باب ما جاء في الوتر
والمراد : أنه يسلم في كل ركعتين ، وبذلك فسره ابن عمر . أخرجه مسلم في صحيحه . ويدل بمفهومه على أن صلاة النهار ليست كذلك ، وأنه يجوز أن تصلى أربعا .
وقد كان ابن عمر - وهو راوي الحديث - يصلي بالنهار أربعا ، فدل على أنه عمل بمفهوم ما روى . فروى يحيى الأنصاري وعبيد الله بن عمر ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يتطوع بالنهار بأربعٍ ، لا يفصل بينهن . وبهذا رد يحيى بن معين وغيره الحديث المروي ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ، من رواية شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن علي الأزدي ، عن ابن عمر . وقد أعله الترمذي ، بأن شعبة اختلف عليه في رفعه ووقفه . وذكر الإمام أحمد : أن شعبة كان يتهيبه .
وأعله ابن معين وغيره ، بأن أصحاب ابن عمر الحفاظ رووا كلهم ، عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : صلاة الليل مثنى مثنى ، من غير ذكر النهار ، أكثر من خمسة عشر نفسا ، فلا يقبل تفرد علي الأزدي بما يخالفهم . وأعله الإمام أحمد وغيره بأنه روي عن ابن عمر ، أنه كان يصلي بالنهار أربعًا ، فلو كان عنده نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخالفه . وتوقف أحمد - في رواية ، عنه - في حديث الأزدي .
وقال - مرة - : إسناده جيد ، ونحن لا نتقيه . وقد روي ، عن ابن عمر موقوفًا عليه - أيضًا - صلاة الليل والنهار مثنى مثنى . وروي عنه - مرفوعًا - من وجه آخر .
وقيل : إنه ليس بمحفوظ . قاله الدارقطني وغيره . وذكر مالك ، أنه بلغه ، أن ابن عمر كان يقول : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ، يسلم من كل ركعتين .
قلت : من يقول : لا مفهوم لقوله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة الليل مثنى مثنى يقول : إن ذكر الليل إنما كان جوابا لسؤال سائل ، سأل عن صلاة الليل ، ومثل هذا يدفع أن يكون له مفهوم معتبر . والله سبحانه وتعالى أعلم . وقد بوب البخاري في أبواب صلاة التطوع على أن صلاة النهار مثنى مثنى ، ويأتي الكلام فيه في موضعه - إن شاء الله تعالى .
والكلام هنا في صلاة الليل . وهذا الحديث : يدل على أن التطوع بالليل كله مثنى مثنى ، سوى ركعة الوتر ، فإنها واحدة . وقد عارض هذا حديث عائشة الذي خرجه مسلم ، خرجه من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، يوتر في ذلك بخمس ، لا يجلس في شيء منهن ، إلا في آخرهن .
وقد تكلم في حديث هشام هذا غير واحد . قال ابن عبر البر : قد أنكر مالك . وقال : مذ صار هشام إلى العراق أتانا عنه ما لم يعرف منه .
وقد أعله الأثرم ، بأن يقال في حديثه : كان يوتر بواحدة ، كذا رواه مالك وغيره عن الزهري . ورواه عمرو بن الحارث ويونس ، عن الزهري ، وفي حديثهما : يسلم من كل ركعتين ، ويوتر بواحدة . وقد خرجه مسلم من طريقهما - أيضا .
وكذا رواه ابن أبي ذئب والأوزاعي ، عن الزهري . خرج حديثهما أبو داود . قال الأثرم : وقد روى هذا الحديث عن عائشة غير واحد ، لم يذكروا في حديثهم ما ذكره هشام عن أبيه ، من سرد الخمس .
ورواه القاسم ، عن عائشة ، في حديثه : يوتر بواحدة . ولم يوافق هشامًا على قوله إلا ابن إسحاق ، فرواه عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - بنحو رواية هشام . وخرجه أبو داود من طريقه كذلك .
