باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي تامة
باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي تامة 936 - حدثنا معاوية بن عمرو ، ثنا زائدة ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، ثنا جابر بن عبد الله ، قال : بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت عير تحمل طعاما ، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا وخرجه في التفسير ، عن حفص بن عمر قال : ثنا خالد بن عبد الله ، أبنا حصين ، عن سالم بن أبي الجعد - وعن أبي سفيان ، عن جابر بن عبد الله - فذكره بمعناه . وفي هذه الرواية : متابعة أبي سفيان لسالم بن أبي الجعد على روايته عن جابر ، وإنما خرج لأبي سفيان متابعة . وقد خرجه مسلم بالوجهين - أيضا .
وفي أكثر رواياته : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب يوم الجمعة . وفي رواية له : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب قائما يوم الجمعة - فذكره بمعناه . وفي رواية له : فلم يبق إلا اثنا عشر رجلا ، أنا فيهم .
وفي رواية له - أيضا - : فيهم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما . وقوله في الرواية التي خرجها البخاري : بينا نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد به أنهم انفضوا عنه في نفس الصلاة ، إنما أراد - والله أعلم - أنهم كانوا مجتمعين للصلاة ، فانفضوا وتركوه . ويدل عليه : حديث كعب بن عجرة ، لما قال : انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا ، وقد قال الله تعالى : انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا وكذلك استدلال ابن مسعود وخلق من التابعين بالآية على القيام في الخطبة .
وروى علي بن عاصم هذا الحديث عن حصين ، فقال فيه : فلم يبق معه إلا أربعون رجلا ، أنا فيهم . خرجه الدارقطني والبيهقي . وعلي بن عاصم ، ليس بالحافظ ، فلا يقبل تفرده بما يخالف الثقات .
وقد استدل البخاري وخلق من العلماء على أن الناس إذا نفروا عن الإمام ، وهو يخطب للجمعة ، وصلى الجمعة بمن بقي ، جاز ذلك ، وصحت جمعتهم . وهذا يرجع إلى أصل مختلف فيه ، وهو : العدد الذي تنعقد به الجمعة ، وقد اختلف في ذلك : فقالت طائفة : لا تنعقد الجمعة بدون أربعين رجلا ، روي ذلك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول الشافعي وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق ، ورواية عن مالك . وقالت طائفة : تنعقد بخمسين ، روي عن عمر بن عبد العزيز - أيضا - وهو رواية عن أحمد .
وقالت طائفة تنعقد بثلاثة ، منهم : ابن المبارك والأوزاعي والثوري وأبو ثور ، وروي عن أبي يوسف ، وحكي رواية عن أحمد . وقالت طائفة : تنعقد بأربعة ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه - في المشهور عنهما - والأوزاعي ومالك والثوري - في رواية عنهما - والليث بن سعد . وحكي قولا قديما للشافعي ، ومنهم من حكاه أنها تنعقد بثلاثة .
وقالت طائفة : يعتبر أربعون في الأمصار وثلاثة في القرى ، وحكي رواية عن أحمد ، صححها بعض المتأخرين من أصحابه . وقالت طائفة : تنعقد بسبعة ، وحكي عن عكرمة ، ورواية عن أحمد . وقالت طائفة : تنعقد باثني عشر رجلا ، حكي عن ربيعة .
وقد قال الزهري : إن مصعب بن عمير أول ما جمع بهم بالمدينة كانوا اثني عشر رجلا . وتعلق بعضهم لهذا الحديث بحديث جابر المخرج في هذا الباب . وقال طائفة : تنعقد الجمعة بما تنعقد به الجماعة ، وهو رجلان ، وهو قول الحسن بن صالح وأبي ثور - في رواية - وداود ، وحكي عن مكحول .
وتعلق القائلون بالأربعين بحديث كعب بن مالك ، أن أول جمعة جمع بهم أسعد بن زرارة ، كانوا أربعين ، وقد سبق ذكره في أول كتاب الجمعة . وقد ذكر القاضي أبو يعلى وغيره وجه الاستدلال به : أن الجمعة فرضت بمكة ، وكان بالمدينة من المسلمين أربعة وأكثر ممن هاجر إليها وممن أسلم بها ، ثم لم يصلوا [ . .] كذلك حتى كمل العدد أربعين ، فدل على أنها لا تجب على أقل منهم ، ولم يثبت أبو بكر الخلال خلافه عن أحمد في اشتراط الأربعين .
