حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا

باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا راجلٌ : قائمٌ . 943 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي : أنا أبي : نا ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر - نحوا من قول مجاهد : إذا اختلطوا قياما . وزاد ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا .

وخرج مسلم من حديث سفيان عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف في بعض أيامه ، فقامت طائفة معه ، وطائفة بإزاء العدو ، فصلى بالذين معه ركعة ، ثم ذهبوا ، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ، ثم قضت الطائفتان ركعة ، ركعة . قالَ : وقال ابن عمر : فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء . فجعل هذا الوجه من قول ابن عمر ، ولم يرفعه .

وروى أبو إسحاق الفزاري ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر الحديث مرفوعا ، ولم يذكر في آخره : فإذا كان خوف أكثر من ذلك - إلى آخره . وخرج ابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث جرير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف ، فذكر صفتها بمعنى حديث موسى بن عقبة ، وقال في آخر الحديث : فإن كان خوفا أشد من ذلك فرجالا أو ركبانا . وقد خالف جريرا يحيى القطان وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر وغيرهم ، رووه عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، موقوفا كله .

ورواه مالك في الموطأ ، عن نافع ، عن ابن عمر - في صفة صلاة الخوف بطوله - وفي آخره : فإن كان خوفا هو أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم ، أو ركبانا ، مستقبلي القبلة ، أو غير مستقبليها . قال مالك : قال نافع : لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلّا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وخرجه البخاري في التفسير من طريق مالك كذلك .

قال ابن عبد البر : رواه مالك ، عن نافع ، على الشك في رفعه ، ورواه عن نافع جماعة لم يشكوا في رفعه ، منهم : ابن أبي ذئب وموسى بن عقبة وأيوب بن موسى . وذكر الدارقطني : أن إسحاق الطباع رواه عن مالك ورفعه من غير شك . وهذا الحديث ينبغي أن يضاف إلى الأحاديث التي اختلف في رفعها نافع وسالم ، وهي أربعة سبق ذكرها بهذا الاختلاف في رفع أصل الحديث في صلاة الخوف عن نافع .

وبقي اختلاف آخر ، وهو : في قوله في آخر الحديث : فإن كان خوفا أكثر من ذَلِكَ إلى آخره ؛ فإن هذا قد وقفه بعض من رفع أصل الحديث ، كما وقفه سفيان ، عن موسى بن عقبة ، وجعله مدرجًا في الحديث . وقد ذكر البخاري : أن ابن جريج رفعه عن موسى ، وخرجه من طريقه كذلك . وأما قول مجاهد المشار إليه في رواية البخاري : روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا إذا وقع الخوف صلى على كل وجهةٍ ، قائما أو راكبا أو ما قدر ، ويومئ برأسه ، ويتكلم بلسانه .

وروى أبو إسحاق الفزاري ، عن ابن أبي أنيسة ، عن أبي الزبير ، قال : سمعت جابرا سُئل عن الصلاة عند المسايفة ؟ قالَ : ركعتين ركعتين ، حيث توجهت على دابتك تومئ إيماء . ابن أبي أنيسة ، أظنه : يحيى ، وهو ضعيف . وخرجه الإسماعيلي في صحيحه ، وخرجه من طريقه البيهقي ، من رواية حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، عن ابن كثير ، عن مجاهد ، قالَ : إذا اختلطوا ، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس .

قال ابن جريج : حدثني موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بمثل قول مجاهد : إذا اختلطوا ، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس . وزاد : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : فإن كثروا فليصلوا ركبانا أو قياما على أقدامهم يعني : صلاة الخوف . وخرجه - أيضا - من رواية سعيد بن يحيى الأموي ، عن أبيه ، عن ابن جريج ، ولفظه : عن ابن عمر - نحوًا من قول مجاهد : إذا اختلطوا ، فإنما هو الذكر وإشارة بالرأس .

