باب يكبر في سجدتي السهو
حدثنا قتيبة ، ثنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن الأعرج ، عن عبد الله ابن بحينة الأسدي - حليف بني عبد المطلب - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام في صلاة الظهر وعليه جلوس ، فلما أتم صلاته سجد سجدتين ، يكبر في كل سجدة وهو جالس ، قبل أن يسلم ، وسجدهما الناس معه ، مكان ما نسي من الجلوس . تابعه ابن جريج ، عن ابن شهاب ، في التكبير . هذا الحديث خرجه مسلم عن قتيبة ، كما خرجه البخاري .
وخرجه النسائي من طريق ابن وهب : أخبرني عمرو ويونس والليث ، عن ابن شهاب ، فذكره بهذا اللفظ أيضا . ورواه مالك ، عن ابن شهاب ، وقال في حديثه : فكبر ثم سجد سجدتين . وهو مخرج في الصحيحين من طريق مالك .
وخرجه البخاري من طريق شعيب ، عن الزهري أيضا كذلك . وأما متابعة ابن جريج لليث بن سعد في ذكر التكبير : فخرج الإمام أحمد ، عن محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، أخبرني ابن شهاب ، فذكر الحديث ، وفيه : فلما صلى الركعتين الأخريين ، وانتظر الناس أن يسلم كبر ، فسجد ، ثم كبر فسجد ، ثم سلم . وخرجه عبد الرزاق في كتابه ، عن ابن جريج أيضا ، وعنده : يكبر في كل سجدة .
ورواه الأوزاعي ، عن الزهري ، فذكر في حديثه أربع تكبيرات ، لكل سجدة تكبيرتين ، تكبيرة للسجود ، وتكبيرة للرفع ، كما في حديث أبي هريرة المتقدم . والعمل على هذا عند أهل العلم أنه يكبر في كل سجدة تكبيرة للسجود وتكبيرة للرفع منه . وبه قال عطاء والشافعي وأحمد وغيرهم .
ولا فرق في ذلك بين السجود قبل السلام وبعده . ومن الشافعية من قال في السجود بعد السلام : يكبر تكبيرة الإحرام ، ثم يكبر للسجود ، كقولهم في سجدة التلاوة ، كما سبق . وقد دل حديث ابن بحينة على السجود قبل السلام ، وحديث أبي هريرة على السجود بعد السلام .
وكذلك حديث عمران بن حصين ، وحديث معاوية بن حديج ، وقد سبق ذكرهما . وقد اختلف العلماء في محل سجود السهو ، على ستة أقوال : أحدها : أنه كله بعد السلام . قال ابن المنذر : روي ذلك عن علي وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمار وأنس وابن الزبير وابن عباس ، وبه قال الحسن والنخعي وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وأصحاب الرأي .
يعني : أبا حنيفة وأصحابه . قال : ويجزئ عندهم أن يسجدهما قبل السلام . قلت : وممن قال : يسجد بعد السلام : قتادة .
وروي عن عمران بن حصين أيضا . والقول الثاني : أن كله قبل السلام . قال ابن المنذر : روي عن أبي هريرة ، وبه قال مكحول والزهري ويحيى الأنصاري وربيعة والأوزاعي والليث والشافعي .
انتهى . وحكي رواية عن أحمد . وقيل : إنه لم يوجد بها نص عنه .
وقد ذكر القاضي في كتاب شرح المذهب : إن سلم من نقص ركعة تامة فأكثر ، فإنه يسجد له بعد السلام ، رواية واحدة ، ولم نجد عن أحمد فيه خلافًا . وأسنده الترمذي في كتابه عن أبي هريرة والسائب القارئ . وذكر الشافعي أن آخر فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود قبل السلام ، وأنه ناسخ لما عداه .
وروي عن مطرف بن مازن ، عن معمر ، عن الزهري ، قال : سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجدتي السهو قبل السلام وبعده ، وآخر الأمرين قبل السلام . ومطرف هذا ضعيف . وغاية هذا أنه من مراسيل الزهري ، وهي من أوهى المراسيل .
وسجود النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل السلام وبعده ، إن كان في صورتين ، أمكن العمل بهما معا ، وإن كان في صورة واحدة ، دل على جواز الأمرين ، والعمل بهما جميعًا ، والنسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع ، ولو توجه . وادعى جماعة منهم ، أن سجود النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد السلام في حديث أبي هريرة كان سهوا ، حيث كانت تلك القصة تضمنت أنواعا من السهو . وهذا قول ساقط جدًا ، فإن السهو كان قبل إعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحال ، وأما بعد إعلامه ، فلو تطرق السهو إلى فعله لم يحتج به كله ، وقد اجتمعت الأمة على الاحتجاج به ، كيف وقد رواه عمران بن حصين ومعاوية بن حديج وغير واحد ، وقد قيل : إنها وقائع متعددة ، كما سبق .
والقول الثالث : إن كان السهو من نقصان من الصلاة ، فإن سجوده قبل السلام ، وإن كان من زيادة فيها ، فإن سجوده بعد السلام ؛ لئلا يجتمع في الصَّلاة زيادتان ، وهو قول مالك والشافعي في القديم ، وأبي ثور . وهو رواية عن أحمد . والشك - على هذه الرواية - عنده كالنقص ، يسجد له قبل السلام ، نص عليه أحمد .
ونقل حرب ، عن إسحاق ، مثل هذا القول ، إلا أنه قال في الشك : يسجد له بعد السلام ، ويبني على اليقين . وهو قول مالك . وروي هذا المعنى عن ابن مسعود ، رواه إسحاق بن راهويه ، عن عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود ، قال : كل شيء في الصلاة من نقصان من ركوع أو سجود أو غير ذلك ، فسجدتا السهو قبل التسليم ، وما كان من زيادة سجدها بعد التسليم .
وعتاب هذا مختلف فيه . وقد رواه غيره ، عن خصيف ، بغير هذا اللفظ . روى الطبراني في هذا المعنى حديثين مرفوعين ، من حديث عائشة ، في إسناده علي بن ميمون ، وهو متروك الحديث .
وأهل هذه المقالة جمعوا بهذا بين حديثي ابن بحينة وحديث أبي هريرة ، وما في معناه ؛ فإن في حديث أبي هريرة ، وما في معناه ؛ كان قد وقع في تلك الصلاة زيادة كبيرة سهوًا من سلام وكلام وعمل ، فلذلك سجد بعد السلام ، وحديث ابن بحينة ، فيه : أنه سجد قبل السلام ؛ لترك التشهد الأول ، فيلحق بالأول كل زيادة ، وبالثاني كل نقصٍ . ويشهد لذلك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر خمسًا ، فسجد له بعد السلام ، كما في حديث ابن مسعود ، وقد سبق . لكن قد ذكرنا - فيما تقدم - أنه لا دلالة فيه ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما علم بسهوه بعد أن سلم ، فكان سجوده بعد السلام ضرورة ، لا عن قصد .
القول الرابع : أن سجود السهو كله قبل السلام ، إلا في موضعين : أحدهما : من سلم من نقص ركعة تامة فأكثر من صلاته سهوًا ، فإنه يأتي بما فاته ، ويسجد بعد السلام ، كما في حديث أبي هريرة وعمران بن حصين وغيرهما . والثاني : إذا شك في عدد الركعات ، وعمل بالتحري ، فإنه يسجد له بعد السلام ، كما في حديث ابن مسعود ، ويأتي ذكره إن شاء الله . وما عدا هذين الموضعين ، فإنه يسجد له كله قبل السلام ، إلا أن لا يذكر سهوه إلا بعد أن يسلم ، فإنه يسجد له بعد السلام ضرورة ، كما في حديث ابن مسعود المتقدم .
وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد ، وعليه عامة أصحابه ، ووافقه عليه طائفة من أهل الحديث ، منهم : سليمان بن داود الهاشمي ، وأبو خيثمة ، وابن المنذر . وفي هذا عمل بجميع الأحاديث كلها على وجهها . غير أن ترك التشهد الأول قد روي عن المغيرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سجد له بعد السلام ، ولكن حديث ابن بحينة أصح منه ، فأخذ أحمد بأصح الحديثين فيما اختلفت الرواية فيه بعينه .
وقد قال طائفة من أصحابنا : إن القياس أن يكون السجود كله قبل السلام ؛ لأنه تتمة الصَّلاة ، كما في حديث عثمان بن عفان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : إياي وأن يتلعب بكم الشيطان في صلاتكم ، من صلى منكم فلم يدر أشفع أم وتر ، فليسجد سجدتين ؛ فإنهما من تمام صلاته . خرجه الإمام أحمد . وإذا كانت السجدتان من تمام الصلاة ، فتكون قبلها ، لكن إنما ترك ذلك في تلك الصورتين لورود النص فيهما ، فما عداهما باق على الأصل .
وقد أشار أحمد إلى هذا المعنى بعينه في رواية ابن بدينا . ومن المتأخرين من قال : بل القياس يقتضي التفريق بين هاتين الصورتين وغيرهما ؛ فإن من سلم من نقص فقد زاد في صلاته زيادة ، لو تعمدها لبطلت صلاته ، فيكون السجود بعد السلام ؛ لئلا يجتمع في الصلاة زيادتان ، ويكون السجود هنا بمنزلة صلاة مستقلة ، جبر بها النقص الداخل في صلاته ، وهو إرغام الشيطان . وأما من شك وتحرى وبنى على غالب ظنه ، فإنه قد أتم صلاته ظاهرًا ، فيسجد بعد السلام سجدتين زائدتين على صلاته ، كما سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - : إرغاما للشيطان ؛ فإنه قصد تنقيص صلاته ، فأتمها وزاد عليها زيادة أخرى .
