باب سنة العيدين لأهل الإسلام
باب سنة العيدين لأهل الإسلام فيه حديثان : الأول : 951 - حدثنا حجاج : أنا شعبة : أخبرني زبيد : سمعت الشعبي ، عن البراء : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فقال : إن أول ما نبرأ في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل هذا فقد أصاب سنتنا . مراده : الاستدلال بهذا الحديث على أن سنة أهل الإسلام التي سنها لهم نبيهم - صلى الله عليه وسلم - في عيد النحر : الصلاة ثم النحر بعد رجوعهم من الصلاة . وهذا مما اتفق المسلمون على أنه سنة في يوم النحر ، وإنما اختلفوا : هل هو واجب ، أم لا ؟ فأما النحر ، فيأتي الكلام عليه في موضع آخر - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
وأما صلاة العيد ، فاختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال : أحدها : أنها سنة مسنونة ، فلو تركها الناس لم يأثموا . هذا قول الثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبي يوسف ، وحكي رواية عن أحمد . واختلفوا : هل يقاتلون على تركها ؟ وفيه وجهان للشافعية .
وقال أبو يوسف : آمرهم وأضربهم ؛ لأنها فوق النوافل ، ولا أقاتلهم ؛ لأنها دون الفرائض . وقد يتعلق لهذا القول بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المصلي يوم العيد أنه أصاب السنة . ولا دليل فيه ؛ فإن السنة يراد بها الطريقة الملازمة الدائمة ، كقوله : ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ﴾والقول الثاني : أنها فرض كفاية ، فإذا اجتمع أهل بلد على تركها أثموا وقوتلوا على تركها .
وهو ظاهر مذهب أحمد ، نص عليه في رواية المروذي وغيره . وهو قول طائفة من الحنفية والشافعية . والقول الثالث : أنها واجبة على الأعيان كالجمعة .
وهو قول أبي حنيفة ، ولكنه لا يسميها فرضًا . وحكى أبو الفرج الشيرازي - من أصحابنا - رواية عن أحمد : أنها فرض عين . وقال الشافعي - في مختصر المزني - : من وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيدين .
وهذا صريح في أنها واجبة على الأعيان . وليس ذلك خلافًا لإجماع المسلمين ، كما ظنه بعضهم . وكثير من أصحابه تأولوا نصه بتأويلات بعيدة ، حتى إن منهم من حمله على أن الجمعة فرض كفاية كالعيد .
وأقرب ما يتأول به : أن يحمل على أن مراده : أن العيد فرض كفاية ؛ لأن فروض الكفاية كفروض الأعيان في أصل الوجوب ، ثُمَّ يسقط وجوب فرض الكفاية بفعل البعض دون فرض العين . فقد يقال : إن الشافعي أراد أن يعلق الوجوب في العيد بمن يتعلق به وجوب الجمعة وإن كانت العيد تسقط بحضور بعض الناس دون الجمعة . وهذا أشبه مما تأوله به أصحابه ، مع مخالفته لظاهر كلامه وبعده منه ؛ فإنه صرح بوجوب الحضور في العيد كحضور الجمعة .