وزاد ابن عمر : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا . كذا قرأته بخط البيهقي . وخرجه أبو نعيم في مستخرجه على صحيح البخاري من هذا الوجه ، وعنده : قياما وركبانا وهو أصح .

وهذه الرواية أتم من رواية البخاري . ومقصود البخاري بهذا : أن صلاة الخوف تجوز على ظهور الدواب للركبان ، كما قال تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا ويعني : رجالا : قياما على أرجلهم ، فهو جمع راجل ، لا جمع رجل ، و الركبان : على الدواب . وقد خرج فيه حديثا مرفوعًا .

وقد روي عن ابن عمر وجابر ، كما سبق . وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن المطلوب يصلي على دابته - كذلك قال عطاء بن أبي رباح ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور - وإذا كان طالبا نزل فصلى بالأرض . قال الشافعي : إلا في حال واحدة ، وذلك أن يقل الطالبون عن المطلوبين ، ويقطع الطالبون عن أصحابهم ، فيخافون عودة المطلوبين عليهم ، فإذا كانوا هكذا كان لهم أن يصلوا يومئون إيماءً .

انتهى . وممن قال : يصلي على دابته ويومئ : الحسن والنخعي والضحاك ، وزاد : أنه يصلي على دابته طالبا كان أو مطلوبًا ، وكذا قال الأوزاعي . واختلفت الرواية عن أحمد : هل يصلي الطالب على دابته ، أم لا يصلي إلا على الأرض ؟ على روايتين عنه ، إلا أن يخاف الطالب المطلوب ، كما قال الشافعي ، وهو قول أكثر العلماء .

قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : أما المطلوب ، فلا يختلف القول فيه ، أنه يصلي على ظهر الدابة ، واختلف قوله في الطالب فقالوا عنه : ينزل فيصلي على الأرض ، وإن خاف على نفسه صلى وأعاد ، وإن أخر فلا بأس ، والقول الآخر : أنه إذا خاف أن ينقطع عن أصحابه أن يعود العدو عليه ، فإنه يصلي على ظهر دابته ، فإنه مثل المطلوب لخوفه ، وبه أقول . انتهى . وما حكاه عن أحمد من أن الطالب إذا خاف فإنه يصلي ويعيد ، فلم يذكر به نصا عنه ، بل قد نص على أنه مثل المطلوب .

قال - في رواية أبي الحارث - : إذا كان طالبا وهو لا يخاف العدو ، فما علمت أحدا رخص له في الصلاة على ظهر الدابة ، فإن خاف إن نزل أن ينقطع من الناس ، ولا يأمن العدو فليصل على ظهر دابته ويلحق بالناس ، فإنه في هذه الحال مثل المطلوب . ونقل هذا المعنى عنه جماعة ، منهم : أبو طالب والأثرم . وله أن يصلي مستقبل القبلة وغير مستقبلها على حسب القدرة .

وفي وجوب استفتاح الصلاة إلى القبلة روايتان عن أحمد : فمن أصحابنا من قال : الروايتان مع القدرة ، فأما مع العجز فلا يجب رواية واحدة . وقال أبو بكر عبد العزيز عكس ذلك ، قالَ : يجب مع القدرة ، ومع عدم الإمكان ، روايتان . وهذا بعيد جدا - أعني : وجوب الاستفتاح إلى القبلة مع العجز ، ولعل فائدة إيجاب الإعادة بدونه .

ولهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف رجالا وركبانا في جماعة ، نص عليه أحمد ، وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : لا يصلون جماعة بل فرادى ؛ لأن المحافظة على الموقف والمتابعة لا تمكن . وقال أصحابنا ومن وافقهم : يعفى عن ذلك هاهنا ، كما يعفى عن استدبار القبلة والمشي في صلوات الخوف ، وإن كان مع الانفراد يمكن ترك ذَلِكَ .

قالوا : ومتى تعذرت المتابعة لم تصح الجماعة بلا خلاف .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث