حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب إذا لم يدر كم صلى ثلاثًا أو أربعا سجد سجدتين وهو جالس

باب إذا لم يدر كم صلى - ثلاثًا أو أربعا - سجد سجدتين وهو جالس 1231 - ثنا معاذ بن فضالة ، ثنا هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع الأذان ، فإذا قضي الأذان أقبل ، فإذا ثوب بها أدبر ، فإذا قضي التثويب أقبل ، حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول : اذكر كذا وكذا - ما لم يكن يذكر - حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى ، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى - ثلاثا أو أربعا - فليسجد سجدتين وهو جالس . يخطر بضم الطاء عند الأكثر ، والمراد : أنه يمر ، فيحول بين المرء وما يريد من نفسه ، من إقباله على صلاته . وروي يخطر - بكسر الطاء - يعني : تحرك ، فيكون المعنى : حركته بالوسوسة .

وقوله : حتى يظل الرجل ، هكذا الرواية المشهورة بالظاء القائمة المفتوحة ، والمراد : يصير ، كما في قوله تعالى : ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وروى بعضهم يضل بالضاد المكسورة ، من الضلال ، يعني : أنه ينسى ويتحير . وقوله : إن يدري ، أن بفتح الهمزة ، حكاه ابن عبد البر عن الأكثرين ، وقال : معناه : لا يدري . وقال القرطبي : ليست هذه الرواية بشيء ، إلا مع رواية : الضاد ، فتكون : أن مع الفعل بتأويل المصدر مفعول ضل أن ، بإسقاط حرف الجر ، أي : يضل عن درايته وينسى عدد ركعاته .

قال : وفيه بعد ، ورجح أن الرواية : إن بكسر الهمزة ، يعني : ما يدري . قلت : أما وقوع إن المكسورة نافية فظاهر ، وأما أن المفتوحة ، فقد ذكر بعضهم أنها تأتي نافية - أيضا - ، وأنكره آخرون . فعلى قول من أثبته ، لا فرق بين أن تكون الرواية هاهنا بالفتح أو بالكسر .

وقوله : فإذا لم يدر أحدكم كم صلى - ثلاثًا أو أربعا - فليسجد سجدتين ، ليس في هذا الحديث سوى الأمر بسجود السهو عند الشك ، من غير أمر بعمل بيقين أو تحر . وروي عن أبي هريرة أنه أفتى بذلك . قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام بن منبه : سألت أبا هريرة ، فقلت : شككت في صلاتي ، قال : يقولون : اسجد سجدتين وأنت جالس .

وهذا كله ليس فيه بيان أنه يتحرى أو يبني على اليقين ، ولا بد من العمل بأحد الأمرين ، وكلاهما قد ورد في أحاديث أخر ، تقضي على هذا الحديث المجمل . وقد روي من حديث أبي هريرة التحري ، بالشك في رفعه ووقفه . فروى شعبة ، عن ابن إدريس الأودي ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال شعبة : قلت : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : أحسبه ، أكبر علمي ، أنه قالَ : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ : لا يصلي أحدكم وبه شيء من الخبث ، وقال في الوهم : يتحرى .

وروي في حديث أبي هريرة ذكر السجود قبل السلام في هذا ، من رواية ابن إسحاق : حدثني الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته ، فيدخل بينه وبين نفسه ، حتى لا يدري زاد أو نقص ، فإذا كان ذلك ، فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ، ثم يسلم . خرجه أبو داود وابن ماجه . وخرجه ابن ماجه أيضا ، من رواية ابن إسحاق أيضا ، أخبرني سلمة بن صفوان بن سلمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، وقال : فليسجد سجدتين قبل أن يسلم .

وخرجه أبو داود من طريق ابن أخي الزهري ، عن الزهري ، بهذا الإسناد ، ولفظه : فليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم . وخرجه الدارقطني من رواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذكره ، وقال بعد قوله : فليسجد سجدتين وهو جالس : ثم يسلم . وذكر في العلل أن سليمان وعلي بن المبارك وهشاما والأوزاعي وغيرهم رووه ، عن يحيى ، ولم يذكروا فيه : التسليم قبل ولا بعد .