ورواه - أيضا - سعد بن هشام ، عن عائشة ، واختلف عليه فيه : فخرجه مسلم من رواية قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام ، أنه سأل عائشة عن وتر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : كان يصلي تسع ركعات ، لا يجلس إلا في الثامنة ، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ، ثُمَّ ينهض ولا يسلم ، ثم يقوم فيصلي ركعة ، ثم يقعد ، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا ، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد ، فتلك إحدى عشرة ركعة ، فلما أسن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذه اللحم أوتر بسبع ، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول ، فتلك تسع يا بني . وفي رواية له : أن قتادة أخبره سعد بن هشام بهذا ، وكان جارًا له . وقد خرّجه أبو داود بلفظ آخر ، وهو : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ثمان ركعات ، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة ، فيجلس فيذكر الله ، ثم يدعو ، ثم يسلم تسليمًا ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم ، ثم يصلي ركعة ، فتلك إحدى عشرة ركعة .
وفي هذه الرواية : أنه كان يصلي الركعتين جالسًا قبل الوتر ، ثم يوتر بعدها بواحدة . وهذا يخالف ما في رواية مسلم . ورواه سعد بن هشام ، عن عائشة ، واختلف عليه في لفظه : فروي عنه : الوتر بتسعٍ ، وروى عنه : بواحدة .
ورواه أبان عن قتادة بهذا الإسناد ، ولفظه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث ، ولا يقعد إلا في آخرهن . قال الإمام أحمد : فهذه الرواية خطأ . يشير إلى أنها مختصرة من رواية قتادة المبسوطة .
وقد روي في هذا المعنى من حديث ابن عباس وأم سلمة . وقد تكلم الأثرم في إسنادهما . وطعن البخاري في حديث أم سلمة بانقطاعه ، وذكر أن حديث ابن عمر في الوتر بركعة أصح من ذلك .
وكذلك الروايات الصحيحة عن ابن عباس في وصفه صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة بات عند خالته ميمونة ، يدل عليه : أنه - صلى الله عليه وسلم - من كل ركعتين وأوتر بواحدة . فلهذا رجحت طائفة حديث ابن عمر وابن عباس ، وقالوا : لا يصلي بالليل إلا مثنى مثنى ، ويوتر بواحدة . وهذه طريقة البخاري والأثرم .
وقال ابن عبد البر : هو قول أهل الحجاز ، وبعض أهل العراق . ثم حكى عن مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد ، أن صلاة الليل مثنى مثنى . قال : وقال أبو حنيفة في صلاة الليل : إن شئت ركعتين ، وإن شئت أربعا ، وإن شئت ستًا وثمانيًا ، لا تسلم إلا في آخرهن .
وقال الثوري والحسن بن حي : صلاة الليل ما شئت ، بعد أن تقعد في كل ركعتين وتسلم في آخرهن . وحكى الترمذي في كتابه أن العمل عند أهل العلم على أن صلاة الليل مثنى مثنى . قال : وهو قول سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق .
وحكاه ابن المنذر وغيره عن ابن عمر وعمار ، وعن الحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي وسعيد بن جبيرٍ وحماد ومالك والأوزاعي . وحكي عن عطاء ، أنه قال : في صلاة الليل والنهار : يجزئك التشهد . وهذا يشبه ما حكاه ابن عبد البر ، عن الثوري والحسن بن حي .
وهو مبني على أن السلام ليس من الصلاة ، وأنه يخرج منها بدونه ، كما سبق ذكره . وقد روي عن النخعي نحوه . ومذهب سفيان الذي حكاه أصحابه أنه لا بأس أن يصلي بالليل والنهار أربعا أو ستا أو أكثر من ذلك ، لا يفصل بينهنَّ إلا في آخرهن .
قال : وإذا صلى بالليل مثنى ، فهو أحب إليّ . وحمل هؤلاء كلهم قول عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي أربعا ، ثم أربعا على أنه كان لا يسلم بينها ، وسيأتي حديثها بذلك - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وحمله الآخرون على أنه كان يفصل بينها بسلام .
وهذا كله في التطوع المطلق في الليل ، فأما الوتر فاختلفوا فيه على أقوال : أحدها : أنه ركعة واحدة ، مفصولة مما قبلها ، على مقتضى حديث ابن عمر ، وبعض ألفاظ حديث عائشة . قال ابن المنذر : روينا عن ابن عمر ، أنه يقول : الوتر ركعة . ويقول : كان ذلك وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر .
قالَ : وممن روينا عنه : الوتر ركعة : عثمان وسعد وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية وأبو موسى وابن الزبير وعائشة ، وفعله معاذ القاري ، ومعه رجال من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لا ينكر ذلك منهم أحد . وبه قال ابن المسيب وعطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، غير أن مالكًا والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق رأوا أن يصلي ركعتين ، ثم يسلم ، ثم يوتر بركعة . انتهى .
