باب من سمع شيئا فراجعه حتى يعرفه
حدثنا سعيد بن أبي مريم قال : أخبرنا نافع بن عمر قال : حدثني ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من حوسب عذب ، قالت عائشة : فقلت : أوَليس يقول الله تعالى : ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾؟ قالت : فقال : إنما ذلك العرض ، ولكن من نوقش الحساب يهلك . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه . بيان رجاله : وهم أربعة : الأول : سعيد بن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي أبو محمد المصري ، سمع مالكا وغيره ، وروى عنه البخاري هنا وغيره ، وروى بقية الجماعة عن رجل عنه ، وروى البخاري في تفسير سورة الكهف ، عن محمد بن عبد الله عنه ، عن أبي غسان محمد بن مطرف وسليمان بن بلال ومحمد بن أبي كثير ، قال الحاكم النيسابوري : يقال : إن محمد بن عبد الله هذا هو محمد بن يحيى الذهلي ، وروى عنه أبو حاتم الرازي ، وقال : ثقة ، وقال ابن معين : ثقة الثقات ، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين .
الثاني : نافع بن عمر بن عبد الله القرشي الجمحي المكي ، قال أحمد بن حنبل : ثبت ، ثبت ، صحيح الحديث ، وقال يحيى بن معين : ثقة ، وقال أبو حاتم : ثقة ، يحتج بحديثه ، مات بمكة سنة تسع وستين ومائة ، روى له الجماعة . الثالث : عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بضم الميم ، وقد تقدم . الرابع : الصديقة عائشة رضي الله عنها .
بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والإخبار ، ومنها أن رواته ما بين مصري ومكي ، ومنها أنه رباعي صحيح . فإن قلت : هذا الإسناد مما استدركه الدارقطني على البخاري ومسلم ، فقال : اختلفت الرواية فيه عن ابن أبي مليكة ، فروي عنه ، عن عائشة ، وروي عنه ، عن القاسم ، عن عائشة ، وقد اختلف الناس في الحديث إذا روي موصولا ، وروي منقطعا : هل علة فيه ؟ فالمحدثون يثبتونه علة ، والفقهاء ينفون العلة عنه ، ويقولون : يجوز أن يكون سمعه عن واحد ، عن آخر ، ثم سمعه عن ذلك الآخر بغير واسطة . قلت : هذا هو الجواب عن استدراك الدارقطني ، وهو استدراك مستدرك ؛ لأنه محمول على أنه سمعه عنها بالواسطة وبدون الواسطة ، فرواه بالوجهين ، وأكثر استدراكات الدارقطني على البخاري ومسلم من هذا الباب .
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في التفسير والرقاق ، عن عمرو بن علي ، عن يحيى ، عن عثمان بن الأسود وفي الرقاق أيضا ، عن عبيد الله بن موسى ، عن عثمان بن الأسود ، وفي التفسير ، عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، وقال في عقب حديث عمرو بن علي : تابعه ابن جريج ومحمد بن سليم وصالح وأيوب بن رستم ، عن ابن أبي مليكة ، سمعت عائشة . وأخرجه مسلم في أواخر الكتاب ، عن أبي بكر وابن حجر ، عن ابن علية ، عن أيوب ، وعن أبي الربيع وأبي كامل ، عن حماد ، عن أيوب ، وعن عبد الرحمن بن بشر ، عن يحيى القطان ، عن عثمان بن الأسود ، كلاهما عن ابن أبي مليكة . وأخرجه في التفسير ، عن مسدد ، عن يحيى ، وفي الرقاق عن إسحاق بن منصور ، عن روح .
وأخرجه أيضا عن عبد الرحمن بن بشر ، عن يحيى ، كلاهما عن أبي يونس حاتم ، عن ابن أبي مليكة ، عن القاسم ، عن عائشة ، وزاد فيه : القاسم بن أبي مليكة وعائشة . وأخرجه النسائي في التفسير ، عن العباس بن محمد ، عن يونس بن محمد ، عن نافع بن عمر بإسناده من حوسب يومئذ عذب فذكره ، ولم يذكر أول الحديث . بيان اللغات : قوله : زوج النبي عليه السلام زوج الرجل امرأته ، وزوج المرأة بعلها ، قال الله تعالى : اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ويقال أيضا : هي زوجته ، والأول هو الأفصح ، قوله : العرض بفتح العين من عرضت إليه أمر كذا ، وعرضت له الشيء ، أي أظهرته وأبرزته إليه ، قوله : من نوقش من المناقشة وهي الاستقصاء في الحساب حتى لا يترك منه شيء ، وقال ابن دريد : أصل النقش استقصاؤك الكشف عن الشيء ، ومنه نقش الشوكة إذا استخرجها ، وقال الهروي : انتقشت منه حتى استقصيته منه .
بيان الإعراب : قوله : أن عائشة بفتح الهمزة ، وأصله : بأن عائشة ، ظاهر هذا الإرسال ؛ لأن ابن أبي مليكة تابعي ، لم يدرك مراجعة عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لكن ظهر وصله بعد في قوله : قالت عائشة : فقلت ، قوله : زوج النبي عليه الصلاة والسلام كلام إضافي منصوب ؛ لأنه صفة عائشة ، قوله : كانت في محل الرفع ؛ لأنه خبر أن ، قوله : لا تسمع إلى آخره في محل النصب ؛ لأنه خبر كان ، قوله : لا تعرفه جملة في محل النصب ؛ لأنها صفة لقوله : شيئا قوله : إلا راجعت فيه استثناء متصل ، وقوله : راجعت صفة لموصوف محذوف ، والتقدير : لا تسمع شيئا مجهولا موصوفا بصفة إلا موصوفا بأنه مرجوع فيه ، قوله : حتى للغاية بمعنى إلى ، وقوله : تعرفه منصوب بأن المقدرة ، قوله : وأن النبي عليه الصلاة والسلام عطف على قوله : أن عائشة قال الكرماني : واعلم أن هذا القدر من كلام ابن أبي مليكة مرسل ؛ إذ لم يسنده إلى صحابي . قلت : قد ذكرت أن قول عائشة : فقلت يدل على الوصل وإن كان ذاك بحسب الظاهر يدل على الإرسال ، قوله : قال في محل الرفع ؛ لأنه خبر أن ، قوله : من حوسب عذب مقول القول ، و من موصولة ، و حوسب جملة صلتها ، وقوله : عذب خبر من ؛ لأنه مبتدأ ، قوله : فقلت عطف على قوله : قال : من حوسب عذب وقوله : قالت عائشة معترض بينهما من كلام الراوي ، قوله : أوليس يقول الله الهمزة للاستفهام ، فإن قلت : همزة الاستفهام تقتضي الصدارة وحرف العطف يقتضي تقدم الصدارة ، فما تقديره ؟ قلت : هاهنا وفي أمثاله يقدر المعطوف عليه هو مدخول الهمزة ، نحو : أكان كذلك وليس يقول الله تعالى ، وفي بعض النسخ : أوليس الله يقول ، فلفظة الله اسم ليس ، وخبره يقول فإن قلت : ما اسم ليس في الرواية المشهورة ؟ قلت : إما أن يكون ليس بمعنى لا ، فكأنه قيل : أَوَلَا يقول الله . وإما أن يكون فيه ضمير الشأن ، قوله : حسابا نصب على أنه مفعول مطلق ، ويسيرا صفته ، قوله : قالت أي عائشة ، فقال أي النبي عليه الصلاة والسلام ، قوله : إنما ذلك بكسر الكاف ؛ لأنه خطاب للمؤنث ، والأصل فيه ذا ، وهو اسم يشار به إلى المذكر ، فإن خاطبت جئت بالكاف ، فقلت : ذاك ، وذلك ، فاللام زائدة والكاف للخطاب ، وفيهما دليل على أن ما يومئ إليه بعيد ، ولا موضع له من الإعراب ، وهو هاهنا مبتدأ ، وخبره قوله : العرض ، قوله : ولكن للاستدراك ، قوله : من موصولة تتضمن معنى الشرط ، وقوله : نوقش فعل الشرط ، قوله : يهلك بكسر اللام جواب الشرط ، ويجوز فيه الرفع والجزم ؛ وذلك لأن الشرط إذا كان ماضيا يجوز الوجهان في الجواب ، وهو من هلك يهلك لازم ، وتميم تقول : هلكه يهلكه هلكا بمعنى أهلكه ، والمعنى هاهنا على اللزوم وإن احتمل التعدي أيضا ، قوله : الحساب نصب ؛ لأنه مفعول ثان لناقش ؛ لأن أصل باب المفاعلة لنسبة أصل الفعل إلى أحد الأمرين متعلقا بالآخر صريحا ، ويجيء عكس ذلك ضمنا فلأجل تعلقه بالآخر جاء غير المتعدي إذا نقل إلى فاعل متعديا نحو كارمته ؛ فإن أصله لازم ، وقد تعدى هاهنا ، والمتعدي إلى مفعول واحد إذا نقل إلى فاعل يتعدى إلى مفعولين نحو جاذبته الثوب ، لكن بشرط أن لا يصلح مفعول أصل الفعل أن يكون مشاركا للفاعل كما في المثال المذكور ؛ فإن الثوب لما لم يصلح لأن يكون مشاركا للفاعل في المجاذبة احتيج إلى مفعول آخر يكون مشاركا له فيها فيتعدى إلى اثنين ، وأما إذا صلح مفعوله للمشاركة فلا يتعدى إلى اثنين ، بل يكتفي بمفعول كما في : شاتمت زيدا .
فإن قلت : أين المفعول الأول هاهنا ؟ قلت : الضمير الذي نوقش فإنه مفعول ناب عن الفاعل ، والمعنى من ناقشه الله الحساب يهلك ، وقال الكرماني : الظاهر أن الحساب منصوب بنزع الخافض أي في الحساب ، أي من جرى في حسابه المضايقة يهلك . قلت : الظاهر ما ذكرناه . بيان المعاني : قوله : كانت لا تسمع إنما جمع بين كانت الذي هو الماضي وبين لا تسمع الذي هو المضارع ؛ لأن كانت هنا لثبوت خبرها ، والمضارع للاستمرار فيتناسبان ، أو جيء بلفظ المضارع استحضارا للصورة الماضية وحكاية عنها ، فلفظه وإن كان مضارعا لكن معناه على الماضي ، قوله : عذب له معنيان : أحدهما : أن نفس مناقشة الحساب يوم عرض الذنوب والتوقيف على قبيح ما سلف له - تعذيب وتوبيخ .
والآخر : أنه مفض إلى استحقاق العذاب ؛ إذ لا حسنة للعبد يعملها إلا من عند الله وبفضله وإقداره له عليها وهدايته لها ، وأن الخالص لوجهه تعالى من الأعمال قليل ، ويؤيده قوله : يهلك مكان عذب ، قوله : يسيرا أي سهلا هينا لا يناقش فيه ، ولا يعترض بما يشق عليه كما يناقش أصحاب الشمال ، فإن قلت : ما وجه المعارضة هاهنا ؟ أعني بين الحديث والآية . قلت : وجهها أن الحديث عام في تعذيب من حوسب ، والآية تدل على عدم تعذيب بعضهم وهم أصحاب اليمين ، وجوابها أن المراد من الحساب في الآية العرض يعني الإبراز والإظهار ، وعن عائشة رضي الله عنها هو أن يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه ، قوله : من نوقش المعنى أن التقصير غالب على العباد ، فمن استقصي عليه ولم يسامح هلك وأدخل النار ، ولكن الله تعالى يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن شاء ، وقيل : إن المناقشة في الحساب نفسها هو العذاب ؛ لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : من يحاسب يعذب فقيل : يا رسول الله ، ﴿فسوف يحاسب حسابا يسيرا ﴾؟ قال : ذلكم العرض ، من نوقش في الحساب عذب وفيه نظر ؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام : من يحاسب يعذب وقوله : من نوقش في الحساب عذب يدل على أن من حوسب عذب ، سواء بمناقشة أو لا ، ولا يدل على أن المناقشة في الحساب نفسها عذاب ، بل المعهود خلافه ، فإن الجزاء لا بد وأن يكون سببا عن الشرط ، والجواب : أن التألم الحاصل للنفس بمطالبة الحساب غير الحساب ومسبب عنه ، فجاز أن يكون بذلك الاعتبار جزاء . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه بيان فضيلة عائشة رضي الله عنها وحرصها على التعلم والتحقيق ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يتضجر من المراجعة إليه .
الثاني : فيه إثبات الحساب والعرض . الثالث : فيه إثبات العذاب يوم القيامة . الرابع : فيه جواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب .
الخامس : فيه تفاوت الناس في الحساب .