قال : وكذلك قال الزهري ، عن أبي سلمة . ولم يذكر رواية ابن إسحاق وابن أخي الزهري ، عن الزهري ، وذكر رواية ابن إسحاق ، عن سلمة بن صفوان بن سلمة ، كما رواه عكرمة بن عمار ، عن يحيى . قال : وهما ثقتان ، وزيادة الثقة مقبولة .

قال : ورواه فليح بن سليمان ، عن سلمة بن صفوان ، وقال فيه : وليسلم ، ثم ليسجد سجدتين ، بخلاف رواية ابن إسحاق . قلت : أما ابن إسحاق ، فمضطرب في حديث الزهري خصوصًا ، وينفرد عنه بما لا يتابع عليه ، وروايته عن سلمة بن صفوان ، قد خالفه فيها فليح ، كما ترى . ورواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، كثيرة الاضطراب عند يحيى القطان وأحمد وغيرهما من الأئمة .

ففي ثبوت هذه الزيادة نظر . والله تعالى أعلم . وقد روي من غير حديث أبي هريرة البناء على اليقين والتحري .

فأما الأول : فخرجه مسلم ، من طريق سليمان بن بلال ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا شك أحدكم في صلاته ، فلا يدري كم صلى ثلاثا أو أربعا ، فليطرح الشك ، وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فإن كان صلى خمسًا ، شفعن له صلاته ، وإن كان صلى إتماما لأربع ، كانتا ترغيما للشيطان . وخرجه - أيضا - من رواية داود بن قيس ، عن زيد بن أسلم ، به ، بمعناه . وخرجه الدارقطني من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، وهشام بن سعد وفليح بن سليمان وغيرهم ، عن زيد بن أسلم ، كذلك .

وكذلك رويناه من حديث عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، بهذا الإسناد . والمعروف من رواية ابن عجلان : أنه لم يذكر في حديثه : قبل السلام . وكذا رواه أبو غسان وغيره ، عن زيد بن أسلم .

ورواه مالك في الموطأ والثوري ويعقوب ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ، مرسلًا . ووصله الوليد بن مسلم وغيره ، عن مالك . وليس بمعروف عنه وصله .

ووصله بعضهم عن الثوري ، أيضا . ولعل البخاري ترك تخريجه ؛ لإرسال مالك والثوري لهُ . وحكم جماعة بصحة وصله ، منهم : الإمام أحمد والدارقطني .

وقال أحمد : أذهب إليه ، قيل له : إنهم يختلفون في إسناده ، قال : إنما قصر به مالك ، وقد أسنده عدة ، فذكر منهم : ابن عجلان وعبد العزيز بن أبي سلمة . ورواه الدراوردي وعبد الله بن جعفر وغيرهما ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ذكره الدارقطني .

وقال : القول قول من قال : عطاء ، عن أبي سعيد . وله شاهد عن أبي سعيد من وجه آخر ، من رواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، حدثني هلال بن عياض ، حدثني أبو سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا صلى أحدكم ، فلا يدري زاد أو نقص ، فليسجد سجدتين وهو جالس . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي وقال : حديث حسن .

وخرجه النسائي ، وزاد في رواية له : ثم يسلم . وشيخ يحيى بن أبي كثير مختلف في اسمه وحاله . وروى ابن إسحاق ، عن مكحول ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : إذا سها أحدكم في صلاته ، فلم يدر واحدة صلى أم ثنتين ، فليبن على واحدة ، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثًا ، فليبن على ثنتين ، فإن لم يدر ثلاثا صلى أو أربعا ، فليبن على ثلاث ، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم .

خرج الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وقال : حسن صحيح ، والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم . وله علة ذكرها ابن المديني . قال : وكان عندي حسنًا ، حتى وقفت على علته ، وذلك أن ابن إسحاق سمعه من مكحول مرسلا ، وسمع إسناده من حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن مكحول ، قال : يضعف الحديث من هاهنا .

يعني : من جهة حسين الذي يرجع إسناده إليه . وخرجه الإمام أحمد ، عن ابن علية ، عن ابن إسحاق ، كما ذكره ابن المديني . وكذا رواه عبد الله بن نمير وعبد الرحمن المحاربي ، عن ابن إسحاق ، عن مكحول مرسلًا ، وعن حسين عن مكحول ، متصلًا .

ورواه حماد بن سلمة وغيره ، عن ابن إسحاق ، عن مكحول ، مرسلًا . ذكره الدارقطني . وخرجه الإمام أحمد أيضا ، من رواية إسماعيل بن مسلم ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وإسماعيل ، هو المكي ، ضعيف جدًا . وقد قيل : إنه توبع عليه ، ولا يصح ، وإنما مرجعه إلى إسماعيل ، ذكره الدارقطني . وروى أيوب بن سليمان بن بلال ، عن أبي بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن عمر بن محمد بن زيد ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : إذا لم يدر أحدكم كم صلى - ثلاثا أو أربعا - فليركع ركعتين ، يحسن ركوعهما وسجودهما ، ثم ليسجد سجدتين .

خرجه الحاكم وقال : صحيح على شرطهما . والبخاري يخرج من هذه النسخة كثيرًا ، لكن هذا رواه مالك في الموطأ ، عن عمر بن محمد ، عن سالم ، عن أبيه ، موقوفًا . قال الدارقطني : رفعه غير ثابت .

وقال ابن عبد البر : لا يصح رفعه . ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، أنه قال : إذا شك الرجل في صلاته ، فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا ، فليبن على أتم ذلك في نفسه ، وليس عليه سجود . قال : فكان الزهري يقول : يسجد سجدتي السهو وهو جالس .

وأما الثاني : وهو التحري : فقد خرجه البخاري في أبواب استقبال القبلة ، من رواية جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر الحديث ، وقال في آخره : وإذا شك أحدكم في صلاته ، فليتحرى الصواب ، فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم يسجد سجدتين . وخرجه مسلم أيضا . وخرجه من طرق أخرى ، عن منصور ، وفي بعضها : فلينظر أحرى ذلك للصواب .

وفي رواية : فليتحرى أقرب ذلك إلى الصواب . وفي رواية : فليتحرى الذي يرى أنه صواب . وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي ، وزادوا فيه : ثم يسلم ، ثم يسجد سجدتي السهو .

وقد رواه جماعة من ثقات أصحاب منصور ، عنه ، بهذه الزيادة . وخرجه ابن ماجه ، وعنده : ويسلم ويسجد سجدتين بالواو . قال الإمام أحمد - في رواية الأثرم - : وحديث التحري ليس يرويه غير منصور ، إلا أن شعبة روى عن الحكم ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، موقوفًا ، نحوه ، قال : وإذا شك أحدكم فليتحر .

وخرجه النسائي كذلك . وقد روي عن الحكم مرفوعًا . قال الدارقطني : الموقوف عن الحكم أصح .

وقد روي عن ابن مسعود التحري من وجه آخر ، مختلف فيه : فروى خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : إذا كنت في صلاة ، فشككت في ثلاث أو أربع ، وأكثر ظنك على أربع ، تشهدت ، ثم سجدت سجدتين ، وأنت جالس قبل أن تسلم ، ثم تشهدت أيضا ، ثم تسلم . وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وذكر أبو داود ، أنه اختلف في رفعه ووقفه ، وفي لفظه أيضا .

وقال أحمد : حديث اليقين أصح في الرواية من التحري . وقال في حديث التحري : هو صحيح ، روي من غير وجه . ويظهر من تصرف البخاري عكس هذا ؛ لأنه خرج حديث التحري دون اليقين .

وخرج مسلم الحديثين جميعًا . وقد دلت هذه الأحاديث على أن من شك في عدد صلاته ، فإنه ليس عليه إعادتها ، ولا تبطل صلاته بمجرد شكه ، بل يسجد سجدتي السهو بعد بنائه على يقينه أو تحريه ، وهو قول جمهور العلماء . وروي عن طائفة أن من شك في صلاته فإنه يعيدها .

رواه همام بن منبه وابن سيرين ، عن ابن عمر . وهو خلاف رواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار ومحارب بن دثار وغيرهم ، كلهم رووا ، عن ابن عمر ، أنه يسجد ولا يعيد . وقد سبق عن ابن عمر رواية أخرى ، أنه لا يسجد .

وذكر عطاء ، أنه سمع ابن عباس يقول : إن نسيت الصلاة المكتوبة فعد لصلاتك ، وأنه بلغه عن ابن عمر وابن عباس ، أنه إذا شك أعاد مرة واحدة ، ثم لا يعيد ، ويبني على أحرى ذلك في نفسه ، ويسجد سجدتين بعدما يسلم . وكذلك قال طاوس : يعيد مرة ، ثم لا يعيد . وقال النخعي : أحب إلي أن أعيد ، إلا أن أكون أكثر النسيان ، فأسجد للسهو .

وهو قول أبي حنيفة والثوري . ورويت الإعادة مع الشك مطلقًا عن الشعبي وشريح ومحمد ابن الحنفية . وأما جمهور العلماء ، فعلى أنه لا يعيد الصلاة .

لكن اختلفوا : هل يبني على الأقل - وهو اليقين - ، أو يبني على غالب ظنه ؟ فقالت طائفة : يبني على غالب ظنه . روي عن ابن مسعود ، وهو قول الكوفيين كالنخعي وأبي حنيفة والثوري - في رواية - والحسن بن حي . وحكاه ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث .

وحكى ابن عبد البر عن الأوزاعي : يتحرى ، فإن قام فلم يدر كم صلى ، استأنف . والتحري قول أحمد ، في رواية عنه . وعلى هذه الرواية ، فهل ذلك عام في المنفرد والإمام ، أم خاص بالإمام ؟ على روايتين فيهِ .

وظاهر مذهبه : أنه يختص بالإمام ؛ لأنه يعتمد على غلبة ظنه بإقرار المأمومين ومتابعتهم لهُ من غير نكير ، فيقوى الظن بذلك . واستدل هؤلاء بأحاديث تحري الصواب . وأما حديث اطراح الشك ، والبناء على ما استيقن ، فحملوه على الشك المساوي ، أو الأضعف .

فأما غلبة الظن ، فقالوا : لا يسمى شكا عند الإطلاق ، كما يدعيه أهل الأصول ومن تبعهم ، وإن كان الفقهاء يطلقون عليه اسم الشك في مواضع كثيرة . وقالت طائفة : بل يبني على اليقين ، وهو الأقل . وروي عن عمر وعلي وابن عمر ، وعن الحسن والزهري ، وهو قول مالك والليث والثوري - في رواية - والشافعي وأحمد - في رواية عنه - وإسحاق .

وعن الثوري ، قال : كانوا يقولون : إن كان أول ما شك ، فإنه يبني على اليقين ، وإن ابتلي بالشك - يعني : أنه يتحرى - ، وإن زاد به الشك ورأى أنه من الشيطان ، لم يلتفت إليه . وهؤلاء استدلوا بحديث أبي سعيد الخدري المتقدم في البناء على ما استيقن . وأما أحاديث التحري ، فمنهم من تكلم فيها ، حتى أعل حديث ابن مسعود المرفوع المخرج في الصحيحين ، من رواية منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عنه ، بأنه روي موقوفًا ، من طريق الحكم ، عن أبي وائل ، عنه ، كما فعل النسائي وغيره .

وقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن منصور ، عن النخعي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود - موقوفًا . وهذا قد يتعلق به من يدعي أن هذه الرواية في آخر الحديث مدرجة من قول ابن مسعود . ومنهم من حمل تحري الصواب على الرجوع إلى اليقين ، ومنهم : الشافعي وأصحابه وسليمان الهاشمي والجوزجاني وابن عبد البر وغيرهم .

