باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله
حدثنا محمد بن يوسف ، نا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : مفتاح الغيب خمس ، لا يعلمها إلا الله ، لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله ، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ، ولا تعلم نفس ما تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت ، وما يدري أحد متى يجيء المطر . قد سبق في الباب المشار إليه : الإشارة إلى اختصاص الله بعلم هذه الخمس ، التي هي مفاتح الغيب ، التي قال فيها : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وهذه الخمس المذكورة في حديث ابن عمر ، ليس فيها علم الساعة ، بل فيها ذكر متى يجيء المطر ، بدل الساعة . وهذا مما يدل على أن علم الله الذي استأثر به دون خلقه لم ينحصر في خمس ، بل هو أكثر من ذلك ، مثل علمه بعدد خلقه ، كما قال : وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ ومثل استئثاره بعلمه بذاته وصفاته وأسمائه ، كما قال : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وفي حديث ابن مسعود - في ذكر أسمائه - : أو استأثرت به في علم الغيب عندك .
وإنما ذكرت هذه الخمس لحاجة الناس إلى معرفة اختصاص الله بعلمها ، والعلم بمجموعها مما اختص الله بعلمه ، وكذلك العلم القاطع بكل فرد فرد من أفرادها . وأما الاطلاع على شيء يسير من أفرادها بطريق غير قاطع ، بل يحتمل الخطأ والإصابة فهو غير منفي ؛ لأنه لا يدخل في العلم الذي اختص الله به ، ونفاه عن غيره . وتقدم - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتي علم كل شيء ، إلا هذه الخمس .
فأما إطلاع الله سبحانه له على شيء من أفرادها ، فإنه غير منفي - أيضا - وهو داخل في قوله تعالى : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴾إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ الآية . ولكن علم الساعة مما اختص الله به ، ولم يطلع عليه غيره ، كما تقدم في حديث سؤال جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك جملة العلم بما في غد . وقد قالت جارية بحضرته - صلى الله عليه وسلم - : وفينا نبي يعلم ما في غد ، فنهاها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول ذلك .
وقد خرجه البخاري في النكاح . وأما العلم بما في الأرحام ، فينفرد الله تعالى بعلمه ، قبل أن يأمر ملك الأرحام بتخليقه وكتابته ، ثم بعد ذلك قد يطلع الله عليه من يشاء من خلقه ، كما أطلع عليه ملك الأرحام . فإن كان من الرسل فإنه يطلع عليه علما يقينا ، وإن كان من غيرهم من الصديقين والصالحين ، فقد يطلعه الله تعالى عليه ظاهرا .
كما روى الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال لها - في كلام ذكره - : إنما هو أخواك وأختاك ، قالت : فقلت هذا أخواي ، فمن أختاي ؟ قال : ذو بطن ابنة خارجة ، فإني أظنها جارية . ورواه هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها قالت له عند ذلك : إنما هي أسماء ؟ فقال : وذات بطن بنت خارجة ، أظنها جارية . ورواه هشام ، عن أبيه : قد ألقي في روعي ، أنها جارية ، فاستوصي بها خيرا ، فولدت أم كلثوم .
وأما علم النفس بما تكسبه غدا ، وبأي أرض تموت ، ومتى يجيء المطر ، فهذا على عمومه لا يعلمه إلا الله . وأما الاطلاع على بعض أفراده ، فإن كان بإطلاع من الله لبعض رسله ، كان مخصوصا من هذا العموم ، كما أطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - على كثير من الغيوب المستقبلة ، وكان يخبر بها . فبعضها يتعلق بكسبه ، مثل إخباره أنه يقتل أمية بن خلف ، وأخبر سعد بن معاذ بذلك أمية بمكة ، وقال أمية : والله ، ما يكذب محمد .
وأكثره لا يتعلق بكسبه ، مثل إخباره عن الصور المستقبلة في أمته وغيرهم ، وهو كثير جدا . وقد أخبر بتبوك ، أنه تهب الليلة ريح شديدة ، فلا يقومن أحد ، وكان كذلك . والاطلاع على هبوب بعض الرياح نظير الاطلاع على نزول بعض الأمطار في وقت معين .
وكذلك إخباره - صلى الله عليه وسلم - ابنته فاطمة في مرضه ، أنه مقبوض من مرضه . وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة . خرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ، والنسائي من حديث أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وهو دليل على أنه علم موضع موته ودفنه . وقد روي عنه ، أنه قال : لم يقبض نبي إلا دفن حيث يقبض . خرجه ابن ماجه وغيره .
وأما إطلاع غير الأنبياء على بعض أفراد ذلك فهو - كما تقدم - لا يحتاج إلى استثنائه ؛ لأنه لا يكون علما يقينا ، بل ظنا غالبا ، وبعضه وهم ، وبعضه حدس وتخمين ، وكل هذا ليس بعلم ، فلا يحتاج إلى استثنائه مما انفرد الله سبحانه وتعالى بعلمه ، كما تقدم . والله سبحانه وتعالى أعلم .