وذكر الزهري وغيره : أن عمل المدينة كان على ذلك إلى زمن الخيرة . وممن قال الوتر : ركعة - أيضًا - : فقهاء أهل الحديث ، سليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم . والأفضل عندهم : أن يصلي ركعة يوتر بها بعد ركعتين .
أما إن اقتصر على ركعة يوتر بها ، ففي كراهته قولان : أحدهما : أنه يكره . وهو قول أحمد - في أكثر الروايات ، عنه . ويستثني من ذلك من يستيقظ قرب الفجر ، ويخاف أن يطلع عليه الفجر ، فيوتر بواحدة .
وهو قول إسحاق ، قال : إلا من عذر مرض أو سفر . وكذا قال أبو بكر من أصحابنا . قال أحمد : إنما جاء الوتر بركعة بعد تطوع مثنى .
وقال سفيان : إن خشي الفجر فأوتر بواحدة أجزأه ، والثلاث أحب إلينا . ومذهب مالك : لا بد أن يكون قبل ركعة الوتر شفع يسلم بينهما في الحضر والسفر . وقال مجاهد : ما أحب إن يكون وتري إلا على صلاة .
وروى ابن عبد البر ، بإسناد فيه نظر ، عن عثمان بن محمد بن ربيعة ، عن الدراوردي ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه نهى عن البتيراء ، أن يصلي الرجل ركعة واحدة ، يوتر بها . وعثمان هذا ، قال العقيلي : الغالب على حديثه الوهم . وقبله في الإسناد من لا يعرف .
وقد روي هذا - مرسلًا . خرجه سعيد بن منصور ، من حديث محمد بن كعب القرظي ، مرسلًا . والقول الثاني : لا يكره .
وروي عن سعد بن أبي وقاص ، وأبي موسى ، ومعاوية أنهم فعلوه . وعن ابن عباس ، أنه صوب فعل معاوية . وقال أحمد - في رواية الشالنجي - : لا بأس به .
وهو قول الشافعي . واختلف أصحابه : هل الركعة المفردة أفضل من ثلاث موصولة ؟ على وجهين لهم . ومنهم من قالَ : المنفردة أفضل من إحدى عشرة موصولة .
وقال الأوزاعي : حدثني المطلب بن عبد الله المخزومي ، قال : أتى ابن عمر رجل ، فقال : كيف أوتر ؟ قالَ : أوتر بواحدة ، قالَ : إني أخشى أن يقول الناس : إنها البتيراء ، قالَ : سنة الله ورسوله ، يريد : هذه سنة الله ورسوله . المطلب ، لم يسمع من ابن عمر . وروى ابن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي منصور مولى سعد ابن أبي وقاص ، قال : سألت ابن عمر عن الوتر ، فقال : وتر الليل واحدة ، بذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قلت : يا أبا عبد الرحمن ، إن الناس يقولون : البتيراء ؟ قالَ : يا بني ، ليس تلك البتيراء ، إنما البتيراء أن يصلي الرجل الركعة التامة في ركوعها وسجودها وقيامها ، ثُمَّ يقوم في الأخرى ولا يتم لها ركوعًا ولا سجودًا ولا قيامًا ، فتلك البتيراء .
خرجهما البيهقي . وأجاز أحمد وأصحابه وإسحاق : أن يوتر بثلاث موصولة ، وأن يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن ، وبتسع لا يجلس إلا في الثامنة ، ولا يسلم ثم يقوم فيصلي ركعة ، ثم يسلم ؛ لما جاء في حديث عائشة المتقدم . وجعلوا هذه النصوص خاصة ، تخص عموم حديث صلاة الليل مثنى مثنى ، وقالوا - في التسع والسبع والخمس - : الأفضل أن تكون بسلام واحد لذلك .
فأما الوتر بسبع ، فنص أحمد على أنه لا يجلس إلا في آخرهن . ومن أصحابنا من قالَ : يجلس عقيب السادسة بتشهد ، ولا يسلم . وقد اختلف ألفاظ حديث عائشة في ذلك .
فأما الوتر بإحدى عشرة ، فيكون بست تسليمات ، وإن صلاه بتسليمة واحدة ، وتشهد عقب العاشرة ، ولم يسلم جاز ، قاله بعض . ومنهم من حكى في الجميع وجهين : أحدهما : أن الأفضل أن يسلم من كل ركعتين ، وصححه غير واحد من أصحابنا . والثاني : الأفضل سرد الجميع بسلام واحد ، ولا يجلس إلا في آخر الإشفاع ، فيتشهد ، ثم يصلي ركعة ويسلم .
ومذهب إسحاق : إن أوتر بإحدى عشرة ركعة سلم في كل ركعتين . ويجوز عند أصحابنا أن يتطوع بأربع ، وبأكثر من أربع ، بسلام واحد ، وحكوه عن أكثر العلماء ، إلا عن محمد بن الحسن وزفر ، فإنهما قالا : لا بد أن يتشهد عقيب كل ركعتين . وفي صحة التنفل بالإشفاع ، كثلاث ركعات ، وخمس ركعات ، وسبع في غير صلاة الوتر عن أحمد روايتان .
ومذهب الشافعي وأصحابه أنه يجوز أن يصلي بسلام واحد ، ما شاء من الركعات ، من واحدة إلى ما لا نهاية له بالليل والنهار ، وإن كان الأفضل أن يسلم فيهما في كل ركعتين ، والوتر وغيره . ونص الشافعي في الإملاء على أنه يجوز له أن يصلي عددًا لا يعلمه ، ثم يسلم ، كما روى عن أبي ذر أنه فعله . ولأصحابه وجه : أنه لا يجوز الزيادة على ثلاثة عشر ركعة بتسليمة واحدة ؛ لأنه أكثر المنقول في الوتر ، وهوَ ضعيف عندهم .
فإن صلى ركعة واحدة تشهد عقيبها وسلم ، وإن صلى أكثر من ذلك فله أن يقتصر على تشهد في آخر الركعات - وإن كثرت - ، ويسلم عقيبه بغير خلاف عندهم ، إلا في وجه ضعيف لا يعبأ به . وإن أراد الزيادة على تشهد واحد ، ففيه أوجه لهم : أحدها : أن له أن يتشهد في كل ركعتين ، وإن كثرت التشهدات ، ويتشهد في الأخيرة ، وله أن يتشهد في كل أربع ، أو ثلاث أو ست ، أو غير ذلك . ولا يجوز أن يتشهد في كل ركعة ؛ لأنه اختراع صورة في الصَّلاة لا عهد بها .
والثاني : لهُ أن يتشهد في كل ركعتين ، وفي كل ركعة ، وضعفه المحققون منهم . والثالث : لا يجلس إلا في الأخيرة ، وغلطوه - أيضا . والرابع : لا يجوز الزيادة على تشهدين بحال في الصلاة الواحدة ، ولا يجوز أن يكون بين التشهدين أكثر من ركعتين ، إن كان العدد شفعًا ، وإن كان وترًا لم يجز بينهما أكثر من ركعة .
قال صاحب شرح المهذب : وهو قوي ، وظواهر السنة تقتضيه . وهذا كله في النوافل المطلقة ، فأما في الوتر بخصوصه ، فهل يجوز أن يزاد فيه على تشهدين ؟ فيهِ وجهان : أصحهما - عندهم - : لا يجوز ؛ لأنه خلاف المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولأن النوافل المطلقة لا حصر لركعاتها وتشهداتها ، بخلاف الوتر . وذهبت طائفة إلى أنها لا تجوز الزيادة على ركعتين بتسليمة واحدة ، ولا زيادة الوتر على ركعة .
وهو الذي رجحه الأثرم ، وقال : لم يصح في الوتر بثلاث ، فما زاد من غير تسليم حديث واحد ، ولا أكثر منه . وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الوتر بثلاث ركعات بتشهدين من غير تسليم كالمغرب لا يجوز زيادته ولا نقصه . وروي الوتر بثلاث عن جماعة من الصحابة والتابعين .
وحكاه الحسن ، عن عمر وأبي بن كعب . وهو منقطع عنهما . وروى الأعمش ، عن مالك بن الحارث ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : قال عبد الله بن مسعود : الوتر بثلاث كوتر النهار المغرب .
قال البيهقي : هو صحيح عن ابن مسعود ، ورفعه رجل ضعيف عن الأعمش ، وكذا قال الدارقطني : إن رفعه لا يصح . وروي - أيضا - عن أنس بن مالك . وهو قول ابن المسيب ، وأبي العالية ومكحول والنخعي وعمر بن عبد العزيز .
وقال الأوزاعي : إن فصل فحسن ، وإن لم يفصل فحسن . وأجاز أحمد الفصل وتركه ، والفصل عنده أحسن ، وقال : الأحاديث فيه أقوى وأكثر وأثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وكذلك مذهب الشافعي ، كما سبق .
ولأصحابنا وجه : أن الوتر بثلاث موصولة يكون بتشهد واحد . وروي عن عطاء ، أنه كان يوتر بثلاث لا يجلس فيهن ، ولا يتشهد إلا في آخرهن . وروى البخاري في تاريخه بإسناده ، عن إسماعيل بن زيد بن ثابت ، أن زيدا كان يوتر بخمس ، لا يسلم إلا في الخامسة ، وكان أبي يفعله .
قال البيهقي : كذا وجدته أبي مقيدًا . يعني : بالتشديد ، يريد : ابن أبي بن كعب . وروى وكيع ، عن الأعمش ، عن بعض أصحابه ، قال : قالَ عبد الله : الوتر سبع أو خمس ، ولا أقل من ثلاث .
وروي عن عراك ، عن أبي هريرة ، قال : لا توتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب ، ولكن أوتروا بخمس ، أو سبع ، أو تسع ، أو إحدى عشرة أو أكثر من ذَلِكَ . وروي عنه ، مرفوعًا . خرجه الحاكم ، وصححه .
وفي رفعه نكارة . وقال أبو أيوب الأنصاري : أوتر بخمس ، أو بثلاث ، أو بواحدة . خرجه النسائي وغيره - موقوفا .
وخرجه أبو داود والنسائي - أيضا - وابن ماجه مرفوعًا . والموقوف أصح عند أبي حاتم والنسائي والأثرم وغيرهم . وقال ابن سيرين : كانوا يوترون بخمسٍ ، وبثلاثٍ ، وبركعة ، ويرون كل ذلك حسنًا .
خرجه الترمذي . قال : وقال سفيان : إن شئت أوترت بخمسٍ ، وإن شئت أوترت بثلاث ، وإن شئت أوترت بواحدة ، قال : والذي أستحب أن يوتر بثلاث . وحكى أصحاب سفيان ، عنه ، أنه إن شاء أوتر بخمسٍ ، أو سبع ، أو تسعٍ ، أو إحدى عشرة ، لا يسلم إلا في آخرهن ، إذا فرغ .
ومن العلماء من قال : الوتر ثلاث عشرة ، وهو قول بعض الشافعية ، ووجه لأصحابنا . ولو زاد على ذلك لم يجز ولم يصح وتره عند جمهور الشافعية . ولهم وجه آخر : بصحته وجوازه .
وهذا إذا كان الجميع بسلام واحد ، أو نوى بالجميع الوتر . وروى الشافعي بإسناده ، عن كريب ، عن ابن عباس ، قال : هي واحدة ، أو خمس ، أو سبع ، أو أكثر من ذلك ، الوتر ما شاء . وقد كره قوم الوتر بثلاث ، وقالوا : لا يكون إلا سبع أو خمس .
فروى شعبة ، عن الحكم ، قالَ : قلت لمقسم : إني أسمع الأذان فأوتر بثلاث ، ثم أخرج إلى الصلاة ؛ خشية أن تفوتني ؟ قالَ : إن ذَلِكَ لا يصلح إلا بخمس ، أو سبع ، فسألته عمن ؟ فقالَ : عن الثقة ، عن الثقة ، عن عائشة وميمونة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . خرجه الإمام أحمد . وروى الشافعي بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه كان يوتر بخمس أو سبع .
وبإسناد منقطع عنه ، أنه كان يكره أن يكون ثلاثا تترى ، ولكن خمسًا أو سبعا . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر : صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة ، توتر له ما قد صلى يدل على أن هذه الركعة الواحدة جعلت مجموع ما صلى قبلها وترًا ، فيكون الوتر هو مجموع صلاة الليل الذي يختم بوتر . وهذا قول إسحاق بن راهويه ، واستدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : أوتروا يا أهل القرآن ، وإنما أراد صلاة الليل .
وقالت طائفة : الوتر هو الركعة الأخيرة ، وما قبله فليس منه . وهو قول طائفة من أصحابنا ، منهم : الخرقي وأبو بكر وابن أبي موسى . وفي كلام أحمد ما يدلُّ عليه .
ومن أصحابنا من قال : الجميع وتر . وقد اختلفت الرواية عن أحمد فيمن فاته الوتر ، وقلنا : يقضيه ، هل يقضي ركعة واحدة ؟ أو ثلاث ركعات ؟ على روايتين ، عنه . ويحسن أن يكون مأخذهما أن الوتر : هل هو الركعة الواحدة ، وما قبله تنفل مطلق ؟ أو الوتر مجموع الثلاث ؟ وإلى هذا أشار أبو حفص البرمكي من أصحابنا .
وقد نقل الأثرم وغيره عن أحمد ، أنه إذا قضى الوتر بعد طلوع الفجر فإنه يقضي ثلاث ركعات . وقال : لم يرد التطوع ، وإنما أراد الوتر . وهذا ظاهر في أن المجموع وتر ، ويحتمل أن يكون مراده أن الركعتين قبل الوتر متأكدة تابعة للوتر ، فتقضى معه في أوقات النهي أيضا .
وقد تقدم عن المالكية أن ما قبل الوتر هو شفع له . وقاله بعض أصحابنا أيضا . وقد ذكر أبو عمرو ابن الصلاح : أن أصحاب الشافعي اختلفوا في ذلك على أوجه : أحدها : أن من أوتر بثلاث ينوي بالركعتين مقدمة الوتر ، وبالأخيرة الوتر ، قاله أبو محمد الجويني .
والثاني : أنه ينوي بالركعتين سنة الوتر وبالثالثة الوتر ، حكاه الروياني . قال : وفي هذين الوجهين تخصيص للوتر بالركعة الأخيرة ، والثاني يشعر بأن للوتر سنة ، ولا عهد لنا بسنة لها سنة هي صلاة . وفي الوجهين أن الركعتين قبل الوتر لهما تعلق بالوتر .
والثالث : أن ينوي بما قبل الركعة الأخيرة التهجد أو قيام الليل ، وفي هذا قطع لذلك عن الوتر . قال : وما اتفقت عليه هذه الوجوه من تخصيص الوتر بالركعة المفردة على وفق قول الشافعي في رواية البويطي : الوتر ركعة واحدة . وقال الماوردي : لا يختلف قول الشافعي : أن الوتر ركعة واحدة .
ويشهد للوجه الثالث حديث ابن عمر : صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة . والرابع : أنه ينوي بالجميع الوتر ، قاله القاضي أبو الطيب الطبري ، واختاره الروياني . ويشهد له قول الشيخ أبي إسحاق وغيره : أقل الوتر ركعة ، وأكثره إحدى عشرة ركعة .
وفي بعض كلام الشافعي إيماء إليه . قال : وهو المختار ؛ لأن فيهِ جمعا بين الأحاديث كلها ؛ إذ الواحدة الأصل في الإيتار ، وبها يصير ما قبلها وترًا . واستدل برواية من روى : توتر له ما قد صلى ، كما خرجه البخاري ، وبأن نافعا ذكر عن ابن عمر ، أنه كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر ؛ فإنه يدل على أن الجميع من الوتر .
ورواية من روى : فأوتر بواحدة فيها محذوف ، تقديره : فأوتر ما مضى من صلاتك بواحدة ، كما صرح به في الرواية الأخرى . قالَ : ويلي هذا الوجه في القوة الوجهان الأولان ، وأبعدها الثالث ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وفي شرح المهذب : الصحيح المنصوص - يعني : عن الشافعي في الأم و المختصر - : أن الوتر يسمى تهجدًا .
وفيه وجه : أنه لا يسمى تهجدا بل الوتر غير التهجد . وهذا هو الذي ذكره بعض أصحابنا . وينبغي أن يكون مبنيًا على القول بأن الوتر هو الركعة المنفردة وحدها ، فأما إن قلنا : الوتر الركعة بما قبلها ، فالوتر هو التهجد ، وإن لم ينو به الوتر .
وقد كان ابن عمر يفصل بين الركعة التي يوتر بها وما قبلها بكلام ، كما في رواية البخاري . واستحب أحمد أن يكون عقيبها ، ولا يؤخرها عما قبلها ، وقال : كان ابن عمر يستحب أن يتكلم بينهما بالشيء ، ثم يقوم فيوتر بركعة ، وقال : هذا عندنا ثبت ، ونحن نأخذ به . وينبغي أن يكون الاختلاف في تسمية ما قبل الركعة الأخيرة وترًا مختصًا بما إذا كانت الركعات مفصولة بالتسليم بينها ، فأما إن أوتر بتسع ، أو بسبع ، أو بخمس ، أو ثلاث بسلام واحد ، فلا ينبغي التردد في أن الجميع وتر .
ويدل عليه ما خرجه مسلم ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، يوتر في ذلك بخمس ، لا يجلس إلا في آخرهن . فجعلت الوتر الخمس الموصولة بسلام واحد ، دون ما قبلها . وقوله صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر - : فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة ، توتر له ما صلى وفي رواية تأتي فيما بعد : فاركع ركعة واحدة ، يدل على أن الأفضل تأخير الوتر إلى آخر الليل ، ويأتي الكلام فيه فيما بعد ، إن شاء الله سبحانه وتعالى .
ويدل على أن الوتر مأمور به . وهل الأمر به للوجوب ، أم لتأكد الاستحباب ؟ فيهِ قولان مشهوران . وأكثر العلماء على أنه للاستحباب ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم .
وروي عن علي بن أبي طالب وعبادة بن الصامت . وروي عن أبي أيوب الأنصاري أنه واجب . وعن معاذ ، من وجه منقطع .
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، وأبي بكر بن جعفر من أصحابنا ، ذكره في كتاب التنبيه . وكذا قال في صلاة التراويح ، مع أنه صرح في كتاب الشافي بأن الوتر ليس بواجب ، وليس هو بفرض كالصلوات الخمس بغير خلاف . وقد سبق الكلام في ذلك في كتاب الإيمان عند ذكر حديث طلحة ، أن أعرابيا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام ، فذكر له الصلوات الخمس فقالَ : هل علي غيرها ؟ قالَ : لا ، إلا أن تتطوع .
وذكرنا قول من قال : إن الوتر واجب على أهل القرآن دون غيرهم ، وأنه يرجع إلى القول بوجوب قيام شيء من الليل على أهل القرآن خاصة . وعن الحسن وابن سيرين : لا بد من قيام الليل ، ولو قدر حلب شاة . وعن عبيدة السلماني .
وفيه حديث مرفوع ، ولا يصح . ومن المتأخرين من قال : من صلى بالليل تهجدا وجب عليه أن يوتره ، ويجعل آخره وترا ؛ لحديث ابن عمر ، ومن لم يتهجد فلا وتر عليهِ . وقال أحمد : من ترك الوتر فهو رجل سوء ؛ هوَ سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقال في رواية جعفر بن محمد : هوَ رجل سوء ، لا شهادة لهُ . فاختلف أصحابنا في وجه ذلك : فمنهم من حمله على أنه أراد أنه واجب ، كما قاله أبو بكر بن جعفر ، وهو بعيد ؛ فإن أحمد صرح بأنه سنة . ومنهم من قال : أراد إن داوم على تركه أو أكثر منه ؛ فإنه ترد شهادته بذلك ؛ لما فيه من التهاون بالسنن المؤكدة ، وكذا حكم سائر السنن الرواتب ، وهذا قول المحققين من أصحابنا .
ومنهم من قال : هو يدل على أن ترك المستحبات المؤكدة يلحق بها إثم دون إثم ترك الفرائض . وقال القاضي أبو يعلى : من داوم على ترك السنن الرواتب أثم . وهو قول إسحاق بن راهويه ، قال في كتاب الجامع : لا يعذب أحد على ترك شيء من ترك النوافل ، وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سننًا غير الفرائض التي فرضها الله ، فلا يجوز لمسلم أن يتهاون بالسنن التي سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مثل الفطر والأضحى والوتر والأضحية ، وما أشبه ذلك ؛ فإن تركها تهاونًا بها فهوَ معذب ، إلا أن يرحمه الله ، وإني لأخشى في ركعتي الفجر والمغرب ؛ لما وصفها الله في كتابه وحرض عليها ، قالَ : فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ وقال : فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ وقال سعيد بن جبير : لو تركت الركعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفر لي .
انتهى .