وفي بعض ألفاظ الحديث ما يصرح بخلاف ذلك ، كما تقدم . وحمل أحمد - في ظاهر مذهبه - التحري على الإمام ؛ لأن عمله بغالب ظنه ، مع إقرار المأمومين لهُ واتباعهم إياه يقوي ظنه ، فيصير كالعمل باليقين ، بخلاف المنفرد ، فإنه ليس عنده أمارة تقوي ظنه . وقد نص أحمد : أنه يجوز للإمام إذا شك أن يلحظ ما يفعله المأمومون خلفه ، من قيام أو قعود ، وغير ذلك ، فيتبعهم فيه .

ومن متأخري أصحابنا من قال : يحمل الأمر بالتحري على من قدر عليه ، بوجود أمارات توجب له غلبة الظن ، ولا يختص ذلك بالإمام ، بل المنفرد إذا كان عنده أمارة يتحرى بها عمل بها ، فإن لم يكن عند المصلي أمارة توجب ترجيح أحد الأمرين ، فقد استوى عنده الأمران ، فيطرح الشك حينئذ ، ويعمل باليقين . وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد . وهاهنا مسلك آخر : وهو حمل الأمر بالتحري على الرخصة والجواز ، وحمل الأمر باطراح الشك والبناء على ما استيقن على الأفضل والاحتياط ، فيجوز للمصلي إذا شك العمل بكلا الأمرين ، ويكون الأفضل الأخذ بالاحتياط .

وصرح بهذا القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتاب أحكام القرآن ، وتبعه عليه جماعة من أصحابنا . وهذه المسألة ترجع إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر ، وللمسألة أقسام قد ذكرناها مستوفاة في كتاب القواعد في الفقه . وحملت طائفة أحاديث البناء على اليقين على من لم يعتبر الشك ، ولم تلزمه أحاديث العمل بغلبة الظن على من لزمه الشك ، وصار له عادة ووسواسًا ، فلا يلتفت إليه حينئذ ، بل يجعل وجوده كالعدم ، ويبني على غالب ظنه .

وذكر ابن عبد البر أن هذا تفسير الليث وابن وهب للحديث ، وأنه مذهب مالك أيضا . يعني : أن الشك إذا لزم صاحبه وصار وسواسا ، لم يلتفت إليه . وهو قول الثوري ، وروي عن القاسم بن محمد ، وصرح به أصحابنا أيضا .

وعلى هذا ؛ يحمل حديث الأمر لمن شك في صلاته بأن يسجد سجدتين ، من غير ذكر تحر ولا يقين . ولهذا ذكر في أول الحديث تلبيس الشيطان عليه ، حتى لا يدري : كم صلى . وعليه يحمل أيضا ما روي عن بعض المتقدمين : أن سجدتي السهو تكفي من شك في صلاته .

والله سبحانه وتعالى أعلم . وأما محل السجود للشك ، فقد تقدم ذكره في الباب الماضي ، واختلاف العلماء فيه ، وأن أحمد يعمل بالأحاديث كلها في ذلك . فإن شك وتحرى ، سجد بعد السلام ، وإن بنى على اليقين سجد قبله .

وهو قول أبي خيثمة زهير بن حرب أيضا . وذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم أيضا . ومذهب إسحاق : أنه يبني على اليقين ، ويسجد بعد السلام ، نقله عنه حرب .

ولعله حمل تحري الصواب في حديث ابن مسعود على الأخذ باليقين ، كما تقدم عن جماعة أنهم قالوه . وفي ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وسوسة الشيطان للمصلي ، وأمره بالسجود إذا لم يدر كم صلى ، يدل على أنه لا يسجد بمجرد وسوسة الصلاة ، إذا لم يشك في عدد صلاته . وعلى هذا جمهور العلماء ، وحكاه بعضهم إجماعا .

وحكى إسحاق ، عن الحسن بن علي ، أنه سجد في الصلاة عن غير سهو ظهر منه ، وقال : إني حدثت نفسي . وروي عن أحمد ، أنه سجد للسهو في صلاته ، وقال : إني لحظت ذلك الكتاب . وهذا خلاف المعروف من مذهبه .