قال : وإنما يحكى عن غيره ، أنه قال بثلاثة ، وبأربعة ، وبسبعة ، ولم يذهب إلى شيء من ذلك ، وهذا الذي قاله الخلال هو الأظهر . والله أعلم . وفي عدد الجمعة أحاديث مرفوعة ، لا يصح فيها شيء ، فلا معنى لذكرها .
وإذا تقرر هذا الأصل ، فمن قال : إن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلا أو بدونهم ، فلا إشكال عنده في معنى حديث جابر ؛ فإنه يحمله على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الجمعة بمن بقي معه ، وصحت جمعتهم . ومن قال : لا تصح الجمعة بدون أربعين ، فإنه يشكل عليه حديث جابر . وقد أجاب بعضهم : بأن الصحيح أنهم انفضوا ، وهو في الخطبة .
قال : فيحتمل أنهم رجعوا قبل الصلاة ، أو رجع من تم به الأربعون ، فجمع بهم . قال : والظاهر أنهم انفضوا ابتداء سوى اثني عشر رجلا ، ثم رجع منهم تمام أربعين ، فجمع بهم ، وبذلك يجمع بين رواية علي بن عاصم وسائر الروايات . وهذا الذي قاله بعيد ، ورواية علي بن عاصم غلط محض ، لا يلتفت إليها .
وسلك طائفة مسلكا آخر ، وظاهر كلام البخاري هاهنا وتبويبه يدل عليه ، وهو : أن انفضاضهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في نفس الصلاة ، وكان قد افتتح بهم الجمعة بالعدد المعتبر ، ثم تفرقوا في أثناء الصلاة ، فأتم بهم صلاة الجمعة ؛ فإن الاستدامة يغتفر فيها ما لا يغتفر في الابتداء . وهذا قول جماعة من العلماء ، منهم : أبو حنيفة وأصحابه والثوري ومالك والشافعي - في القديم - وإسحاق ، وهو وجه لأصحابنا . وعلى هذا ؛ فمنهم من اعتبر أن يبقى معه واحد فأكثر ؛ لأن أصل الجماعة تنعقد بذلك ، ومنهم من شرط أن يبقى معه اثنان ، وهو قول الثوري وابن المبارك ، وحكي قولا للشافعي .
وقال إسحاق : إن بقي معه اثنا عشر رجلا جمع بهم وإلا فلا ؛ لظاهر حديث جابر . وهو وجه لأصحابنا . ولأصحابنا وجه آخر : يتمها الإمام جمعة ، ولو بقي وحده .
وهذا بعيد جدا . وفرق مالك بين أن يكون انفضاضهم قبل تمام ركعة فلا تصح جمعتهم ويصلون ظهرا ، وبين أن يكون بعد تمام ركعة فيتمونها جمعة . ووافقه المزني ، وهو وجه لأصحابنا .
وقال أبو حنيفة : إن انفضوا قبل أن يسجد في الأولى فلا جمعة لهم ، وإن كان قد سجد فيها سجدة أتموها جمعة . وقال صاحباه : بل يتمونها جمعة بكل حال ، ولو انفضوا عقب تكبيرة الإحرام . ومذهب الشافعي - في الجديد - وأحمد والحسن بن زياد : أنه لا جمعة لهم ، حتى يكمل العدد في مجموع الصلاة .
قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : لم يختلف قول أحمد في ذلك . وقد وجدت جوابا آخر عن حديث جابر ، وهو : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد صلى بأصحابه الجمعة ، ثم خطبهم فانفضوا عنه في خطبته بعد صلاة الجمعة ، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك قدم خطبة الجمعة على صلاتها . فخرج أبو داود في مراسيله بإسناده ، عن مقاتل بن حيان ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيد ، حتى إذا كان يوم جمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، وقد صلى الجمعة ، فدخل رجل ، فقال : إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارته - وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف - فخرج الناس ، لم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء ، فأنزل الله عز وجل : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الخطبة يوم الجمعة ، وأخر الصلاة .
وهذا الجواب أحسن مما قبله . ومن ظن بالصحابة أنهم تركوا صلاة الجمعة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد دخولهم معه فيها ، ثم خرجوا من المسجد حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا ، فقد أساء بهم الظن ، ولم يقع ذلك بحمد الله تعالى . وأصل هذه المسائل : أن الجمعة يشترط لها الجماعة ، فلا تصح مع الانفراد ، وهذا إجماع لا نعلم فيه خلافا ، إلا ما تقدم حكايته عن أبي جحيفة ، أنه صلى ركعتين عند تأخير بعض الأمراء للجمعة ، وقال : أشهدكم أنها جمعة .
وحكي مثله عن الفاشاني ، والفاشاني ليس ممن يعتد بقوله بين الفقهاء . وذهب عطاء إلى أن من حضر الخطبة فقد أدرك الجمعة ، فلو أحدث بعد حضوره الخطبة ، فذهب فتوضأ ، ثم رجع وقد فرغ الإمام من صلاة الجمعة ، أنه يصلي ركعتين ؛ لأنه قد حضر الخطبة ، نقله عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عنه . وخالفه جمهور العلماء ، فقالوا : يصلي أربعا .
وفي مراسيل يحيى بن أبي كثير : من أدرك الخطبة فقد أدرك الصلاة . خرجه عبد الرزاق . ومراسيل يحيى ضعيفة جدا .
واختلفوا فيمن جاء والإمام يخطب ، قد فرغ من الخطبة . فقالت طائفة : لم يدرك الجمعة ، ويصلي أربعا ، روي ذلك عن عمر ، وعن طاوس وعطاء ومجاهد ومكحول ، وقالوا : الخطبة بدل عن الركعتين . قال عطاء : إن جلس قبل أن ينزل الإمام من المنبر فقد أدرك الخطبة ، فيصلي جمعة ، وإلا صلى أربعا .
وظاهر كلام عطاء : أن الجمعة ظهر مقصورة ؛ فإنه يقول : إن أدرك الخطبة قصر ، وإلا لم يقصر . وقال سعيد بن جبير : كانت الجمعة أربعا ، فجعلت الخطبة مكان الركعتين . وذهب طائفة : إلى أن من أدركهم في التشهد قبل السلام فقد أدرك الجمعة ، وهو قول الحكم وحماد وأبي حنيفة وأصحابه ، وحكي رواية عن النخعي ، ورواية عن أحمد ، ولا تكاد تصح عنه .
وروي عن ابن مسعود ، أنه قال لأصحابه - وقد أدرك الناس جلوسا في الجمعة - : قد أدركتم ، إن شاء الله . قال قتادة : إنما أراد : أدركتم الأجر . وذهب أكثر العلماء إلى أنه إن أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام ، فقد أدرك الجمعة ، ويتمها جمعة ، وإن فاتته الركعة الثانية صلى أربعا .
وروي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأنس ، وهو قول علقمة والأسود والحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والليث والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق . واستدلوا بحديث : من أدرك ركعة من الصلاة . ثم إن أكثرهم قالوا : يصلي من أدرك التشهد مع الإمام الظهر خلفه أربعا .
وهذا يتوجه على قول من يقول : يصح اقتداء من يصلي فرضا خلف من يصلي فرضا آخر . فأما من قال : لا يجوز ذلك ، فهو مشكل على أصولهم . فلهذا قال طائفة : لا يجزئه أن يصلي الظهر خلف من يصلي الجمعة ، بل يستأنف الظهر ، وهو اختيار بعض أصحابنا في المسبوق ، وفيما إذا نقص العدد في أثناء الجمعة .
وهو قول بعض فقهاء أهل المدينة ، إلا على قول من يقول : الجمعة ظهر مقصورة ، فيكون كمقيم صلى خلف مسافر . فلهذا قال بعضهم : ينوي في دخوله معه الجمعة ، ثم يصلي ظهرا إذا فارقه ، وهو بعيد . وحكي ذلك عن ابن شاقلا من أصحابنا .
وقد صنف ابن شاقلا في المسألة جزءا مفردا ، وقد تأملته ، فوجدته يقول : إن من أدرك التشهد خلف الإمام في يوم الجمعة ، فإنه يصلي جمعة أربع ركعات . قال : وإنما كانت جمعة هذا أربعا لاتفاق الصحابة عليه ، على خلاف القياس ، وكان القياس : أن يصلي الركعتين . وأخذ ذاك من قول أحمد - في رواية حنبل - : لولا الحديث الذي في الجمعة ، لكان ينبغي أن يصلي ركعتين إذا أدركهم جلوسا .
حتى قال ابن شاقلا : لو كان الإمام قد صلى الجمعة قبل زوال الشمس ، فأدركه في التشهد صلى أربعا ، وأجزأه ، وكانت جمعة . وقد قال سفيان الثوري : إذا نوى الجمعة ، وصلى أربعا أجزأته جمعته ، وإن لم ينو الجمعة فلا أراه يجزئه . وللشافعية فيما إذا نوى بصلاة الجمعة صلاة الظهر المقصورة : هل تصح جمعته ؟ وجهان ، على قولهم : إن الجمعة ظهر مقصورة .
وإن نوى الجمعة ، فإن قالوا : هي صلاة مستقلة أجزأه . وإن قالوا : ظهر مقصورة ، فهل تشترط نية القصر ؟ فيه وجهان لهم ، أصحهما : لا تشترط . ولو نوى الظهر مطلقا ، من غير تعرض للقصر ، لم يصح عندهم بغير خلاف .
وقال مالك - فيما نقله عنه ابن عبد الحكم - في الإمام ينزل بقرية لا تقام فيها الجمعة ، فيجمع فيها : إنه لا يكون جمعة ، بل يكون ظهرا مقصورة ، فتصح له ولمن معه من المسافرين ، ويتم أهل تلك القرية صلاتهم إذا سلم . وهو ظاهر ما ذكره في الموطأ ، ونقله عنه ابن نافع - أيضا . وظاهر هذا : يدل على صحة صلاة الظهر المقصورة بنية الجمعة .
قال ابن القاسم في المدونة : لا جمعة للإمام ولا لمن خلفه ، ويعيد ويعيدون ؛ لأنه جهر عامدا . وهذا تعليل عجيب ، وهو يقتضي أن من جهر في صلاة السر عمدا بطلت صلاته . والتعليل : بأنه لا تصح صلاة الظهر بنية الجمعة أظهر .
وذكر ابن المواز ، عن ابن القاسم : أما هو فصلاته تامة ، وأما هم فعليهم الإعادة . واختلف السلف في هذه المسألة : فقال عطاء - فيمن دخل قرية لا ينبغي أن تقام فيها الجمعة ، وهي القرية التي ليست جامعة عنده ، فأقام أهلها الجمعة ، فجمع معهم : إنه يتم صلاته ، فإذا سلم إمامهم أتم صلاته بركعتين ، ولا يقصر معهم . وقال الزهري : يجمع معهم ويقصر .
ومذهب أصحاب الشافعي : أن المسبوق في صلاة الجمعة يتم صلاته - إذا سلم الإمام - ظهرا . ثم منهم من قطع بذلك ، وهم جمهور العراقيين ، ومن الخراسانيين من بناه على القول في أن الجمعة : هل هي صلاة مستقلة أو ظهر مقصورة . فإن قيل : هي ظهر مقصورة أتمها ظهرا كالمسافر إذا امتنع عليه القصر لسبب ، وإن قيل : هي صلاة مستقلة ، فهل يتمها ظهرا ؟ فيها وجهان ، أصحهما : يتمها ظهرا ؛ لأنها بدل منها ، أو كالبدل .
فعلى هذا : هل يشترط أن ينوي قبلها ظهرا ، أو تنقلب بنفسها ؟ فيه وجهان - أيضا . وهذا كله تفريع على قولهم : ينوي الجمعة موافقة للإمام . ولهم وجه آخر : ينوي الظهر ؛ لأنه لا يصح له غيرها .
وهو قول الخرقي وأكثر أصحابنا . ومنهم من قال : هو ظاهر كلام أحمد . وحكاه - أيضا - عن مالك والشافعي ، وفي حكايته عن الشافعي نظر .