باب النهي عن الاستنجاء باليمين
حدثنا معاذ بن فضالة قال : حدثنا هشام هو الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء ، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ، ولا يتمسح بيمينه . مطابقة الحديث في قوله : « ولا يتمسح بيمينه » . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : معاذ ، بضم الميم وبالذال المعجمة ابن فضالة ، بفتح الفاء والضاد المعجمة البصري الزهراني ، أبو زيد ، روى عن الثوري وغيره ، وعنه البخاري وآخرون .
الثاني : هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، بفتح الدال وسكون السين المهملتين والتاء المثناة من فوق وبهمزة بلا نون ، وقيل : بالقصر وبالنون ، وقد مر تحقيقه في باب زيادة الإيمان . الثالث : يحيى بن أبي كثير أبو نصر الطائي ، وقد مر في باب كتابة العلم . الرابع : عبد الله بن أبي قتادة أبو إبراهيم البلخي ، روى عن أبيه ، وعنه يحيى وغيره ، مات سنة خمس وتسعين ، روى له الجماعة .
الخامس : أبو قتادة الحارث أو النعمان أو عمرو بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة ، بكسر اللام السلمي بفتحها ، ويجوز في لغة كسرها ، المدني ، فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، شهد أحدا والخندق وما بعدها ، والمشهور أنه لم يشهد بدرا ، روي له مائة حديث وسبعون حديثا ، وانفرد البخاري بحديثين ، ومسلم بثمانية ، واتفقا على أحد عشر ، ومناقبه جمة ، مات بالمدينة ، وقيل : بالكوفة سنة أربع وخمسين على أحد الأقوال عن سبعين سنة ، ولا يعلم في الصحابة من يكنى بهذه الكنية سواه ، وربعي بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة ، وبلدمة بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح الدال المهملة ، ويقال : بضم الباء وبضم الذال المعجمة ، وخناس بكسر الخاء المعجمة وبالنون المخففة . ( بيان لطائف إسناده ) . منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته ما بين بصري ومدني ، ومنها أن قوله : « هو الدستوائي » قيد لإخراج هشام بن حسان ؛ لأنهما بصريان ثقتان مشهوران من طبقة واحدة ، فقيد به لدفع الالتباس وغرض التعريف ، وقال الكرماني : وإنما قال بهذه العبارة اقتصارا على ما ذكره شيخه واحترازا عن الزيادة على لفظه .
( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) . أخرجه البخاري أيضا في الطهارة عن محمد بن يوسف عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير به ، وعن يحيى بن يحيى عن وكيع عن هشام به ، وفيه وفي الأشربة أيضا عن أبي نعيم عن شيبان عن يحيى به ، وأخرجه مسلم في الطهارة أيضا عن يحيى بن يحيى ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن همام بن يحيى ، عن يحيى بن أبي كثير به ، وعن يحيى بن يحيى ، عن وكيع ، عن هشام به ، وفيه وفي الأشربة عن ابن أبي عمر عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير . وأخرجه أبو داود في الطهارة عن مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل كلاهما عن أبان بن يزيد ، عن يحيى بن أبي كثير ، وأخرجه الترمذي فيه أيضا عن ابن أبي عمر ، عن سفيان ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير به ، وقال : حسن صحيح .
وأخرجه النسائي فيه أيضا عن يحيى بن درستويه ، عن أبي إسماعيل القناوي ، عن يحيى بن أبي كثير به ، وعن هناد بن السري عن وكيع به ، وعن إسماعيل بن مسعود ، عن خالد بن الحارث ، عن هشام به ، وعن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري ، عن عبد الوهاب الثقفي به . وأخرجه ابن ماجه فيه أيضا عن هشام بن عمار ، عن عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين ، وعن دحيم نحوه ، عن الوليد بن مسلم ، كلاهما عن الأوزاعي به ، ولم يذكر التنفس في الإناء . ( بيان اللغات ) .
قوله : « فلا يتنفس » من باب التفعل ، يقال : تنفس يتنفس تنفسا ، والتنفس له معنيان أحدهما : أن يشرب ويتنفس في الإناء من غير أن يبينه عن فيه ، وهو مكروه ، والآخر : أن يشرب الماء وغيره من الإناء بثلاثة أنفاس فيبين فاه عن الإناء في كل نفس ، وأصل التركيب يدل على خروج النسيم ، كيف كان من ريح أو غيرها ، وإليه ترجع فروعه ، والتنفس خروج النفس من الفم وكل ذي رئة يتنفس وذوات الماء لا ريات لها ، كذا قاله الجوهري ، قوله : « في الإناء » وهي الوعاء ، وجمعها آنية ، وجمع الآنية الأواني مثل سقاء وأسقية وأساقي وأصله غير مهموز ، ولهذا ذكره الجوهري في باب أني ، فعلى هذا أصله إناي ، قلبت الياء همزة لوقوعها في الطرف بعد ألف ساكنة ، قوله : « الخلاء » ممدود المتوضأ ، ويطلق على الفضاء أيضا . قوله : « فلا يمس » من مسست الشيء بالكسر ، أمس مسا ومسيسا ومسيسي ، مثال خصيصي ، هذه هي اللغة الفصيحة ، وحكى أبو عبيدة : مسسته بالفتح أمسه بالضم ، وربما قالوا أمست الشيء يحذفون منه السين الأولى ويحولون كسرتها إلى الميم ، ومنهم لا يحول ويترك الميم على حالها مفتوحة ، وهو مثل قوله فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ بكسر الظاء وتفتح ، وأصله ظللتم ، وهو من شواذ التخفيف ، ويجوز فيه ثلاثة أوجه من حيث القاعدة : فتح السين لخفة الفتحة ، وكسرها ؛ لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر ، وفك الإدغام على ما عرف في موضعه ، قوله : « ولا يتمسح » أي : ولا يستنجي ، وهو من باب التفعل ، أشار به إلى أنه لا يتكلف المسح باليمين ؛ لأن باب التفعل للتكلف غالبا . ( بيان الإعراب ) .
قوله : « فلا يتنفس » بجزم السين ؛ لأنه صيغة النهي ، وكذا قوله : « فلا يمس » ولا يتمسح ، وروي بالضم في هذه الألفاظ الثلاثة على صيغة النفي ، والفاء في قوله : « فلا يتنفس » وفلا يمس جواب الشرط ، وقوله : « ولا يتمسح » بالواو عطف على قوله : « فلا يمس » وإنما لم يظهر الجزم في فلا يمس لأجل الإدغام ، وعند الفك يظهر الجزم تقول : فلا يمسس . ( بيان المعاني ) . قوله : « فلا يتنفس » قد ذكرنا أنه نهي ، ويحتمل النفي ، وعلى كل تقدير هو نهي أدب ، وذلك أنه إذا فعل ذلك لم يأمن أن يبرز من فيه الريق فيخالط الماء فيعافه الشارب ، وربما يروح بنكهة المتنفس إذا كانت فاسدة ، والماء للطفه ورقة طبعه تسرع إليه الروائح ، ثم إنه يعد من فعل الدواب إذا كرعت في الأواني جرعت ، ثم تنفست فيها ، ثم عادت فشربت ، وإنما السنة أن يشرب الماء في ثلاثة أنفاس ، كلما شرب نفسا من الإناء نحاه عن فمه ، ثم عاد مصا له غير عب إلى أن يأخذ ريه منه ، والتنفس خارج الإناء أحسن في الأدب وأبعد عن الشره ، وأخف للمعدة ، وإذا تنفس فيه تكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته ، وربما شرق وأذى كبده ، وهو فعل البهائم ، وقد قيل : إن في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما ويخرج من الآخر ، فيبقى ما على القلب من هم أو قذى ، ولذلك لو احتبس النفس ساعة هلك الآدمي ، ويخشى من كثرة التنفس في الإناء أن يصحبه شيء مما في القلب فيقع في الماء ، ثم يشربه فيتأذى به ، وقيل : علة الكراهة أن كل عبة شربة مستأنفة ، فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها ؛ فإذا وصل ، ولم يفصل بينهما فقد أخل بعدة سنن .
فإن قلت : لم يبين في الحديث عدد التنفس خارج الإناء ، غاية ما في الباب أنه نهى عن التنفس فيها . قلت : قد بينه في الحديث الآخر بالتثليث ، وقد اختلف العلماء في أي هذه الأنفاس الثلاثة أطول ، على قولين ؛ أحدهما : الأول ، والثاني : أن الأول أقصر ، والثاني أزيد منه ، والثالث أزيد منهما ، فيجمع بين السنة والطب ؛ لأنه إذا شرب قليلا قليلا وصل إلى جوفه من غير إزعاج ، ولهذا جاء في الحديث مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ . فإن قلت : قد صح عن أنس رضي الله عنه أن النبي - عليه الصلاة والسلام - كان يتنفس في الإناء ثلاثا .
قلت : المعنى يتنفس في مدة شربه عند إبانة القدح عن الفم لا التنفس في الإناء لا سيما مع قوله : « هو أهنأ وأمرأ وأبرأ » أو فعله بيانا للجواز أو النهي خاص بغيره ؛ لأن ما يتقذر من غيره يستطاب منه . فإن قلت : هل الحكم مقصور على الماء أم غيره من الأشربة مثله ؟ قلت : النهي المذكور غير مختص بشرب الماء ؛ بل غيره مثله ، وكذلك الطعام مثله ، فكره النفخ فيه ، والتنفس في معنى النفخ ، وفي جامع الترمذي مصححا عن أبي سعيد الخدري أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل : القذاة أراها في الإناء ، قال : أهرقها ، قال : فإني لا أروى من نفس واحد ، قال : فابن القدح إذا عن فيك . فإن قلت : ما الدليل على العموم ؟ قلت : حذف المفعول في قوله : « وإذا شرب » وذلك لأن حذف المفعول ينبئ عن العموم ، قوله : « فلا يمس ذكره بيمينه » النهي فيه تنزيه لها عن مباشرة العضو الذي يكون فيه الأذى والحدث ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجعل يمناه لطعامه وشرابه ولباسه مصونة عن مباشرة الثفل ومماسة الأعضاء التي هي مجاري الأثفال والنجاسات ، ويسراه لخدمة أسافل بدنه وإماطة ما هناك من القاذورات وتنظيف ما يحدث فيها من الأدناس .
فإن قلت : الحديث يقتضي النهي عن مس الذكر باليمين حالة البول ، وكيف الحكم في غير هذه الحالة ؟ قلت : روى أبو داود بسند صحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كانت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليمنى لطهوره وطعامه ، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى ، وأخرجه بقية الجماعة أيضا ، وروى أيضا من حديث حفصة زوج النبي - عليه الصلاة والسلام - قالت : كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه ولباسه ويجعل شماله لما سوى ذلك ، وظاهر هذا يدل على عموم الحكم على أنه قد روي النهي عن مسه باليمين مطلقا غير مقيد بحالة البول ، فمن الناس من أخذ بهذا المطلق ، ومنهم من حمله على الخاص بعد أن ينظر في الروايتين ، هل هما حديثان أو حديث واحد ؛ فإن كانا حديثا واحدا مخرجه واحد واختلفت فيه الرواة ، فينبغي حمل المطلق على المقيد ؛ لأنها تكون زيادة من عدل في حديث واحد ، فتقبل ، وإن كانا حديثين فالأمر في حكم الإطلاق والتقييد على ما ذكر . فإن قلت : النهي فيه تنزيه أو تحريم . قلت : للتنزيه عند الجمهور ؛ لأن النهي فيه لمعنيين أحدهما : لرفع قدر اليمين ، والآخر : أنه لو باشر النجاسة بها يتذكر عند تناوله الطعام ما باشرت يمينه من النجاسة ، فينفر طبعه من ذلك ، وحمله أهل الظاهر على التحريم ، حتى قال الحسين بن عبد الله الناصري في كتابه البرهان على مذهب أهل الظاهر : ولو استنجى بيمينه لا يجزيه ، وهو وجه عند الحنابلة وطائفة من الشافعية .
قوله : « ولا يتمسح بيمينه » النهي فيه للتنزيه عند الجمهور خلافا للظاهرية ، كما ذكرنا ، وقد أورد الخطابي هاهنا إشكالا ، وهو أنه متى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بيمينه ومتى مسه بيساره استلزم استجماره بيمينه ، وكلاهما قد شمله النهي ، ثم أجاب عن ذلك بقوله : إنه يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره ؛ فإن لم يجد فليلصق مقعدته بالأرض ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه ويستجمر بيساره ، فلا يكون متصرفا في شيء من ذلك بيمينه ، وقال الطيبي : النهي عن الاستنجاء باليمين مختص بالدبر ، والنهي عن المس مختص بالذكر ، فلا إشكال فيه . قلت : قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الآتي ولا يستنجي بيمينه يرد عليه في دعواه الاختصاص على ما لا يخفى . وقال بعضهم : الذي ذكره الخطابي هيئة منكرة ؛ بل قد يتعذر فعلها في غالب الأوقات ، والصواب ما قاله إمام الحرمين ، ومن بعده كالغزالي في الوسيط ، والبغوي في التهذيب أنه يمر العضو بيساره على شيء يمسكه بيمينه ، وهي قارة غير متحركة ، فلا يعد مستجمرا باليمين ولا ماسا بها ، فهو كمن صب الماء بيمينه على يساره حالة الاستنجاء .
قلت : دعواه بأن هذه هيئة منكرة فاسدة ؛ لأن الاستجمار بالجدار ونحوه غير بشيع ، وهذا ظاهر وتصويبه ما قاله هؤلاء إنما يمشي في استجمار الذكر ، وأما في الدبر فلا على ما لا يخفى . ( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : كراهة التنفس في الإناء ، وقد ذكرناه مفصلا . الثاني : فيه جواز الشرب من نفس واحد ؛ لأنه إنما نهى عن التنفس في الإناء والذي شرب في نفس واحد لم يتنفس فيه ، فلا يكون مخالفا للنهي وكرهه جماعة ، وقالوا هو شرب الشيطان ، وفي الترمذي محسنا من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا لا تشربوا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث ، وسموا إذا أنتم شربتم ، واحمدوا إذا أنتم رفعتم .
الثالث : فيه النهي عن مس الذكر باليمين . الرابع : فيه النهي عن الاستنجاء باليمين . الخامس : فيه فضل الميامن .
والله أعلم بالصواب .