باب الوضوء من غير حدث
( باب الوضوء من غير حدث ) 77 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسا ح .
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . بيان رجاله : وهم ستة .
وللحديث إسنادان : أحدهما : عن محمد بن يوسف الفريابي ، مر في باب لا يمسك ذكره بيمينه ، عن سفيان الثوري ، تقدم في باب علامة المنافق ، عن عمرو بالواو ، ابن عامر الأنصاري الثقة الصالح ، روى له الجماعة ، عن أنس بن مالك ، والآخر : عن مسدد بن مسرهد ، تكرر ذكره عن يحيى القطان ، مر ذكره ، وهذا تحويل من إسناد إلى إسناد آخر ، وفي بعض النسخ بعد قوله "سمعت أنسا" صورة ح ، وهو إشارة إلى التحويل أو إلى الحائل أو إلى صح أو إلى الحديث ، وقد مر تحقيقه . بيان لطائف إسناده : منها أن في الإسناد الأول التحديث بصيغة الجمع ، والعنعنة ، والسماع ، وفي الثاني التحديث بصيغة الجمع ، والتحديث بصيغة الإفراد ، والعنعنة . ومنها : أن في الإسناد الأول بين البخاري ، وبين سفيان رجل ، وفي الثاني بينهما رجلان .
ومنها : أن في الإسناد الثاني صرح بسماع سفيان عن عمرو ، حيث قال : حدثني عمر ، وفي الأول قال : عن عمرو ، وسفيان من المدلسين ، والمدلس لا يحتج بعنعنته ، إلا أن يثبت سماعه من طريق آخر . ومنها : أن رواته ما بين فريابي ، وكوفي ، وبصري . ومنها : أن الإسناد الأول عال ، والثاني نازل ، وذلك بكون سفيان الثوري أتى بالحديث عن عمرو ، وإنما قلنا : إنه هو الثوري ؛ لأنا لم نجد لسفيان بن عيينة ، عن عمر رواية .
بيان من أخرجه غيره :
أخرجه الترمذي في الطهارة ، . وقال : صحيح .وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد ، عن شعبة عنه بمعناه .
وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن سويد بن سعيد ، عن شريك نحوه . وأخرجه الترمذي من حديث سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن حميد ، عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة ، طاهرا كان أو غير طاهر . قال : قلت لأنس : كيف كنتم تصنعون . .
الحديث . وقال : حديث حميد عن أنس غريب من هذا الوجه ، والمشهور عند أهل العلم حديث عمرو . وفي ( العلل ) قال الترمذي : سألت محمدا ، يعني البخاري عن هذا الحديث ، فقال : لا أدري ما سلمة هذا ، ولم يعرف محمد هذا من حديث حميد .
بيان المعنى ، والإعراب : قوله ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ ) هذه العبارة تدل على أنه كان عادة له . قوله ( عند كل صلاة ) أراد بها الصلاة المفروضة من الأوقات الخمسة . قوله ( قلت : كيف تصنعون . .
) الحديث ، القائل عمرو بن عامر ، والخطاب للصحابة رضي الله عنهم ، وكلمة "كيف" يسأل بها عن الحال . قوله ( يجزئ ) بضم الياء آخر الحروف ، أي يكفي من أجزأني الشيء ، أي كفاني ، وفي رواية الإسماعيلي : يكتفى ، وفاعله "الوضوء" بالرفع . وقوله ( أحدنا ) منصوب ؛ لأنه مفعول يجزئ .
بيان استنباط الأحكام : الأول : اختلفوا في هذا الباب ، فذهبت طائفة من الظاهرية والشيعة إلى وجوب الوضوء لكل صلاة في حق المقيمين دون المسافرين ، واحتجوا في ذلك بحديث بريدة بن الحصيب : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة ، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد . أخرجه الطحاوي ، وابن أبي شيبة ، وأبو يعلى ، وأخرجه مسلم ، وأبو داود عنه ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد ج٣ / ص١١٣. . الحديث ، وذهبت طائفة إلى أن الوضوء واجب لكل صلاة مطلقا من غير حدث .
وروي ذلك عن ابن عمر ، وأبي موسى ، وجابر بن عبد الله ، وعبيدة السلماني ، وأبي العالية ، وسعيد بن المسيب ، وإبراهيم ، والحسن . وحكى ابن حزم في ( كتاب الإجماع ) هذا المذهب عن عمرو بن عبيد ، قال : وروينا عن إبراهيم النخعي : أنه لا يصلي بوضوء واحد أكثر من خمس صلوات ، ومذهب أكثر العلماء من الأئمة الأربعة ، وأكثر أصحاب الحديث ، وغيرهم : أن الوضوء لا يجب إلا من حدث ، وقالوا : لأن آية الوضوء نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة ؛ لأن معنى قوله تعالى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إذا أردتم القيام إلى الصلاة ، وأنتم محدثون ، واستدل الدارمي على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : لا وضوء إلا من حدث ، وحكى الشافعي عمن لقيه من أهل العلم أن التقدير : إذا قمتم من النوم . فإن قلت : ظاهر الآية يقتضي التكرار ؛ لأن الحكم المذكور ، وهو قوله : فَاغْسِلُوا معلق بالشرط ، وهو إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فيقتضي تكرار الحكم عند تكرار الشرط كما هو القاعدة عندهم .
قلت : المسألة مختلف فيها ، والأكثرون على أنه لا يقتضيه لفظا . وقال الزمخشري رحمه الله تعالى : فإن قلت : ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة ، محدث وغير محدث ، فما وجهه ؟ قلت : يحتمل أن يكون الأمر للوجوب ، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة ، وأن يكون للندب . فإن قلت : هل يجوز أن يكون الأمر شاملا للمحدثين وغيرهم ، لهؤلاء على وجه الإيجاب ، ولهؤلاء على وجه الندب ؟ قلت : لا ؛ لأن تناول الكلمة الواحدة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والعمية .
وقال الطحاوي رحمه الله تعالى : قد يجوز أن يكون وضوؤه عليه الصلاة والسلام لكل صلاة ، على ما روى بريدة ، كان ذلك على التماس الفضل لا على الوجوب ، والدليل على ذلك ما رواه الطحاوي ، وابن أبي شيبة من حديث أبي عطيف الهذلي ، قال : صليت مع عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما الظهر ، فانصرف في مجلس في داره ، فانصرفت معه حتى إذا نودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ ، فقلت له : أي شيء هذا يا أبا عبد الرحمن ، الوضوء عند كل صلاة ؟ فقال : وقد فطنت لهذا مني ، ليست بسنة ، إن كان لكافيا وضوئي لصلاة الصبح وصلواتي كلها ما لم أحدث ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من توضأ على طهر كتب الله له بذلك عشر حسنات . ففي ذلك رغبت يا ابن أخي . وقال الطحاوي : وقد روي عن أنس بن مالك ما يدل على ما ذكرنا ، يعني اكتفاء المصلي بوضوء واحد لصلوات كثيرة ما لم يحدث ، وذلك لأنه قد علم حكم ما ذكرنا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ير ذلك فرضا ، بل كان ذلك لإصابة الفضل ، وإلا لما كان وسعه ولا لغيره أن يخالفوه .
وقال الطحاوي أيضا : ويجوز أن يكون ذلك فرضا أولا ، ثم نسخ ، ثم استدل على ذلك بحديث أسماء ابنة زيد بن الخطاب بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر ، حدثها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة ، طاهرا كان أو غير طاهر ، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة ، فهذا دل على النسخ . وفي رواية ابن خزيمة في ( صحيحه ) : فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة ، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث ، ويقال في الجواب : يحتمل أن يكون ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم . وقال ابن شاهين : لم يبلغنا أن أحدا من الصحابة والتابعين كانوا يتعمدون الوضوء لكل صلاة إلا ابن عمر ، وفيه نظر ؛ لأنه روى ابن أبي شيبة : حدثنا وكيع ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين : كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة .
وفي لفظ : كان أبو بكر ، وعمر ، وعثمان يتوضئون لكل صلاة . وقال بعضهم : يمكن حمل الآية على ظاهرها من غير نسخ ، ويكون الأمر في حق المحدثين على الوجوب ، وفي حق غيرهم للندب . قلت : هذا لا يصح ؛ لما ذكرنا عن قريب أنه على هذا يكون من باب الإلغاز ، فلا يجوز .
الثاني من الأحكام : فيه دلالة على فضيلة الوضوء لكل صلاة وحدها . الثالث : يجوز الاكتفاء بوضوء واحد ما لم يحدث . الرابع : فيه دلالة على وجوب الوضوء عند الحدث لمن يريد الصلاة .