وحكى أحمد ، عن ابن عباس ، قال : إن استطعت أن لا تصلي صلاة إلا سجدت بعدها سجدتين فافعل . وفي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بسجود السهو في حديث أبي هريرة وابن مسعود المتفق عليهما دليل على أن سجود السهو واجب ، إذا كان لما يبطل الصلاة تعمده . واختلف العلماء في وجوب سجود السهو : فذهب إلى وجوبه كثير من العلماء ، منهم : الحكم وابن شبرمة وأبو حنيفة - فيما حكاه الكرخي ، عنه - والثوري وأحمد وإسحاق .

لكن أحمد إنما يوجبه إذا كان لما يبطل عمده الصلاة خاصة ، فأما ما لا يبطل الصلاة عمده ، كترك السنن وزيادة ذكر في غير محله ، سوى السلام ، فليس بواجب عنده ؛ لأن السجود من أجله ليس بواجب فعله أو تركه ، فجبرانه أولى ، فأما ما يجب فعله أو تركه ، فيجب جبرانه بالسجود كجبرانات الحج . وحكي عن مالك وأبي ثور : إن كان من نقصان وجب ؛ لأن محله قبل السلام ، فيكون من جملة أجزاء الصَّلاة ، بخلاف ما محله بعد السلام ؛ لأن محله بعد التحلل من الصلاة . وقال الشافعي : هو سنة بكل حال .

وحكي رواية عن أحمد ، وتأولها بعض أصحابه . واستدل لذلك بأنه روي في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم : فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان . وأجيب : بأن المراد بالنافلة الزيادة على آخر الصلاة ، كما في حديث عثمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه توضأ ، وقال : من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة .

خرجه مسلم . وأراد بالنافلة : زيادة في حسناته ؛ حيث كانَ الوضوء مكفرا للذنوب . فمن قالَ : إن سجود السهو سنة ، لم تبطل الصَّلاة بتركه بحال ، وهو قول الشافعي وعبد الملك المالكي .

وكذلك مذهب أبي حنيفة ، لكنه عنده : إذا فعل وقع موقع الفرض ، والتحق به ، وإن كان بعد السلام حين لو أحدث فيه أو خرج الوقت بطلت الصلاة المتقدمة . واختلفت الرواية عن أحمد : هل تبطل الصلاة بترك السجود للسهو ، عنه روايتان : أحدهما : إن تركه عمدا ، وكان محله قبل السلام بطلت الصلاة ، وإن كان محله بعد السلام لم تبطل ، وإن كان تركه نسيانًا لم تبطل بكل حال . وحكي مثله عن أبي ثور .

لأن ما محله قبل السلام - وهو واجب - هو كالجزء من الصلاة ، بخلاف ما محله بعد السلام ، فإنه خارج عن الصلاة ، فهو كالأذان ، عند من يقول بوجوبه ، لا يبطل الصلاة تركه . والرواية الثانية : إذا نسيه حتى طال الفصل أعاد الصلاة . وهذا يدل على أن تركه يبطل الصلاة بكل حال ، وهو قول الحكم وابن شبرمة ؛ لأنه سجود واجب في الصَّلاة أو لأجلها ، فهوَ كسجود صلب الصَّلاة .

وكذلك قال مالك ، فيما قبل السلام . وقال فيما بعده : لا يبطل تركه مطلقا . وروي عن مالك : اختصاص البطلان فيما قبل السلام بترك الأفعال دون الأقوال .

ومذهب الثوري : أن سجود السهو واجب ، وليس هو من صلب الصلاة ، فمن ضحك فيه أو أحدث ، فلا شيء عليه . ولكنه قال فيمن سلم وهو يرى أنه ينبغي أن يسجد في صلاته : أعاد الصلاة ؛ لأنه أدخل في صلاته زيادة . يعني به : السلام .

وهذا يدل على تفريقه بين سجود السهو الذي قبل السلام وبعده ، كقول أحمد . وكذلك قال الليث ، فيمن نسي سجود السهو الذي قبل السلام ، فلم يذكره حتى صلى صلاة أخرى ، أنه يعيد الصلاة التي نسي سجودها ، فإن كان السجود بعد السلام سجد سجدتي السهو ، ولم يعد صلاته . نقله عنه ابن وهب في كتاب سجود السهو له ، ووافقه عليه .

ورد في أحاديث10 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث