باب رفع الإمام يده في الاستسقاء
باب رفع الإمام يده في الاستسقاء 1031 - حدثنا محمد بن بشار ، نا يحيى وابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ، وإنه كان يرفع حتى يرى بياض إبطيه . وقد سبق في الباب الماضي ، في الرواية التي علقها عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع في دعائه يوم الجمعة بالاستسقاء حتى رئي بياض إبطيه . ولا يوجد ذلك في كل النسخ ، وقد ذكره - تعليقا - في كتاب الأدعية في آخر صحيحه .
وروى معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن بركة ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى حتى رأيت - أو رئي - بياض إبطيه ، قال معتمر : أراه في الاستسقاء . خرجه ابن ماجه . وقد رواه بعضهم ، فلم يذكر : بركة في إسناده .
والصواب ذكره ، قاله الدارقطني . وبركة ، هو : المجاشعي . قال أبو زرعة : ثقة .
وقد تقدم حديث عائشة في الاستسقاء ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يرفع حتى يرى بياض إبطيه . وقول أنس : كان لا يرفع يديه إلا في الاستسقاء ، في معناه قولان : أحدهما : أن أنسا أخبر عما حفظه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد حفظ غيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رفع يديه في الدعاء في غير الاستسقاء أيضا . وقد ذكر البخاري في كتاب الأدعية : باب : رفع الأيدي في الدعاء : وقال أبو موسى : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم رفع يديه ، ورأيت بياض إبطيه .
وقال ابن عمر : رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه ، وقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد . ثم ذكر رواية الأويسي تعليقًا ، وقد ذكرناها في الباب الماضي . والثاني : أن أنسًا أراد أنه لم يرفع يديه هذا الرفع الشديد حتى يرى بياض إبطيه ، إلا في الاستسقاء .
وقد خرّج الحديث مسلم ، ولفظه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه . ومع هذا ؛ فقد رآه غيره رفع يديه هذا الرفع في غير الاستسقاء أيضا . وقد خرّج البخاري في الأدعية من حديث أبي موسى ، قال : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بماء فتوضأ ، ثم رفع يديه ، وقال : اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه .
وخرّجه مسلم أيضا . وخرّجه مسلم من حديث شعبة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في الدعاء ، حتى يرى بياض إبطيه . ولم يذكر في هذه الرواية الاستسقاء ، لكن في رواية خرجها البيهقي : يعني : في الاستسقاء .
في هذا الحديث : قال شعبة : فأتيت علي بن زيد ، فذكرت ذلك له ، فقال : إنما ذلك في الاستسقاء ، قلت : أسمعته من أنس ؟ قالَ : سبحان الله ، قلت : أسمعته من أنس ؟ قالَ : سبحان الله . وخرّج الإمام أحمد من حديث سهل بن سعد ، قالَ : ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - شاهرا يديه قط يدعو على منبر ولا غيره ، ما كانَ يدعو إلا يضع يديه حذو منكبيه ، ويشير بإصبعه إشارة . وخرّج أبو يعلى الموصلي بإسناد ضعيف ، عن أبي برزة الأسلمي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه في الدعاء حتى رئي بياض إبطيه .
وخرّج مسلم من حديث ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر استقبل القبلة ، ثم مد يديه ، فجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آتني ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ، فما زال يهتف بربه ، مادا يديه ، مستقبل القبلة ، حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، وذكر الحديث . قال الوليد بن مسلم في كتاب الدعاء : نا عبد الله بن العلاء ، قال : سمعت الزهري ومكحولا يقولان : لم نحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رفع يديه كل الرفع إلا في ثلاث مواطن : عشية عرفة ، وفي الاستسقاء ، والانتصار . ولا أعلم أحدا من العلماء خالف في استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء ، وإنما اختلفوا في غيره من الدعاء ، كما سنذكره في موضعه إن شاء الله سبحانه وتعالى .
وإنما اختلفوا في صفة الرفع ، على حسب اختلاف الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك في الاستسقاء . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء في هذا خمسة أنواع : أحدها : الإشارة بإصبع واحدة إلى السماء . روى عامر بن خارجة بن سعد ، عن أبيه ، عن جده سعد ، أن قوما شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قحط المطر ، فقال : اجثوا على الركب ، وقولوا : يا رب ، يا رب ورفع السبابة إلى السماء ، فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم .
خرّجه الطبراني . وخرّجه أبو القاسم البغوي في معجمه ، وعنده : عن عامر بن خارجة ، عن جده سعد . وترجم عليه سعد أبو خارجة يشير إلى أنه ليس سعد بن أبي وقاص .. .
