه أبو عاصم ، عن ابن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . انتهى . وعبد الحميد هذا ، قيل : إنه عبد بن حميد .
وقد خرجه الترمذي ، عن أبي حفص الفلاس ، عن عثمان بن عمر ويحيى بن كثير - كلاهما - عن معاذ بن العلاء ، عن نافع . وخرجه البيهقي من رواية عباس الدوري ، عن عثمان بن عمر ، عن معاذ . وكذا رواه غير واحد ، عن عثمان بن عمر .
وخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية أبي عبيدة الحداد ، عن معاذ بن العلاء - أيضا . وكذا رواه وكيع ويحيى بن سعيد ومعتمر بن سليمان ، عن معاذ بن العلاء . وليس لأبي حفص عمر بن العلاء ذكر في غير رواية البخاري المسندة ، وقد قيل إنها وهم من محمد بن المثنى .
ولكن خرجه أبو أحمد الحاكم من رواية عبد الله بن رجاء الغداني ، عن أبي حفص بن العلاء - أيضا . وقد رواه يحيى بن سعيد ومعتمر بن سليمان ، عن معاذ بن العلاء ، وكنياه : أبا غسان . قال أبو أحمد الحاكم : والله أعلم ، أهما أخوان : أحدهما يسمى : عمر ، والآخر : معاذا ، وحدثا بحديث واحد ؟ أو أحدهما محفوظ ، والآخر غير محفوظ ؟ وذكر : أن معاذ بن العلاء أخا أبي عمرو مشهور ، وأن أبا حفص لا يعرفه إلا في هاتين الروايتين .
قال : والله أعلم بصحة ذلك . انتهى . والصحيح في هذا الحديث : معاذ بن العلاء ، قاله أحمد والدارقطني وغيرهما .
وأما رواية أبي عاصم ، عن ابن أبي رواد التي علقها الْبُخَارِيُّ ، فخرجها أبو داود ، ولفظ حديثه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بدن ، قال له تميم الداري : ألا أتخذ لك منبرا يا رسول الله ، يجمع عظامك ، أو يحمل عظامك ؟ قال : بلى ، فاتخذ له منبرا مرقاتين . ولم يزد على هذا . وخرجه البيهقي ، وزاد : فاتخذ له مرقاتين - أو ثلاثة - فجلس عليها .
قال : فصعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فحن جذع في المسجد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب يستند إليه ، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - فاحتضنه ، فقال شيئا لا أدري ما هو ؟ ثم صعد المنبر ، وكانت أساطين المسجد جذوعا ، وسقائفه جرائد . وعنده - في أوله - : لما أسن وثقل . ورواه عامر بن مدرك ، عن ابن أبي رواد ، عن نافع ، عن تميم الداري - بنحوه ، وفي حديثه : فصنع له منبرا مرقاتين ، والثالثة مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما ، فإذا عي قعد فاستراح ، ثم قام فخطب - وذكر الحديث .
ورواية أبي عاصم أصح . ومن أغرب سياقات أحاديث اتخاذ المنبر : ما رواه عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل بن أبي بن كعب ، عن أبيه ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى جذع ، إذ كان المسجد عريشا ، وكان يخطب إلى ذلك الجذع ، فقال رجل من أصحابه : يا رسول الله ، هل لك أن نجعل لك شيئا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتسمعهم ؟ قال : نعم ، فصنع له ثلاث درجات التي على المنبر - ثم ذكر حنينه إليه وسكونه بمسحه بيده - ثم قال : وكان إذا صلى صلى إليه ، فلما هدم المسجد وغير أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب ، فكان عنده حتى بلي وأكلته الأرضة ، وعاد رفاتا . خرجه الإمام أحمد .
وفي رواية له : أن القائل : فلما هدم المسجد - إلى آخره ، هو الطفيل بن أبي بن كعب . وخرجه ابن ماجه - بمعناه . وخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند ، وعنده : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : إن تشأ غرستك في الجنة فيأكل منك الصالحون ، وإن تشأ أعيدك كما كنت حطبا فاختار الآخرة على الدنيا ، فلما قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع إلى أبي ، فلم يزل عنده حتى أكلته الأرضة .
وقد خرجه الطبراني بنحو هذه الزيادة ، بإسناد ضعيف ، عن عائشة ، وفيه : أن المنبر كان أربع مراق . وفي آخره : أن الجذع غار فذهب . وفي مسند البزار ، بإسناد لا يصح ، عن [ .
.] معاذ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أتخذ المنبر ، فقد اتخذه أبي إبراهيم ، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم . وقد أنكره أبو حاتم الرازي وغيره . وقد قال بعض السلف : إن إبراهيم - عليه السلام - هو أول من خطب على المنابر .
والصحيح : أن المنبر كان ثلاث مراق ، ولم يزل على ذلك في عهد خلفائه الراشدين ، ثم زاد فيه معاوية . وقد عد طائفة من العلماء : تطويل المنابر من البدع المحدثة ، منهم : ابن بطة من أصحابنا وغيره . وقد روي في حديث مرفوع : أن ذلك من أشراط الساعة ، ولا يثبت إسناده .
وكره بعض الشافعية المنبر الكبير جدا ، إذا كان يضيق به المسجد .