باب ما قيل في الزلازل والآيات
باب ما قيل في الزلازل والآيات فيه حديثان : الأول : 1036 - نا أبو اليمان ، أنا شعيب ، أنا أبو الزناد ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج - وهو القتل القتل - حتى يكثر فيكم المال فيفيض . هذا قطعة من حديث طويل ، قد خرجه بتمامه في كتاب الفتن . وقبض العلم ، قد سبق الكلام عليه بما فيه كفاية .
وتقارب الزمان ، فسر بقصر الأعمار ، وفسر بقصر الأيام في زمن الدجال . وقد روي في ذلك أحاديث متعددة ، الله أعلم بصحتها . وأما كثرة الزلازل ، فهو مقصود البخاري في هذا الباب من الحديث .
والظاهر : أنه حمله على الزلازل المحسوسة ، وهي ارتجاف الأرض وتحركها . ويمكن حمله على الزلازل المعنوية ، وهي كثرة الفتن المزعجة الموجبة لارتجاف القلوب . والأول أظهر ؛ لأن هذا يغني عنه ذكر ظهور الفتن .
وكأن البخاري ذكر هذا الباب استطرادا لذكر الرياح واشتدادها ، فذكر بعده الآيات والزلازل . وقيل : إنه أشار إلى أن الزلازل لا يصلى لها ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر ظهورها وكثرتها ، ولم يأمر بالصلاة لها ، كما أمر به في كسوف الشمس والقمر ، وكما أنه لم يكن يصلي للرياح إذا اشتدت ، فكذلك الزلازل ونحوها من الآيات . وقد اختلف العلماء في الصلاة للآيات : فقالت طائفة : لا يصلى لشيء منها سوى كسوف الشمس والقمر ، وهو قول مالك والشافعي .
وقد زلزلت المدينة في عهد عمر بن الخطاب ، ولم ينقل أنه صلى لها ، هو ولا أحد من الصحابة . وروى عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن صفية بنت أبي عبيد ، قالت : زلزلت الأرض على عهد عمر حتى اصطفقت السرر ، وابن عمر يصلي ، فلم يدر بها ، ولم يوافق أحدا يصلي فدرى بها ، فخطب عمر الناس ، فقال : أحدثتم ، لقد عجلتم ، قالت : ولا أعلمه إلا قال : لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم . خرجه البيهقي .
وخرجه حرب الكرماني ، من رواية أيوب ، عن نافع ، مختصرا . وروي أيضا من رواية ليث ، عن شهر ، قال : زلزلت المدينة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله يستعتبكم فاعتبوه . وهذا مرسل ضعيف .
وقالت طائفة : يصلى لجميع الآيات في البيوت فرادى ، وهو قول سفيان وأبي حنيفة وأصحابه . وكذلك إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، عن أحمد ، قال : صلاة الآيات وصلاة الكسوف واحد . كذا نقله أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتابه الشافي من طريق الجوزجاني ، عن الشالنجي ، عن أحمد .
ونقله - أيضا - من طريق الفضل بن زياد وحبيش بن مبشر ، عن أحمد أيضا . والذي نقله الجوزجاني في كتابه المترجم ، عن إسماعيل بن سعيد ، قال : سألت أحمد عن صلاة كسوف الشمس والقمر والزلازل ؟ قال : تصلى جماعة ، ثمان ركعات وأربع سجدات ، وكذلك الزلزلة . قال : وبذلك قال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - وأبو خيثمة .
وقال : ابن أبي شيبة يرى فيها الخطبة وجماعة . وقد نقل أبو بكر في الشافي هذا - أيضا - من طريق الجوزجاني . وخرج الجوزجاني من حديث عبد الله بن الحارث بن نوفل ، قال : صلى بنا ابن عباس في زلزلة كانت ، فصلى بنا ست ركعات في ركعتين ، فلما انصرف التفت إلينا وقال : هذه صلاة الآيات .
فالمنصوص عن أحمد إنما يدل على الصلاة للزلزلة خاصة ، وهو الذي عليه عامة أصحابنا ، وخصوه بالزلزلة الدائمة التي يتمكن من الصلاة لها مع وجودها . وروي عن ابن عباس ، أنه صلى للزلزلة بعد سكونها وانقضائها . وحكى بعض أصحاب الشافعي قولا له : أنه يصلى للزلزلة .