والإشارة بالإصبع تارة تكون في الدعاء ، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كانَ يفعله في دعائه على المنبر كما تقدم في كتاب الجمعة . وقد تقدم قريبًا حديث سهل بن سعد في ذَلِكَ . وتارة تكون في الثناء على الله ، كما في التشهد ، وكما أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بإصبعه بعرفة ، وقال : اللَّهُمَّ ، اشهد ، وكما أشار بإصبعه لما ركب راحلته ، وقال : اللَّهُمَّ ، أنت الصاحب في السفر .
وروي عن أبي هريرة ، أنه قالَ : إذا دعا أحدكم فهكذا - ورفع إصبعه المشيرة - وهكذا - ورفع يديه جميعًا - . خرجه الوليد بن مسلم في كتاب الدعاء . وروي عن ابن عباس ، قالَ : والاستغفار : أن يشير بإصبع واحدة .
روي عنه مرفوعا وموقوفا ، ذكره أبو داود . وروي عن عائشة ، قالت : إن الله يحب أن يدعا هكذا ، وأشارت بالسبابة . وروي عنها مرفوعا .
وعن ابن الزبير ، قالَ : إنكم تدعون أفضل الدعاء ، هكذا ، وأشار بإصبعه . وعن ابن سيرين ، قالَ : إذا أثنيت على الله ، فأشر بإصبع واحدة . وعن ابن سمعان ، قالَ : بلغنا أنه الإخلاص .
قالَ حرب : رأيت الحميدي يشير بالسبابة - يعني : في الدعاء - ويقول : هذا الدعاء ، ويقول : هذا السؤال . وذهب طائفة من العلماء إلى أن المصلي إذا قنت لا يرفع يديه في دعاء القنوت ، بل يشير بإصبعه . ذكره الوليد بن مسلم في كتابه ، عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ويزيد بن أبي مريم وابن حبان وإبراهيم بن ميمون .
ونقل ابن منصور ، عن إسحاق بن راهويه ، قالَ : إن شاء رفع يديه ، وإن شاء أشار بإصبعه . النوع الثاني : رفع اليدين وبسطهما ، وجعل بطونهما إلى السماء . وهذا هوَ المتبادر فهمه من حديث أنس في رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه في دعاء الاستسقاء يوم الجمعة على المنبر .
وخرج أبو داود من رواية محمد بن إبراهيم التيمي ، قالَ : أخبرني من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو عندَ أحجار الزيت باسطا كفيه . يعني : في الاستسقاء . وقد خرج أبو داود وابن ماجه ، عن ابن عباس مرفوعا : إذا سألتم الله فسلوه ببطون أكفكم ، ولا تسألوه بظهورها .
وإسناده ضعيف ، وروي موقوفا . وروي - أيضا - عن ابن عمر وأبي هريرة وابن سيرين وغيرهم . وروى حرب ، عن الحميدي ، قالَ : هذا هوَ السؤال .
النوع الثالث : أن يرفع يديه ، ويجعل ظهورهما إلى القبلة ، وبطونهما مما يلي وجهه . وخرج أبو داود من حديث محمد بن إبراهيم التيمي ، عن عمير مولى آبي اللحم ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي عندَ أحجار الزيت ، قائما يدعو ، يستسقي ، رافعا يديه قبل وجهه ، لا يجاوز بهما رأسه . وخرجه الإمام أحمد ، وزاد : مقبلا بباطن كفيه إلى وجهه .
وخرجه ابن حبان بهذه الزيادة . وخرجه جعفر الفريابي من وجه آخر ، عن عمير ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قائما يدعو ، رافعا كفيه قبل وجهه ، لا يجاوز بهما رأسه ، مقبلا ببطن كفيه إلى وجهه . وخرج الإمام أحمد ، من حديث خلاد بن السائب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا دعا جعل باطن كفيه إلى وجهه .
وفي رواية لهُ - أيضا - : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سأل جعل باطن كفيه إليه ، وإذا استعاذ جعل ظاهرهما إليه . وفي إسناده اختلاف على ابن لهيعة . وخرجه جعفر الفريابي ، وعنده - في رواية لهُ - : عن خلاد بن السائب ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا دعا جعل راحته إلى وجهه .
وذكر الوليد بن مسلم ، عن ابن سمعان ، قالَ : بلغنا أن رفع اليدين إلى المنكبين دعاء ، وأن قلبهما والاستقبال ببطونهما وجه الإنسان تضرع ، وأن رفعهما إلى الله جدا ابتهال . وعن أبي عمرو ، عن خصيف الجزري ، قالَ : رفع اليدين - يعني بكفيه - تضرع ، وهكذا - يعني : قلبهما مما يلي وجهه - رهبة . النوع الرابع : عكس الثالث ، وهو أن يجعل ظهورهما مما يلي وجه الداعي .
قالَ الجوزجاني : نا عمرو بن عاصم ، نا حماد بن سلمة ، عن ثابت وحميد ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى ودعا هكذا ، يقبل ببياض كفيه على القبلة ، وظاهرهما إلى وجهه . ثُمَّ قالَ : وفي هذا بيان أنه قلب كفيه ، وجعل ظاهرهما إلى وجهه . وقد تقدم في حديث خلاد بن السائب هذه الصفة أيضا .
وروي عن ابن عباس أن هذا هوَ الابتهال . خرجه أبو داود . وعنه قالَ : هوَ استجارة .
وروي عن أبي هريرة ، أنه الاستجارة أيضا . خرجه الوليد بن مسلم . وروي عن ابن عمر ، قالَ : إذا سأل أحدكم ربه ، فليجعل باطن كفيه إلى وجهه ، وإذا استعاذ فليجعل ظاهرهما إلى وجهه .
خرجه جعفر الفريابي . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كانَ يدعو إذا رفع يديه حذو منكبيه ، ظهورهما مما يلي وجهه . النوع الخامس : أن يقلب كفيه ، ويجعل ظهورهما مما يلي السماء ، وبطونهما مما يلي الأرض ، مع مد اليدين ورفعهما إلى السماء .
خرج مسلم من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى ، فأشار بظهر كفيه إلى السماء . وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستسقي ، بسط يديه ، وجعل ظاهرهما مما يلي السماء . وخرجه أبو داود ، وعنده : استسقى - يعني : ومد يديه - وجعل بطونهما مما يلي الأرض ، حتَّى رأيت بياض إبطيه .
وفي رواية : وهوَ على المنبر . خرجها البيهقي . وخرج أبو داود من رواية عمر بن نبهان ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو هكذا ، بباطن كفيه وظاهرهما .
عمر بن نبهان تكلم فيهِ . وخرج الإمام أحمد من رواية بشر بن حرب ، عن أبي سعيد الخدري ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا بعرفة يدعو ، هكذا ، ورفع يده حيال ثندوتيه ، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض . وفي رواية لهُ - أيضا - : وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه ، ورفعهما فوق ثندوتيه ، وأسفل من منكبيه .
وبشر بن حرب مختلف فيهِ . وقد تأول بعض المتأخرين حديث أنس على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد قلب كفيه ، إنما حصل لهُ من شدة رفع يديه انحناء بطونهما إلى الأرض . وليس الأمر كما ظنه ، بل هوَ صفة مقصودة لنفسه في رفع اليدين في الدعاء .
روى الوليد بن مسلم بإسناده ، عن ابن سيرين ، قالَ : إذا سألت الله فسل ببطن كفيك ، وإذا استخرت الله ، فقل هكذا - ووجه يديه إلى الأرض - ، وقال : لا تبسطهما . وروى الإمام أحمد ، عن عفان ، أن حماد بن سلمة وصف رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه بعرفة ، ووضع عفان يديه وكفيه مما يلي الأرض . وقال حرب : رأيت الحميدي مد يديه ، وجعل بطن كفيه إلى الأرض ، وقال : هكذا الابتهال .
وحماد بن سلمة والحميدي من أشد الناس تشددا في السنة ، وردا على من خالفها من الجهمية والمعتزلة ونحوهم . وقد ذهب مالك إلى رفع اليدين في الاستسقاء على هذا الوجه : ففي تهذيب المدونة في كتاب الصَّلاة : ضعف مالك رفع اليدين عند الجمرتين ، واستلام الحجر ، وبعرفات ، والموقف ، وعند الصفا والمروة ، وفي المشعر ، والاستسقاء ، وقد رئي مالك رافعا يديه في الاستسقاء ، حين عزم عليهم الإمام ، وقد جعل بطونهما مما يلي الأرض ، وقال : إن كانَ الرفع فهكذا . قالَ ابن القاسم : يريد في الاستسقاء في مواضع الدعاء .
وكذا ذكره أصحاب الشافعي : ففي شرح المهذب في الاستسقاء : قالَ الرافعي وغيره : قالَ العلماء : السنة لكل من دعا لرفع بلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء ، وإن دعا لطلب شيء جعل بطن كفيه إلى السماء . وقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا في كتابه الشافي في كتاب الاستسقاء في باب : القول في رفع اليدين في الدعاء وصفته ، ثُمَّ روى فيهِ حديث قتادة ، عن أنس ، الذي خرجه البخاري في هذا الباب ، ثُمَّ حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي هكذا ، ومد يديه ، وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتَّى رأيت بياض إبطيه . ولم يذكر في الرفع وصفته غير ذَلِكَ ، وهذا يدل على أنه يرى أن هذا هوَ صفة رفع اليدين في الاستسقاء ، أو مطلقا ؛ لكن مع رفع اليدين إلى السماء والاجتهاد في رفعهما ، إلا أن يرى منه بياض الإبطين .