وأما إذا بنى على اليقين ، فإنه يحتمل الزيادة في صلاته احتمالًا ظاهرًا ، والزيادة هنا من جنس الصلاة بخلاف الزيادة في صورة السلام من النقص ، فكانت السجدتان كركعة تشفع له صلاته ؛ لئلا تكون صلاته وترًا ، فيسجد قبل السلام . وهذا كله قد أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في كلامه وتعليله ، كما سيأتي لفظ الأحاديث فيهِ . ومن هنا يتبين أن من صلى خمسًا ساهيًا ، وذكر قبل سلامه ، أنه يسجد حينئذ قبله ، حتى لا يسلم عن وتر .
لكن يقال : فلو ذكر أنه صلى ركعتين زائدتين كان الحكم كذلك ، مع أنه لم يسلم عن وتر . القول الخامس كالقول الرابع : إن ما فيه نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه يتبع نصه ، وما ليس فيه ، فإن كان نقصًا في الصلاة فسجوده قبل السلام ، وإن كان زيادة فسجوده بعده . وهذه رواية ابن منصور ، عن إسحاق بن راهويه .
والقول السادس : أن ورود بعض النصوص بالسجود قبل السلام ، وبعضها بالسجود بعده يدل على جواز كلا الأمرين ، من غير كراهة ، فيعمل بهما في الجواز . وأهل هذه المقالة لهم قولان : أحدهما : أنهما سواء في الفضل ، وحكي ذلك قولا للشافعي ، كما سيأتي ذكره . والقول الثاني : أنهما سواء في الجواز ، وإن كان بعضهما أفضل من بعض .
وقد حكى ابن المنذر ، عن أهل الرأي ، أنهم يرون السجود قبل السلام جائزًا ، والسجود بعده أفضل . وكذلك حكى ابن عبد البر اختلاف العلماء في محل السجود ، ثم قال : كل هؤلاء يقولون : لو سجد بعد السلام فيما فيه السجود قبله لم يضره ، وكذلك لو سجد قبله فيما فيه السجود بعده لم يضره ، ولم يكن عليه شيء . وقال الماوردي - من الشافعية - في كتابه الحاوي : لا خلاف بين الفقهاء - يعني : جميع العلماء - أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده ، وإنما اختلفوا في المسنون ، والأولى : هل هو قبل السلام ، أو بعده .
ثم ذكر اختلاف العلماء في ذلك . وكذلك صرح بهذا طوائف من الحنفية والمالكية والشافعية ، ومن أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب في خلافيهما وغيرهما من بعد . وفي تهذيب المدونة للمالكية : ومن وجب عليه سجود سهو بعد السلام ، فسجده قبل السلام ، رجوت أن يجزئه .
وأنكر ذلك طوائف آخرون من أصحابنا والشافعية ، وقالوا : إنما الاختلاف في محل السجود في وجوبه عند من يراه واجبًا ، وفي الاعتداد به وحصول السنة عند من يراه سنة . وهذا ظاهر على قواعد أحمد وأصحابه ؛ لأنهم يفرقون في بطلان الصَّلاة بترك سجود السهو عمدًا ، بين ما محله قبل السلام وما محله بعده ، فيبطلون الصَّلاة بترك السجود الذي محله قبل السلام ، دون الذي محله بعده ، ولو كانَ ذَلِكَ على الأولوية لم يكن لهُ أثر في إبطال الصَّلاة . وقال القاضي أبو يعلى الصغير من أصحابنا : لو كان عليه سجود بعد السلام ، فسجده قبله : هل يجزئه ، ويعتد به ؟ على وجهين .
ولم يذكر حكم ما لو سجد بعد السلام ، لما قبله . وظاهر كلامه : أنه لا يجزئه بغير خلاف . وهذه - أيضا - طريقة أبي المعالي الجويني من الشافعية ومن اتبعه ، فإنه حكى في المسألة طريقين لأصحابه .
أحدهما : إن في المسألة ثلاثة أقوال - يعني : للشافعية - : الصحيح فيها : أنه قبل السلام ، فإن أخره لم يعتد به . الثاني : أن كان السهو زيادة ، فمحله بعد السلام وإن كان نقصًا فقبله ، ولا يعتد به بعده . والثالث : إن شاء قدمه ، وإن شاء أخره .
والطريق الثاني : يجزئ التقديم والتأخير ، وإنما الأقوال في بيان الأفضل : ففي قول : التقديم أفضل . وفي قول : التقديم والتأخير سواء في الفضيلة . وفي قول : إن كان زيادة فالتأخير أفضل ، وإلا فالتقديم .
قال : ووجه هذه الطريقة : صحة الأخبار في التقديم والتأخير . قال : والطريقة المشهورة الأولى ، ويجعل الخلاف في الإجزاء والجواز ، كما سبق .