ومنهم من حكاه في جميع الآيات . وحكى ابن عبد البر ، عن أحمد وإسحاق وأبي ثور : الصلاة للزلزلة والطامة والريح الشديدة . وهذا يدل على استحبابها لكل آية ، كالظلمة في النهار ، والضياء المشبه للنهار بالليل ، سواء كان في السماء أو انتثار الكواكب ، وغير ذلك .
وهو اختيار ابن أبي موسى من أصحابنا ، وظاهر كلام أبي بكر عبد العزيز في الشافي أيضا . وممن روي عنه ، أنه يصلي في الآيات : ابن عباس . وفي المسند و سنن أبي داود ، عنه ، أنه سجد لموت بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا رأيتم آية فاسجدوا .
وروي عن عائشة ، قالت : صلاة الآيات ست ركعات وأربع سجدات . وروي عنها ، مرفوعا . خرجه الجوزجاني من طريق حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم في صلاة الآيات ، فيركع ثلاث ركعات ، ويسجد سجدتين ، ثم يقوم فيركع ثلاث ركعات ، ثم يسجد سجدتين .
واستدل به على الصلاة للزلزلة . ولكن رواه وكيع ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة ، فوقفه على عائشة ، وهو الصواب . وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر ، من رواية مكحول ، عن أبي صخر زياد بن صخر ، عن أبي الدرداء ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كانت ليلة ريح كان مفزعه إلى المسجد ، حتى تسكن الريح ، وإذا حدث في السماء حدث من كسوف شمس أو قمر كان مفزعه إلى الصلاة حتى ينجلي .
وهو منقطع ، وفي إسناده : نعيم بن حماد ، وله مناكير . وخرج أبو داود من رواية عبيد الله بن النضر ، قال : أخبرني أبي ، قال : كانت ظلمة على عهد أنس بن مالك ، قال : أتيت أنس بن مالك ، فقلت : يا أبا حمزة ، هل كان يصيبكم هذا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : معاذ الله ، إن كانت الريح تشتد فنبادر المسجد مخافة القيامة . وبوب عليه : باب : الصلاة عند الظلمة .
وهو دليل على الصلاة عند اشتداد الريح أيضا . وأبو داود من أجل أصحاب الإمام أحمد . ثم بوب على السجود عند الآيات ، وذكر فيه حديث ابن عباس المتقدم .
وظاهره يدل على أن الآيات يسجد عندها سجودا مفردا ، كسجود الشكر من غير صلاة . وذكر الشافعي أنه بلغه عن عباد ، عن عاصم الأحول ، عن قزعة ، عن علي ، أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات : خمس ركعات وسجدتين في ركعة ، وركعة وسجدتين في ركعة . قال الشافعي : ولو ثبت هذا الحديث عندنا لقلنا به .
قال البيهقي : هو ثابت عن ابن عباس . ثم ذكر بنحو ما تقدم . وله طرق صحيحة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس .
وروى حرب : نا إسحاق ، نا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : إذا فزعتم من أفق من آفاق السماء فافزعوا إلى الصلاة . وخرجه البيهقي من رواية حبيب بن حسان ، عن الشعبي ، عن علقمة ، قال : قال عبد الله : إذا سمعتم هادا من السماء ، فافزعوا إلى الصلاة . وخرجه ابن عدي من رواية حبيب بن حسان ، عن إبراهيم والشعبي ، عن علقمة ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا فزعتم من أفق من آفاق السماء ، فافزعوا إلى الصلاة .
وقال : حبيب بن حسان قد اتهم في دينه ، ولا بأس برواياته . قلت : الصحيح رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة من قوله . والله سبحانه وتعالى أعلم .
وروى حرب بإسناده ، عن أبي الجبر ، قال : أظلمت يوما نهارا ، حتى رأينا الكواكب ، فقام تميم بن حذلم ، فصلى ، فأتاه هني بن نويرة ، فسأله ما صنع ؟ فأمره أن يرجع إلى بيته فيصلي . واعلم أن الشغل بالصلاة في البيوت فرادى عند الآيات أكثر الناس على استحبابه ، وقد نص عليه الشافعي وأصحابه . كما يشرع الدعاء والتضرع عند ذلك ؛ لئلا يكون عند ذلك غافلا .
وإنما محل الاختلاف : هل تصلى جماعة ، أم لا ؟ وهل تصلى ركعة بركوعين كصلاة الكسوف ، أم لا ؟ وظاهر كلام مالك وأكثر أصحابنا : أنه لا تسن الصلاة للآيات جماعة ولا فرادى . وفي تهذيب المدونة : أنكر مالك السجود للزلزلة . ولا وجه لكراهة ذلك ، إلا إذا نوى به الصلاة لأجل تلك الآية الحادثة دون ما إذا نوى به التطوع المطلق .
وقد روي عن طائفة من علماء أهل الشام ، أنهم كانوا يأمرون عند الزلزلة بالتوبة والاستغفار ، ويجتمعون لذلك ، وربما وعظهم بعض علمائهم وأمرهم ونهاهم ، واستحسن ذلك الإمام . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كتب إلى أهل الأمصار : إن هذه الرجفة شيء يعاتب الله به العباد ، وقد كنت كتبت إلى أهل بلد كذا وكذا أن يخرجوا يوم كذا وكذا ، فمن استطاع أن يتصدق فليفعل ؛ فإن الله يقول : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾وقولوا كما قال أبوكم آدم : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقولوا كما قال نوح : وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقولوا كما قال موسى : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي وقولوا كما قال ذو النون : لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وقال أبو بكر الخلال في كتاب العلل : نا أبو بكر المروذي ، قال : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - يقول : سألني إنسان عن الرجفة ، فكتبت له هذا الحديث - وقال : ما أحسنه - : أنا أبو المغيرة ، قال : أصاب الناس رجفة بحمص ، سنة أربع وتسعين ، ففزع الناس إلى المسجد ، فلما صلى أيفع بن عبد الكلاعي صلاة الغداة ، قام في الناس ، فأمرهم بتقوى الله ، وحذرهم وأنذرهم ، ونزع القوارع من القرآن ، وذكر الذين أهلكوا بالرجفة قبلنا ، ثم قال : والله ، ما أصابت قوما قط قبلكم إلا أصبحوا في دارهم جاثمين ، فاحمدوا الله الذي عافاكم ودفع عنكم ، ولم يهلككم بما أهلك به الظالمين قبلكم ، وكان أكثر دعائه : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، والحمد لله ، وسبحان الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، واستغفروا الله ، ويقول : يا أيها الناس ، عليكم بهؤلاء الكلمات ؛ فإنهن القرآن ، وهي الباقيات الصالحات . ثم إن أيفع قال لأبي ضمرة القاضي : قم في الناس ، فقام فصنع كما صنع ، أيفع ، فلما قضى موعظته انصرف ، ثم صنع ذلك دبر الصلوات ثلاثة أيام ، فاستحسن ذلك المسلمون .
ومما يتعلق بالزلزلة : هل يجوز الخروج منها والهرب إلى الصحراء ؟ قال الأوزاعي : لا بأس به ؛ كل يعلم أنه ليس يسبق قدر الله من فر ومن جلس ، قال : والجلوس أحب إلي . خرجه حرب من رواية الوليد بن مسلم ، عنه . قال حرب : وسألت إسحاق بن راهويه ، عن الرجل يكون في بيته ، فتصيبه الزلزلة : هل يقوم فيخرج من البيت ؟ قال : إن فعل فهو أحسن .
وقد صنف في هذه المسألة أبو القاسم ابن عساكر الحافظ الدمشقي مصنفا ، ولم يذكر في ذلك أثرا عمن تقدم من العلماء ، لكنه حكى عن بعض من في زمانه ، أنه استحب الفرار منها . واستدل بحديث مرور النبي - صلى الله عليه وسلم - بحائط مائل ، فأسرع ، وقال : أكره موت الفوات . وهذا حديث مرسل ، خرجه أبو داود في مراسيله .
وقد روي مسندا ، ولا يصح . ورد أبو القاسم على هذا القائل قوله ، وألحق الفرار منها بالفرار من الطاعون . وفي ذلك نظر ؛ لأن الفرار من الطاعون لا يتيقن به النجاة ، بل الغالب فيه عدم النجاة ، وأما الخروج من المساكن التي يخشى وقوعها بالرجفة فيغلب على الظن منه السلامة ، فهو كالهرب من النار والسيل ونحوهما .
والحديث المرسل الذي ذكرناه يشهد له . والله سبحانه وتعالى أعلم . وإنما جاء النهي عن الخروج من الرجفة إلى الدجال ، إذا حاصر المدينة ، فترجف المدينة ثلاث رجفات ، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة .